المؤسساتية والخروج من المأزق الثورى

تابعنا على:   19:56 2013-11-20

د.ناجى صادق شراب

تطرح المؤسساتية السياسية كمنهاح للإصلاح السياسى ، والبناء الديموقراطى ، وكبديل لظاهرة الشخصنة والفردانية التي تسيطر على أنظمة الحكم في العديد من أنظمة الحكم إن لم يكن كل أنظمة الحكم في المنطقة ، وهى الظاهرة التي تفسر لنا حالة التسلط والإستبداد والتفرد بالسلطة ، وما يصاحبها من بناء مؤسسات الفساد ، والمؤسسات الأمنية وألقمعية والبوليسية ، وتحول الدولة إلى دولة أمنية بوليسية ، وليس دولة مدنية . وما يصاحب ذلك من تفسخ منظومة القيم على المستويين الفردى والمجتمعى ، وسيادة الثقافة الرعوية ، وثقافة الخوف واللامبالاة ، وثقافة اللامواطنة ، و، ما يصاحب النموذج كله حالة من النكوص النهضوى علي كافة مستوياته السياسية وألإقتصادية والمجتمية والحضارية. ولقد كشفت الدراسات المتعلقة بآبيات صعود وسقوط الدولن إن السبب الرئيس وراء فشل الدول وتحولها إلى دول فاشلة أو دول ضعيفة ورخوة هو فشلها في بناء مؤسسات سياسية لديها القدرة على لتكيف والإنجاز ، وتقوم على معايير الموضوعية ولحيادية والترشيد ، وتحل محل المؤسسات التقليدية كالأسرة والقبيلة والعشائرية . وفى بناء مؤسسات تنفصل عن أشخاص من يقومون عليها ، فالشخص يذهب والمؤسسة تبقى هذه هى القاعدة في النظم الديموقراطية ، أما في النظم الشخصانية الشخص يذهب وتذهب معه المؤسسة والنظام كله.ولعل من أهم النماذج التي قد تطرح هنا وتفيد في فهم الحالة العربية ، الحالة الفرنسية ، فلقد بقيت فرنسا تعيش في حالة من العنف والتقلب السياسى ، ومن ثورة إلى ثورة ، ومن دستور إلى دستور إلى أن نجح ديجول في بناء مؤسسات الجمهورية الخامسة التي ما زالت قائمة وتترسخ يوميا رغم أن مؤسسها قد ذهب، وعندما طلب من الشعب الفرنسى إن يفاضل بين ديجول وبقائه وبين مؤسسات الجمهورية الخامسة الذي هو مؤسسها في إستفتاء عام إختار الشعب مؤسسات الجمهورية الخامسة ، وهذا الذي قد يفسر لنا نجاح هذه الجمهورية حتى ألألن رغم أن كل القوى وألأحزاب تأتى للحكم يسارية أو يمينية ديجولية تذهب وتبقى مؤسسات الجمهورية ، هذا هو الدرس الحقيقى في أهمية المنهاج المؤسساتى . والمؤسساتيه هى التي تحدد مسار الدولة ومستقبلها السياسى والإقتصادى ، وتصنف الدول على دول قوية ودول ناجحة أو دول فاشلة بقربها وإكتسابها لمؤشرات ومحددات المؤسساتية التي تقوم على التوافق السياسى ، والإنفتاح على الكل السياسى ، وبالقدرة والتكيف والإنجاز ، وتجسيدها لمعايير المواطنة بمعنى عدم إختزالها في شخص أو تنظيم أو حزب ، او بنية تقليدية .فالمؤسسات في النظم الإستبدادية تكون منغلقة على نفسها وورقية وتجميلية ، وليس لها وجود حقيقى ملموس لدى المواطن وبعيده عن المساءلة ، ومسؤولة فقط أمام شخص الحاكم ، أما في النظم السياسية الديموقراطية فالمؤسسات تكون منفتحه على المواطنيين ومسؤولة امام كثير من آليات الرقابة الشعبية والقضائية ، وامام الراى العام بكل وسائله وتعمل تحت عيون كثيرة ، ولدى المواطن القدرة على الوصول إلى المعلومة التي تحجب في النظم الأولى .ولذلك يخضع الكل للمساءلة بدءا من أعلى المناصب كرئيس الدولة أو الآذن ، الكل يستوى في المسؤولية والمساءلة . وهذا هو المعيار والفارق بين النموذجين ، وهو الذي يفسر خطوط التقدم والتطور والتخلف بين النموذجين .ولو نظرنا إلى حالة العنف وعدم الإستقرار ، وعدم التوافق التي تسود مرحلة ما بعد الثورات العربية والتى فاز فيها الأخون ، او نجحوا في السيطرة على هذه الثورات ثم فشلوا فىالحفاظ على الحكم أن السبب الرئيس هو غياب المنهاج المؤسساتى الصحيح الذي يقوم على التوافق الثورى ، وبدلا من ذلك نجد عودة لبناء مؤسسات ترتبط بشخوصها ومحاولة إستبدال لمؤسسات السلطة السلطوية بنفس البنية ولكن هذه المرة الألساس هو معيار الإنتماء الدينى ، والذهاب بعيدا بالبنية المؤسساتية التي تفرضها حالة الثورة، لذك نجد بنية مؤسساتية منغلقة على ذاتها تعتمد معايير الولاء الشخصانى والدينى ، وليس معايير الكفاءة والقدرة ، وهو ما قد يفسر لنا حالة التخبط في الرؤى والحلول اتى تطرح لحل المشاكل الإقتصادية المزمنة أصلا ، والتى إزدادت تعقيدا وغير قابلة للحل بسبب هجرة الكفاءات الوطنية ، والعقول القادرة على التفكير وتقديم الحلول لسسبب بسيط وهو الخوف منها من ناحية ، ولمحاولة إختزال النظام كله بمؤسساته في التنظيم او الحزب.والمؤسسات في النظم الديموقراطية مؤسسات جماهيرية لا نخبوية ، وتقوم على العنصر التمثيلى التوافقى اما في النظم ما قبل الثورة او حتى بعدها تلغى هذه المعايير ، فتقوم على مبدا المغالبة ، وإعتماد منهاج المؤامرة في التفكير ، وقد يصل الأمر إلى منهاج او معيار الدين اى ربط كل شىء بالدين وبالقرب منه ، فنقد النظام نقد للدين وخروج عليه. وفى النظم ألأولى والمقارنة مفيده وضرورية تقوم علي الإستجابة لما يريده المواطنون وليس ما يريده الحزب او الحاكم ، وتقوم على مبدأ التخصص الوظيفى ، وعدم تركز السلطة في شخص الحاكم حتى لو كان يملك وحده فقط إتخاذ القرار ، فالفشل يتحمله هو ، والنجاح يسجل له وللنظام كله . وهكذا نحن امام نموذجين متناقضين للمؤسساتية في النموذج السلطوى تكون سببا للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية التي تواجهها الدول ، وسببا في تحول الدول إلى دول ضعيفة وفاشلة ، وفى الثانية هى منهاج للعلاج والحل ، وبالتالى تنتج دولا قوية وناجحة .

د.ناجى صادق شراب \أكاديمى وكاتب عربى

 

اخر الأخبار