مرحلة حرجة في السياسة الخارجية المصرية

تابعنا على:   09:13 2013-11-21

جميل مطر

من إنجازات «ثورة يناير» أنها «سيست» الجماهير المصرية إلى درجة لم تعرفها من قبل مصر الحديثة. ولكن مثلما حدث في إنجازات أخرى، تجاوز التسييس الحد المعتدل حين اختفت أو كادت تختفي المسافة بين «التسيس» والغوغائية وخرجت الجماهير بحماستها وانفعالها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وفي ما تفهم وفي ما لا تفهم. هكذا تحولت إنجازات بعينها إلى إخفاقات، وهكذا تداخلت وتشابكت المواقف، فاختلط في أحيان كثيرة الجد بالهزل والثورة بالفوضى والرأي بالشائعة.
نعرف من تجارب أمم وثورات أخرى أن التسييس إن زاد عن حده دفع بالمجتمع إلى الارتباك وخلق حساسية في العلاقة بين المواطن والحكومة في الظروف العادية، وبين المواطن والناشط السياسي في ظروف الثورة. في حالتنا، كان واضحا أن هذا التسييس المفرط، عقبة في وجه مسيرة الثورة، خاصة في وجه عملية إنضاج النخبة الثورية. أظن أنه مسؤول أيضا بدرجة أو بأخرى عن ضعف أداء الحكومات المتعاقبة وضعف أداء قادة التيارات السياسية على اختلاف توجهاتها.
مفيد، بل مفيد جدا، أن يعمل الوزير أو المسؤول الكبير، وهو يعلم أن عيون الناس وعقولهم تراقبه وتتابع عمله. وضار، بل ضار جدا، أن ينشغل المواطن نهارا وليلا بتقييم أداء المسؤول أولا بأول، ولا يكتفي بإعلان انتقادات، بل يسعى لاستصدار أحكام واتخاذ قرارات لا يتحمل مسؤوليتها. وفي أحيان كثيرة، لا يكتفي المواطن شديد التسيس بحشد الناس وإثارتهم عن طريق إصراره على استخدام حقه في إسماع صوته من خلال برامج الكلام التلفزيونية ومن على المنصات الخطابية، بل وجدناه يعود إلى بيته ليمارس هواية الجدل السياسي مع أفراد عائلته، فإذا بالبيوت تشتعل بنار الخلافات السياسية، إضافة لنيران خلافات أخرى اجتماعية واقتصادية عديدة، سبقت الثورة أو لحقت بها.
أن تكون الجماهير حكيمة ورشيدة فهذا أمر نتمناه ونعمل لتحقيقه، ولكن أن يتصرف كل مواطن في أي قضية عامة كما لو كان متخصصا تخصص الوزراء والقضاة والضباط ومطلعا على دفاترهم بقدر إطلاعهم، فهذا هو الأمر غير المفيد وغير المجدي للثورة والدولة والمواطن معا.
[[[
شعرت بارتياح حين تولى مسؤولية وزارة الخارجية المصرية وزير شاء أن يطلع الرأي العام على ما ينوي عمله والمشكلات التي تواجهه. تعمد، كما لاحظت، أن يعرض قضايا مصر الخارجية بأسلوب يمكن أن يفهمه المراقب لسياسة الدولة من غير المتخصصين. ارتحت أكثر حين سمعت أن الناس استجابت لهذا الأسلوب في التعامل مع الرأي العام بردود فعل إيجابية واهتمام معقول. كنت على امتداد سنوات عديدة أدعو المسؤولين عن صنع وتنفيذ السياسة الخارجية إلى كسر طوق التكتم الذي فرضه أقطاب الحزب الحاكم، مبررين تكتمهم بحجج تقليدية عفا عليها الزمن، مثل حساسية بعض القضايا، وخطورة المعلومات المتعلقة بالسياسة الخارجية، والخوف من أن تتسرب أسرار الأمن القومي وخطط الدفاع الاستراتيجي، ووجود عملاء وطوابير خامسة وجواسيس على استعداد لتلقف أي معلومة تخدم الأعداء. إلا أن الحجة التي كثيرا ما كان يلجأ إليها المسؤولون لتبرير التعتيم على المعلومات المتعلقة بسياستنا الخارجية في المنطقة العربية، فكانت الزعم بالحرص على حماية العمالة المصرية في الدول العربية خاصة في دول الخليج. تحديت كثيرين في مواقع المسؤولية بالحزب وخارجه، عندما طلبت نشر قائمة بعناوين موضوعات يبررها استخدام هذه الحجج، وكنت من جانبي مستعدا لتقديم قائمة مقابلة بالمواقع الأجنبية التي تنشر تفصيلات بالغة الدقة عن هذه الموضوعات التي تحجب عن الرأي العام المصري. كان جل ما نعتقد أنه من الأسرار، نجده في اليوم التالي وربما في اليوم نفسه منشورا في موقع إعلامي، أو في دراسة لباحث في أحد مراكز العصف الفكري في الخارج.
[[[
كتب كثيرون في داخل مصر كما في دول أخرى داعين إلى أهمية التزام الحرص الشديد في التمييز بين حق الجماهير في إبداء رأيها في قضية من قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية وبين الزعم بحقها في صنع القرار. يقضي الواجب بأن تحاط الجماهير علما بموضوعات العلاقات الخارجية باعتبار أنها تؤثر في مستقبل الشعب والدولة، ولكن هذا الواجب نفسه، يقضي بأن تكون عملية صنع السياسة الخارجية هي من مسؤولية اجهزة صنع قرار السياسة الخارجية باعتبار أنها عملية متخصصة وتحتاج إلى خبرات خاصة في التفاوض وتجميع المصالح والضغوط وفي الصياغة وصنع البدائل والسيناريوهات. يجوز طرح قضايا معينة وفي مراحل معينة من عملية صنع القرار للنقاش العام بهدف إثارة اهتمام المواطنين واستخدام هذا الاهتمام خلال التفاوض مع دول أخرى أو بهدف إعداد المواطنين لاستقبال أخبار سيئة كما في القرارات المتعلقة بتدهور علاقات خارجية مثل فرض الحصار أو الإعداد للحرب.
[[[
كان صاعقا لنا ما تسرب، عمدا أو خطأ، عن لقاء الدكتور مرسي مع ممثلين لتيارات سياسية وشعبية لمناقشة سيناريوهات العمل في أزمة سد النهضة. كان يمكن لو استمر النقاش على النحو الذي جرى عرضه على الجماهير أن تتردى العلاقات مع إثيوبيا إلى اشتباكات مسلحة وعمليات إرهاب متبادلة. وكان مؤذيا للعقل والضمير وسمعة السياسة الخارجية المصرية ومكانة مصر الإقليمية والدولية انعقاد المؤتمر الشعبي الذي ترأسه الدكتور مرسي لمناقشة الأزمة السورية، كان يمكن لو تكرر انعقاده أو خرجت قراراته إلى حيز التنفيذ، أن يشعل في مصر حريقا هائلا وأن يضع الشرق الأوسط جميعه في بوتقة صهر إرهابية لعشرات السنين، وأظن أن شيئا من كل هذا يحدث الآن.
[[[
كان أيضا دافعا للقلق رد الفعل للانفتاح المتبادل بين روسيا ومصر. أتصور أن رد الفعل، سواء جاء بتشجيع من مصادر وقوى رسمية أو بحماسة تلقائية من جانب معلقين ومذيعين وإعلاميين، لم يخدم صانع القرار في كلا البلدين. كان الطرفان يستعدان لمفاوضات تتعلق أساسا بشراء سلاح، في ختام جولة جاب خلالها الروس دولا في أميركا اللاتينية وأفريقيا يسوقون منتجاتهم العسكرية بعد أن بلغت المنافسة أشدها في تجارة السلاح. نعرف الآن أن رد الفعل الشعبي المتبادل في مصر وروسيا دفع بالمفاوضات، إعلاميا ثم سياسيا، نحو أبعاد لم يكن الطرفان قد استعدا لها بالقدر اللازم.
مثل هذه القضايا تستحق اطلاع الرأي العام عليها ولكن مع ضمان «تحصين» أجهزة صنع السياسة الخارجية وقراراتها ضد تدخلات من جانب من لا يقدرون دقة وحساسيات الوضع الإقليمي وضد من يسعون إلى استغلال حالة التسيس المتفاقمة في الشارع المصري لتحقيق أهداف سياسية وعقائدية خاصة أو بحجة الحاجة الماسة إلى انتصارات مبهرة.
[[[
أرى عند الأفق سحبا كثيفة قادمة في اتجاهنا معبأة بتحولات جوهرية في أنماط التفاعلات الدولية والإقليمية. أغلب التطورات تمس مباشرة دور مصر في ميزان القوى الإقليمية. يبدو، على سبيل المثال، أن أطرافا في القمة الدولية قررت توظيف النفوذ الإيراني في جهود تسوية أزمات عجزت التوازنات السابقة عن تسويتها مثل أزمات سوريا ولبنان واليمن والعراق. يبدو أيضا أن تركيا لم تنتظر «سايكس بيكو» جديدة، فها هي تقوم بنفسها بترتيب قضية مستقبل الأكراد، والتصرف بعنف إن استدعي الأمر، في حال أصر أكراد سوريا على الانفصال. يبدو كذلك أن روسيا تكاد تقتنع بأن مستقبل سيناء قد يكون أهم لأمنها واستقرار بلاد القوقاز وللحرب ضد الإرهاب من سوريا، أو بعد سوريا. ولا يخفى على مسؤول في المنطقة أن الفرصة سانحة لتتخذ إسرائيل خطوتها الأخيرة نحو إعلان نهاية صراعها مع الفلسطينيين بعد أن أنهت أو كادت تنهي صراعها مع بقية العرب.
[[[
هذه التطورات المحتملة، وغيرها كثير وخطير، سوف تفرض نفسها خلال الشهور القادمة على حكومات عربية أغلبها مأزوم وعلى شعوب عربية أغلبها «مسيس» للغاية.
عن «الشروق» المصرية

اخر الأخبار