كيف ولدت "فتح" ؟ و كيف أسست للمشروع الوطني و الوحدة الوطنية و القرار الفلسطيني المستقل ؟

تابعنا على:   22:36 2014-12-31

علاء أبو النادي

لم تنشأ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" كغيرها من التنظيمات إعتمادا على فكرانية (أيدولوجيا) محددة و جامدة تعزل كل من لا يؤمن بها عنها و تسهم في تفرقة المجتمع و تصعيد الصراعات الجانبية على حساب الصراع مع الحركة الصهيونية التي تحتل فلسطيننا , "فتح" تشكلت بأيدي فلسطينية مخلصة لقضيتها و تؤمن بأن شعب فلسطين يجب أن يكون طليعة الشعوب العربية و الإسلامية في حربها مع الصهيونية المقيتة , بعد أن جربت هذه الطليعة العمل تحت عباءة القوى التي كانت موجودة على الساحة العربية كحركة القوميين العرب و جماعة الإخوان و بدرجة مختلفة حزب البعث العربي بفرعيه السوري و العراقي , فوجدت أن هؤلاء إما لا يعملون لفلسطين بالدرجة الأولى و إما يؤمنون بمباديء و أفكار تؤخر عملية التحرير أو البدء فيها على الأقل , فالقومين العرب كانوا يسعون إلى وحدة عربية قبل تحرير فلسطين و إزالة الكيان الصهيوني من على أرضها و هذا بطبيعة الحال يتطلب الدخول بصراعات مع الأنظمة العربية القائمة آنذاك بهدف إسقاطها و إستبدالها بأنظمة موالية أو متعاطفة مع توجهاتهم , أما جماعة الإخوان فهي جماعة نشأت بهدف قالوا أنه إقامة دولة الخلافة الإسلامية و لكن سرعان ما تبين زيف و كذب هذا الشعار و ما هو إلا وسيلة للوصول للحكم كما ثبت أنها نشأت و دعمت من القوى الغربية لصالح معركتها مع المعسكر الشرقي تحت عنوان الحرب بين الإيمان و الإلحاد (الكفر) المتمثل في الشيوعية و الإتحاد السوفيتي , و بالنسبة لحزب البعث فهو إدعى العمل من أجل الوحدة العربية بينما فشل في توحيد البلدين الجاريين العراق و سوريا حيث دخل فرعي الحزب فيها بصراعات مريرة بالإضافة لممارسة كل أشكال التدخل في القضية الفلسطينية بهدف السيطرة عليها و على قرارها لإستخدامها كورقة للمزايدة على الآخرين شأنهم شأن البقية في هذا , و بالتالي فإن هذه القوى و أهدافها المختلفة و صراعاتها المتعددة و الإستقواء بالغير على بعضها البعض عملت على حرف البوصلة و أوجدت للعدو أرضية خصبة للتدخل في شؤوننا العربية بما يخدم تطلعاتها و أهدافها الإستعمارية و سرقة ثروات وطننا العربي الكبير و جعلت من تحرير فلسطين هدفا ثانويا , الأمر الذي رفضه مؤسسوا "فتح" الأوائل و دفعهم للبحث عن خط وطني مستقل و يجمع الكل على هدف واحد ألا و هو "تحرير فلسطين" فخرجت بشعار معبر و منطقي جدا " تحرير فلسطين طريق الوحدة العربية " و ليس العكس فطالما أن الكيان الصهيوني قائم و يبث سمومه في المنطقة بدعم الدولة العظمى في العالم "أمريكا" فمن المستحيل التوصل لوحدة عربية أو إسلامية .

و بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 إتضح للإخوة مؤسسي حركة "فتح" أن التحدي الحقيقي لم يكن في صناعة و مساندة الكفاح المسلح و إنما في ملء الفراغ الذي خلفه عدم وجود أي منظمات فلسطينية مستقلة , حيث أن العدوان الثلاثي و تأخر العمل لفلسطين و ضعفه أضعف بصورة عامة القوى السياسية الموجودة على الساحة العربية و وضع مصداقيتها في تحد لم تفلح في إجتيازه بنجاح , و حتى نظام جمال عبد الناصر تضررت صورته بين الفلسطينين بعد قراره وقف العمل الفدائي ضد الصهاينة بعد إنسحابهم من غزة في آذار 1957 بغض النظر عن التحليلات السياسية و ما سيحصل لاحقا , و هنا نشأت ثلاثة تيارات من الشباب الفلسطيني كما قال الأخ الشهيد "أبو جهاد" فكان التيار الأول يدعو إلى جمع عدد من القيادات الفلسطينية و دفعها لتشكيل إطار محدد يقود شعبنا الفلسطيني و لكن الصراعات بين القوى و الأشخاص جعله يصل إلى طريق مسدود , و التيار الثاني كان يريد إعلان حكومة في المنفى على أنقاض حكومة عموم فلسطين التي أجهضتها الأنظمة العربية للم شمل الشعب و قيادته في معركته للتحرير و لكن أفشلت العراقيل العربية على المستوى الرسمي هذه الفكرة أيضا , أما التيار الثالث إرتأى ضرورة النزول تحت الأرض و إعتماد السرية المطلقة في التنظيم إلى أن يستطيع فرض وجوده و الإعتراف به , و هذا ما كان لأنه التيار الذي عبر بصدق عن حقيقة مشاعر و طموحات الأغلبية الساحقة من تجمعات شعبنا , هذا التيار قاده و حمله للنجاح الإخوة مؤسسي حركة "فتح" .

بنظرة سريعة على مؤسسي "فتح" و كيفية تأسيسها نستطيع أن نفهم المقصود من عنوان هذه الكلمات "وحدة وطنية" , " قرار مستقل" و " مشروع وطني" , نبدأ بالأخ الشهيد ياسر عرفات و إسمه الحقيقي "محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني" , ناشط فلسطيني شارك مسبقا بالقتال تحت إمرة المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني , و شارك في القتال مع مفرزة الإخوان فيما بعد في غزة و القدس , و إجتاز دورة تدريب ضباط الإحتياط في القاهرة , و صار رئيسا لرابطة الطلبة الفلسطينين عام 1952 , و الأخ أبو جهاد الذي إنضم لجماعة الإخوان عام 1951 ناويا العمل من أجل فلسطين و تحريرها , و قبلها قاد و هو سن السادسة عشرة 200 شاب فلسطيني يصغروه بعام و عامين ليعملوا لتحرير فلسطين بما يمتلكونه و يستطيعونه , و بعد الضغط الكبير من قاعدة الإخوان على قيادتها رضخت الجماعة لتلك الضغوط و أسست تنظيمين عسكريين سريين "شباب الثأر" و "كتيبة الحق" , فكان أبو جهاد في كتيبة الحق , و بعد إستمرار تردد قادة الإخوان في العمل العسكري ضد الصهاينة إنسحب الأخ "أبو جهاد" من صفوف الإخوان و معه الأخ "أبو إياد" صلاح خلف الذي كان في كتيبة "شباب الثأر", و ذهب "أبو جهاد" لتأسيس تنظيم موازي مستفيدا من موقعه في "كتيبة الحق" , و بدأ "أبو جهاد" بإرسال الرسائل إلى الصحف اللبنانية بخط يده لإبراز العمل و القوة ضد الإحتلال . و بدأ أيضا الضغط على الدولة المصرية لدفعها نحو العمل العسكري ضد الصهاينة لدرجة رفع الأعلام المصرية المبللة بدماءالجنود المصريين الذين إستشهدوا في الغارة الصهيونية عليهم في 28/2/1955 , و إلتقى أبو جهاد بأبو عمار لأول مرة خلال زيارة "أبو عمار" لغزة بصفته رئيسا لرابطة طلاب فلسطين و إزدات علاقتهم قوة و متانة بعد عودة "أبو عمار" إلى غزة كمدرب عسكري , و كانت الأسئلة الملحة التي تدور في عقول الإخوة هي كيف يمكننا أن نشرك أكبر عدد من الفلسطينين في الكفاح المسلح ؟ و كيف يمكننا تشكيل بؤرة مساندة لمجموعة المقاومة الشعبية في غزة ؟ , في هذه الأثناء كان الإخوة سليم الزعنون و كمال عدوان يقومون بجهد كبير لتجميع بقايا الإخوان و البعثيين و الشخصيات الناصرية في غزة لإنشاء "جبهة المقاومة الشعبية" .

و في تلك الأثناء أيضا كان الإخوة في سوريا يفكرون و يحاولون العمل لفلسطين و شعبها , فالأخ خالد الحسن "أبو السعيد" كان قد أسس جماعة "تحرير فلسطين" و بعد أن إنتهت هذه الظاهرة ذهب لتأسيس "حزب التحرير" في سوريا إلى أن إنتهى هذا الحزب في زمن الشيشكلي فلجأ "أبو السعيد" إلى الكويت , أما الأخ محمود عباس "أبو مازن" كان قد أسس جماعة "أبناء فلسطين في الجامعة" , كما أسس الأخ هايل عبد الحميد مجموعة "عرب فلسطين" في سوريا أيضا , و أسس الأخ عادل عبد الكريم مجموعة طلابية نشيطة تحت إسم "العاصفة" , و أسس الأخ هاني الحسن مجموعة "الأقصى" .

بعد تخرج الإخوة من غزة من الجامعات ذهبوا للعمل في الدول الغنية بالنفط , و خرج الإخوة من سوريا أيضا للعمل في تلك الدول بعد تصاعد قمع نظام الشيشكلي للعمل الفلسطيني خشية منه من ان تركب المعارضة السورية "الحصان الفلسطيني" ضده , فإلتقى ستة من الإخوة في الكويت ياسر عرفات , خليل الوزير, عادل عبد الكريم, عبدالله الدنان, (من غزة), خالد عميرة و توفيق شديد (من سوريا) , فتألفت منهم أول خلية في العام 1958 و صاغوا وثيقتين تأسيسيتين "هيكل البناء الثوري" و "بيان الحركة" و إتفقوا على الإسم "فتح" , كانت وجهة نظرهم ببساطة تقول أن الحرية تؤخذ ولا تعطى , ظلت هذه الخلية على تواصل مع إخوتهم في غزة و سوريا لإستقطاب آخرين فإنضم لهم في مجموعة الكويت الإخوة صلاح خلف و خالد الحسن, و أسسوا منبرا إعلاميا تحت إسم "نداء الحياة – فلسطيننا" بمساعدة الإخواني السابق في لبنان "توفيق حوري" حيث بدأت المجلة بالصدور في 11/1959 و ساهمت في التواصل مع الإخوة الذين يفكرون بنفس الطريقة في كل مكان حيث كانت تركز على فكرة الكفاح المسلح و رفض المشاريع السياسية التي تسمح بوجود (اسرائيل) في المنطقة و القرار المستقل و القيادة الفلسطينية و أن تناقضنا الرئيس مع العدو الصهيوني .

و في قطر حيث شغل الأخ محمود عباس "أبو مازن" منصب مدير شؤون الموظفين في الحكومة و تعرف على الإخوة كمال عدوان , أبو يوسف النجار و عبد الفتاح حمود , بينما ذهب الأخ هاني الحسن إلى ألمانيا ليمارس فيها العمل النقابي , إنضم إليه هناك الأخ هايل عبدالحميد "أبو الهول" و أصدروا نشرة "الكفاح المسلح طريق العودة" و إتصلوا من خلالها و من خلال "نداء الحياة- فلسطيننا" مع الإخوة في الكويت .

حينها كان الأخ أبو جهاد كان قد أعاد إتصالاته مع زملائه السابقين منهم الأخ "يحيى عاشور" الذي كان يدرس في النمسا و أسس فيها إتحادا نشيطا للطلبة , و الأخ "صالح الكعكباني" زعيم طلابي في إسبانيا , كما قام الأخ صلاح خلف خلال إجازة له في غزة عام 1963 بتنظيم أعضاء "جبهة الكفاح المسلح الثورية" في حركة "فتح" , و كانت أيضا مجموعة قطر قد تواصلت و إجتمعت عدة مرات مع مجموعة الكويت و إتفقوا على التوحد تحت إسم "الفتح" .

بعد كل تلك التواصلات و محاولات العمل المخلصة و المتعددة تم عقد أول إجتماع للإخوة في الكويت , فمنحهم هذا الإجتماع الشعور بالهدف الواحد , و ثبت الحلقة القيادية , فصارت القيادة المركزية تتشكل من الإخوة ياسر عرفات , خليل الوزير, محمود عباس, فاروق القدومي (الذي ترك حزب البعث بعد إنهيار الوحدة السورية المصرية و إنضم لفتح) و عادل عبد الكريم, بالإضافة لشخصيات قيادية أخرى مثل عبدالله الدنان , خالد الحسن, منير سويد, سليم الزعنون,(الكويت), محمود الخالدي , حازم الخطيب و محود فلاحة (سوريا) , و كانوا كلهم لاجئون عدا الأخ فاروق القدومي القادم من الضفة الفلسطينية .

بعد هذا الملخص لكيفية نشأة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" نفهم أن هذه الحركة العظيمة نشأت نتيجة لتفكير فلسطيني مخلص في أماكن مختلفة و متباعدة يؤمن بضرورة العمل لفلسطين فقط , و بأهمية القرار الوطني المستقل , و الوحدة الوطنية , و الكفاح المسلح , فهؤلاء الإخوة جاؤوا من خلفيات متعددة , قومية و ناصرية و إسلامية و بعثية , لأنهم يؤمنون بأن القضية الفلسطينية يجب أن تكون أولوية قصوى تسقط عندها كل الحسابات الأخرى ,و أن التناقض الأهم هو مع الإحتلال الصهيوني فقط , بهذا تكون "فتح" قد أسست لمشروع وطني معني بتحرير فلسطين من خلال ثورة شعبية طويلة الأمد يقودها الشعب الفلسطيني ,قبل أي شيء آخر , و دون السماح بأي تدخلات عربية و دولية , و دون إضاعة القرار الوطني الفلسطيني من أيدي صاحبه الطبيعي "الشعب العربي الفلسطيني" , و دون الدخول في معمعات الفكرانيات (الأيدولوجيات) الجامدة التي تفضل لغة الإقصاء و تشتيت الجهود , فكانت الإنطلاقة المسلحة في الفاتح من كانون الثاني 1965 نتيجة لجهود الإخوة و كل من كان معهم و ساهم معهم في صناعة هذه الثورة المعاصرة و العظيمة التي نحيي اليوم ذكراها الخمسين , و بكل تأكيد رفعت فتح شعار "ديقراطية غابة البنادق" لإيمانها بالوحدة الوطنية الحقيقية و إن لم يجتمع الكل في تنظيم واحد أو على فكرة واحدة , فالمهم فلسطين , و "الأرض للسواعد الثورية التي تحررها" , أيا كانت تلك السواعد , و بهذا إستحقت حركة "فتح" مكانة حركة الجماهير (إم الجماهير) و إم الولد (المشروع الوطني) , تقدمي يا فتح على بركة الله و شدي على الجرح و إنتصبي فمثلك لا يموت ولا ينتهي إلا بقرار من الله تعالى وحده لا شريك له .

التحية كل التحية لهؤلاء الأبطال , من إستشهد منهم و من أسر و من لا زال ينتظر و يعمل من أجل حرية الأرض و الإنسان , و نحن كفتحويين لا بد لنا من فهم طبيعة "الفتح" هذه , و أن نعمل بناء عليها , و أن ننهض بأنفسنا و فتحويتنا و فلسطينيتنا لننهض بفتح و مشروعنا الوطني و لنتقدم على طريق التحرير الكامل , و إن على مراحل متعددة , فهل نحن لها ؟!

و إنها لثورة حتى النصر ...

إعتمادا على المصدر : "الكفاح المسلح و البحث عن الدولة" للمؤلف "يزيد صايغ" .