الشهادة الجامعية، من الجامعة إلى درج المكتب.

19:23 2013-11-20

ضياء عبد العزيز

قبل سنواتٍ عدة كنت انتظرُ على أحر من الجمر الساعات الأخيرة التي أقضيها في الرحلة الجامعية في قطاع غزة، حينها لم أكن أفكر فيما بعد "التخرج"، كنت أفكر فقط في الوصول إلى تلك اللحظات الأخيرة وأنا أستلم فيها شهادتي الجامعية التي قضيت سنوات طويلة بانتظارها.

ها قد وصلت لتلك اللحظات الآن بل وانتهيت منها وأصبحت خريجاً، ولكن ماذا بعد؟، لقد تغيرت الصورة في ذهي كلياً عما كانت عليه سابقاً، فقد كنت كالمغشيِ عليه من الموت، ولم أنظر من حولي جيداً، وعندما أمعنت النظر بما هو حولي تمنيت لو أن تلك الساعات الأخيرة لم تأتي.

حينها تذكرت أنني أعيش في "قطاع غزة" وليس في بلدٍ آخر، هناك الآلاف من الخريجين بلا عمل، ومن يعمل منهم فهو لا يصل لبعض حقوقه إلا بشقّ الأنفس، وقد كنت مضطراً للتماشي مع ذلك الواقع، وقد جهزت مكاناً مناسباً لشهادتي الجامعية في درج المكتب وهيئت لها المكان لتقضي به وقتاً مريحاً وطويلاً، وربما أصنع لها بروازاً أعلقه في صدر غرفتي وفاء وتقديراً لها.

ربما يقول البعض أن هذا شخصٌ محبط ويائس، ولكن لا يا صديقي لعلك لم تنظر جيدا إلى ما هو حولك من واقع متشرذم متهتك، العيب ليس فينا، بل في واقعنا السئ الذي نعجز فعلياً عن تغييره للأفضل، إن كنا نؤمن معتقدين بقدر وقضاء الله، فالواقع يختلف تماماً عن القدر.

ودعوني استعرض معكم واقع الشباب في غزة من بعد التخرج، فالوظيفة الحكومية باتت أشبه بأحلام الطفولة الوردية التي يضحك منها الناس، فهذه الأحلام لن تتحقق إلا بصكوك الغفران من أصحابها ولعل من يشهد واقع غزة الآن يعي ما أقول جيداً، ولو نظرنا قليلاً إلى القطاع الخاص فلن يختلف الأمر كثيراً، في قطاع غزة توجد العشرات وربما المئات من المؤسسات والجمعيات الخاصة التي تقول زوراً وبهتاناً أنها تهتم بفئة الشباب والخريجين.

لن أكون مبالغاً فيما أقول، أن جزءاً كبيراً من تلك المؤسسات تنهشها سياسة الفساد والنصب والإحتيال، وترفع شعارات رنانة تصم آذاننا دوماً، ولكنها فارغة المضمون والمحتوى، وجزءٌ منها قد امتهن سياسة الإستغلال والظلم للشباب ناهيك عن سياسة المحسوبية والواسطات، بل وحقاً أقول أنها تأكل حقوق الشباب بدلاً من منحها.

في كلامي السابق لا أنفي وجود البعض من تلك القطاعات تسعى حقاً للخير وخدمة الخريجين والشباب، ولكنها ضائعة وتائهة في ظل المعمعة التي أوجدتها الأصناف السالفة، وآسفاً أظن أن بعض تلك المؤسسات تدعمها وتغطيها جهات حكومية رسمية ولا أعلم هل ذلك التوجه من الحكومات بشكل مقصود أم لا، فالمهم في هذا الأمر هو النتيجة التي وصلنا إليها.

إن الأمر لا يحتاج إلى كثير من الكلام، فقد أرهقتنا الكلمات التي ننثرها بشكل مستمر وانبرت ألسنتنا تنادي بحقوق الشباب، وأتمنى فعلاً لو أن الجهات المسؤولة تفرض قيوداً مشددة على نفسها قبل أن تفرضها على تلك المؤسسات وأن تخصص دائرة للرقابة عليها، فإن صَلُحت الجهات المسؤولة صلح ما بعدها، وإن فسدت فسد الوطن بأكمله، وأقول لكل المسؤولين وأصحاب القرار إن كانوا يسمعون، أن شعور الشاب بانعدام قيمته هو أمر قاتل للمجتمع، والإحساس بالأهمية لهو من أعظم الدوافع الإنسانية للإبداع الإنتاج، ودعوني أختصر القضية بمجملها، وأرد على نفسي قائلاً بما قاله الشاعر " لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي".

اخر الأخبار