أيهاالصحفي احذر من جريمة (نشر الأخبار الكاذبة)

تابعنا على:   01:44 2013-11-21

د. خالد القيق

تحرص كل التشريعات على توفير أجواء الهدوء والسكينة والاستقرار داخل المجتمع ولذلك تتجه معظم هذه التشريعات لتجريم كل الأفعال والأعمال التي من شأنها التسبب في نشر الخوف والرعب بين الناس وتكدير صفو الطمأنينة العامة، وهذا حق طبيعي للحكومات نؤيده وندعمه في ظل وجود نيابة وقضاء متخصص في قضايا الصحفيين مؤمنا أيضا بأهمية دور الصحافة في رقي وتقدم المجتمعات في كل المجالات مرجحا كفة الصحافة أحيانا لو تجاوزت حدودها القانونية من أجل المصلحة العامة، لكن المشكلة تكمن في النص علي هذه الجريمة وغيرها من جرائم الصحافة في ظل وجود قضاء أو نيابة معادية لحرية التعبير ، من أجل ذلك وحرصا علي أمن وسلامة الصحفيين يتحتم علينا بيان وتوضيح هذه الجريمة التي تقع بواسطة وسائل الإعلام حتى يتجنب الصحفي ارتكابها وليعرف ما هي الأفعال والأقوال التي يعتبرها المشرع من قبيل هذه الجريمة.

الجدير بالإشارة أن هذه الجريمة منصوص عليها في كل التشريعات الدولية وهذا لا يدلل علي وجود عيب في القانون أو انتقاص من حرية الصحافة ولكن المشكلة تكمن في التطبيق والتفسير الواسع لمفهوم بعض المصطلحات في نص هذه الجريمة من قبل السلطات العامة ومنها القضاء والنيابة.

لقد حرص القانون المطبق في قطاع غزه النص علي هذه الجريمة في المادة (62) حيث نصت على أن ;

1- « كل من نشر أو ردد قولاً أو إشاعة أو خبراً من شأنه أن يسبب خوفاً أو رعباً للناس أو أن يكدر صفو الطمأنينة العامة وهو عالم أو لديه ما يحمله على الاعتقاد بأن ذلك القول أو الإشاعة أو الخبر عار عن الصحة، يعتبر أنه أرتكب جنحة ويعاقب بالحبس مده ثلاث سنوات.

2- إذا أسندت تهمة إلى شخص بمقتض الفقرة السابقة فلا يقبل في معرض الدفاع إدعاؤه بأنه لم يكن يعلم أو لم يكن لديه ما يحمله على الاعتقاد بأنه القول أو الإشاعة أو الخبر عار عن الصحة، إلا إذا أثبت بأنه اتخذ التدابير المعقولة للتأكد من صحة ذلك القول أو الإشاعة أو الخبر قبل النشر.»

أما بالنسبة للقانون المطبق في الضفة الغربية فقد نص على هذه الجريمة ولكن في حالة أو في زمن الحرب حيث نصت المادة (131) على أنه :

أ- يستحق العقوبة المبينة في المادة السابقة من أذاع في المملكة في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسيته ومعنوياته.

ب- إذا كان الفاعل قد أذاع هذه الأنباء وهو يعتقد صحتها ، عوقب بالحبس مده لا تقل عن ثلاثة أشهر

لقد أستخدم المشرع ( قانون العقوبات المطبق في قطاع غزه ) كلمة نشر وكلمة رددا بينما أستخدم المشرع ( القانون المطبق في الضفة الغربية) ( ) كلمة أذاع وهي أشمل وأعم حيث تستوعب كل وسائل العلانية والمقصود كما هو معروف منها هو إعلام الناس بدون تمييز. وإننا نعتقد أن ذلك كان أكثر توفيقا وكلمة ( نشر) قد استخدمها المشرع المصري عندما نص في المادة ( 188 ) عقوبات على أنه « يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنه وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبات كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقا مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا إلى الغير، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.»

الجدير بالإشارة أن المادة (188) مصري تتفق مع المادة (62) عقوبات المطبق بقطاع غزة والتي تتفق أيضا مع نص الفقرة الأولي من المادة 27 من قانون الصحافة الفرنسي الصادر سنة 1881كما نستطيع القول أن المادة (131) تتشابه مع المادة (102) عقوبات مصري التي نصت على تجريم هذه الأفعال في زمن الحرب.

1- أركان الجريمة :-

تتحقق هذه الجريمة بتوافر الركن المادي والركن المعنوي إلى جانب ركن العلانية.

أ-الركن المادي:

هو النشاط أو السلوك الإجرامي الذي يقوم به الجاني و المتمثل بإتيانه أحد الأفعال التي نصت عليها المادة (62) من قانون العقوبات المطبق في قطاع غزه والمادة (131) من قانون العقوبات المطبق في الضفة الغربية وأن يتم ذلك بإحدى طرق العلانية وهذه الأفعال هي " أخبار أو إشاعات أو أقوال كاذبة أو عارية عن الصحة." ويشترط المشرع كما واضح من النصوص أن يؤدي ذلك إلى تكدير صفو الطمأنينة العامة والتسبب بخوف ورعب الناس.

والنتيجة التي اشترطت بالمادة(62) نعتقد أنها نفس النتيجة التي أشترطها المشرع بالمادة (131) وهي أن تؤدى هذه الإشاعات والأخبار إلى وهن نفسية الأمة فالخوف والرعب وتكدير صفو الطمأنينة والتي جاءت بالمادة (62) جميعها تؤدى إلى نفس النتيجة وهي أضعاف نفسية الأمة أو الشعب أو الأفراد مما يسهل على أعداء البلد أو المتعاونين والمنحرفين من تحقيق غايتهم وجدير بالذكر أن المادة (131) تنص على محل النشر وهو إذاعة الأنباء الكاذبة والمبالغ فيها أي أنها جرمت بجانب الأنباء الكاذبة الأنباء المبالغ فيها، وهذا بعكس ما جاءت به المادة (62) والتي نصت كما ذكرنا سابقا على العديد من الأفعال ومنها نشر الأخبار أو الإشاعات أو ترديد الأقوال وهذا ما يجعلنا أن نشيد بنص المادة(62) ولكن رغم ذلك فأن المادة (188) مصري وسعت من محل النشر أكثر من المادة (62) فرغم أنهما اتفقا على تجريم نشر الأخبار أو الإشاعات إلا أن المادة (188) عقوبات مصري تنص على أفعال أخرى وهي نشر البيانات الكاذبة والأوراق المزيفة والمصطنعة. ويقصد بالأخبار الكاذبة الإعلام عن وقائع حدثت فعلا بصورة غير مطابقة للحقيقة وغالبا ما ينصب هذا الإعلام على وقائع أو أمور حدثت في وقت قريب أو مازالت جارية وممكن أن تتعلق بأحداث قديمة إذا كانت غير معلومة للجمهور وهذا نفس معنى البيانات الكاذبة والجدير بالذكر أن الجريمة تقع سواء كانت كل الأخبار والبيانات كلها كاذبة أو جزء منها، مثال ذلك أن يذكر الصحفي أن أحد رؤساء الدول العربية رفض حضور القمة العربية لأنها لا تلبى مصالحه في حين يكون السبب لعدم حضوره هو اعتلال في صحته هو الذي أقعده .

أما المقصود بالإشاعات الكاذبة هي نوع من الأخبار الغير مؤكدة يراد من وراءها لفت النظر إليها وتأكيدها وعلم الناس بها أي هي ترديد أقاويل أو أخبار غير صحيحة على أنها حقيقة ومطابقة للواقع ولذلك أننا نتصور أن ترديد الأقوال الكاذبة تحمل نفس معنى إشاعات الكاذبة وكان من الأفضل عدم التكرار.

أما المقصود بالأوراق المصطنعة والتي جاء على ذكرها بالمادة (188) عقوبات مصري فهي الأوراق التي تكون غير صحيحة في مجموعها والتي لا أصل لها ويستوي في ذلك أن تكون الأوراق المصطنعة من صنع الجاني أو الغ.

أما الأوراق المزورة فهي أوراق موجودة بالأساس ولكن يتم التغير في حقيقتها من قبل الجاني سواء كان ذلك بالحذف أو التعديل.

والأوراق المنسوبة كذبا إلى الغير قد تكون أوراقا صحيحة أو مصطنعة أو مزورة وينسبها المتهم إلى غير صاحبها ويقوم بنشرها.

أما بخصوص النتيجة فأن المواد المذكورة جميعا لا تشترط تحقق نتيجة إجرامية وهي تكدير صفو الطمأنينة وإثارة الرعب والفزع والخوف أو تكدير السلم العام أو حدوث ضرر بالمصلحة العامة أي أنه يكتفي باحتمال حدوث هذه النتيجة وهذا يترك لتقدير لقاض الموضوع. أي أنه يشترط لعقاب مرتكب الجريمة أن يكون نشر الخبر أو الإشاعة أو القول من شأنها ولو على سبيل الاحتمال تحقيق غاية من الغايات المذكورة بالنصوص ( تكدير صفو الطمأنينة أو الأمن العام أو الذي يوهن نفسية الأمة أو إثارة الرعب والفزع أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة).

والجدير بالإشارة أن المشرع المصري توسع أكثر في توفير الحماية للعديد من المصالح وهي السلم العام والمصلحة العامة وراحة الناس وهذا بخلاف ما جاء بالقانون الفلسطيني التي حصر هذه المصالح في عدم تكدير صفو الطمأنينة والحفاظ على عدم خوف وفزع ووهن الناس ونحن من جانبنا نؤيد ما ذهب إليه المشرع المصري.

والجدير بالذكر أن السلم العام والطمأنينة العامة يتفقان بالمعنى وهو إحساس الناس بالأمن والطمأنينة ومباشرة الناس لحياتهم اليومية على الوجه المعتاد، أما بالنسبة للمقصود بإلحاق الضرر بالمصلحة العامة التي ورد ذكرها في المادة (188) عقوبات مصري فهي تعطيل مصالح الدولة أو حدوث اضطرابات تهدد المنشآت ومؤسسات الدولة وتعطل عملها على النحو المعتاد.

ب- الركن المعنوي:

حتى تتحقق جريمة نشر الأخبار الكاذبة يجب توافر القصد الجنائي لدى الجاني فهذه الجريمة تعد من الجرائم العمدية أي أنها لا تقع إلا عمدا وهذا ما يستفاد من عبارة « وهو عالم أو لديه ما يحمله على الاعتقاد بأن ذلك القول أو الإشاعة أو الخبر عار عن الصحة » المادة (62) من القانون المطبق في قطاع غزة، وهذا ما أكد عليه أيضا القانون المطبق في الضفة الغربية مادة (131) في عبارة "يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها" وهذا هو المقصود من عبارة (كل من نشر بسوء قصد)الواردة في المادة (188) من قانون العقوبات المصري.

أي المقصود ليس العلم فقط بمضمون العبارات بل المقصود العلم بأن كل ما نشره غير مطابق للحقيقة وان تتوافر لديه إرادة النشر. وفي هذه الحالة يكون عبء إثبات القصد الجنائي إلى سلطة الاتهام أي (النيابة العامة).

ج-العقوبة:

حسب نص المادة (62) من القانون المطبق في قطاع غزة فإن الجاني يعاقب بالحبس ثلاث سنوات على اعتبار أنها جنحة ولا يعفي من العقوبة إلا إذا أثبت أنه اتخذ كل التدابير اللازمة للتأكد من صحة الخبر أو الإشاعة أو الخبر قبل النشر وتوخي الموضوعية وهذا التشابه مع ما ذهب إليه المشرع المصري.

أما القانون الأردني المطبق في الضفة الغربية فيعاقب الجاني أو الصحفي الذي أرتكب الجريمة بالأشغال الشاقة المؤقتة إذا وقعت زمن الحرب حسب المادة (131) وتخفف إلي ثلاثة شهور لو كن يعتقد صحتها وهذا مخالف ما نص عليه القانون المطبق في قطاع غزة الذي أعفى الصحفي أو الجاني من العقوبة في حالة اعتقاده صحة الأخبار التي نشرها والجدير بالإشارة إذا لم يرد في أي نص تحديد مدة الأشغال الشاقة فيكون الحد الأدنى لعقوبة الجريمة المعاقب عليها بالأشغال الشاقة ثلاثة سنوات والحد الاعلي خمسة عشرة سنة،كما يعاقب القانون المطبق في الضفة مرتكب الجريمة بالحبس مدة لا تنقص عن ستة شهور في حالة إذاعة أخبار كاذبة أو مبالغ فيها من خارج فلسطين تنال من هيبة الدولة المادة 132 كما يعاقب هذا القانون من ينشر أخبار كاذبة أو مبالغ فيها بالحبس مدة لا تقل عن سنة إذا كان ذلك موجها ضد الرئيس المادة 133)

أما القانون المصري فقد عاقب مرتكب هذه الجريمة بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين أما في حالة الحرب فإن المشرع يعتبرها جناية وعقوبتها السجن المادة (80) وكذلك يعاقب مرتكب الجريمة بالسجن والغرامة التي لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد عن خمسمائة عند نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام أو ألقاء الرعب والخوف بين الناس زمن الحرب المادة (102) وللعلم السجن في القانون المصري مدته التي لا تقل عن ثلاثة سنوات

دكتوراه بجرائم النشر والاعلام

 

اخر الأخبار