مصر.. أيكون 'الحاكم العسكري هو الحل'

تابعنا على:   19:46 2014-12-27

كتب حسن عصفور/ نجحت مصر أن تمنح البشرية والعالم المعاصر 18 يوما ناصعة إلى درجة الذهول، وعدم التصديق أن ما كان يحدث ويجري تحت سمع العالم يدور فوق أرض من بلدان وصفت منذ سنين بأنها دول العالم الثالث أو النامية بديلا لمصطلح المتخلفة، أحداث ثورية وحراك شعبي غير مسبوق، زخما وعزما وتصميما دون أي مظهر من مظاهر العنف الأسود، ودون أن تختفي السمة التي لا تفارق الشعب المصري من خفة الدم المذهلة، أيام اهتزت لها مصر وعالمنا العربي وكوكبنا البشري، ونجح الحراك في إسقاط رئيس وحكومة وبعض أركان حكم تحت أبصار العالم .. وسجلت مصر الثورة نموذجا ثوريا معاصرا تفوق على الثورة الفرنسية، بتكريسها طريقا للإرادة والعزم والقوة الشعبية غير العادية طريقا للنصر وتحقيق أحلام شعب يريد أن يعيش في وطن حر ومتحرر وأن يكون سعيدا دون فساد وإهدار كرامة وطن ومواطن، فصنع شعب مصر فرادة مسيرة تغيير ثوري، تتعاظم بفرادتها مع ما تلاها من أشكال قمع وقتل وعسكرة في نظم عربية ، قرر حكامها وأد الحراك الشعبي بكل السبل غير المشروعة كرد على مشروعية الحق الشعبي في الحرية والكرامة والعدالة..

وقد سجلت فرادة مصر الثورة، كون الحركة لم تكن لقوة أو فئة أو برنامج مصاغ مسبقا، أو قائد يفرض نفسه حاكما ثوريا، فرادة اعتبرها غالبية الناس بأنها ميزات ستخدم الثورة وتفرض نوعا جديدا من 'المعاصرة السياسية' والتنوع الديمقراطي المنشود لتطور مصر والشروع بنهضتها الحديثة استكمالا لما كان من مشاريع نهضوية سابقة، ولكن يبدو أن ما كان يمكن أن يكون ميزة وحسنة تحتفظ بعراقة الثورة، بات عقبة للتواصل المنشود قدما لبناء مصر المحروسة مجددا بروح وطاقة تعيد لها ما فقدته منذ غياب زعيمها الخالد ناصر، وتمنحها قدرة تفوق على دول أقل مكانة في المحيط الإقليمي، وتبين أن غياب قيادة الثورة، وقائدها وبرنامجها، وقدرتها على سرعة بناء 'هيكل الثورة' لحمايتها من مخزون الردة الكامن في بواطن الدولة المصرية عبر نظام بيروقراطي رهيب،غياب ذلك أصبح خطرا يتهدد المستقبل الثوري، ويفتح بابا لعدم الانطلاقة الحضارية – النهضوية المرادة لمصر..

مصر لن تعود للوراء، هذا صحيح، ولكن هل سيكون التقدم وبناء مصر النهضة الحديثة بما ينسجم وقطع الطريق على ما يحدث من 'حرب ردة' تقوم بها أوساط وقوى مختلفة، منها من ينتمي لما سبق من مخلفات النظام السابق، ومنها من أراد أن يقفز على عربة التغيير والثورة بثياب قديمة وأفكار أكثر ظلامية من أفكار الحزب الفاسد المنحل، والذي كان بوابة الكارثة لمصر وبالتالي لدورها الحضاري، تحالف تنتجه الأحداث ما بعد الأيام الخالدة التي هزت عرش مصر ومحيطها، يتجه لإنهاك مصر وإرباكها إلى درجة لا تقوى على التغيير والنهوض، قوى من مشارب مختلفة، محلية وغير محلية، أسماء مستعارة وأثواب متعددة المظهر، لكن الهدف واحد: لا لنهضة مصر الحديثة، ولا لمصر قوية صحية بكرامة وحرية وعدالة..

منذ بداية الأحداث الثورية وهناك مخاوف مشروعة برزت أمام قوى التغيير، ولكن الرهان كان كبيرا على قدرة قوى الثورة من التحكم في مسار الأحداث والتحكم في دفتها، وفقا لأهدافها المنتجة في ( ميدان التحرير) ، ومع اعتقال النظام السابق من رأسه إلى أطرافه كان الظن أن تسير سرعة التغيير والنهوض الجديد بوتيرة إيجابية وأسرع، ولكن ووسط فرحة قوى التغيير بما حدث، والغرق في 'بحيرة حساب النظام'، وليس بناء نظام، تسللت قوى الردة ونهضت بأشكالها الجديدة، لتصب جام غضبها على الثورة عبر بوابات متعددة أبرزها : الفتنة الطائفية وانتشار الفلتان الأمني بكل أشكاله، وتدهور القطاع الاقتصادي والخسائر التي تنال من خزانة مصر،حيث وصل الرقم خلال الأشهر الأربعة الماضية إلى ما يفوق 70 مليار جنيه مصري ( يقارب 15 مليار دولار) ونفقات من المخزون المالي الاحتياطي بمقدار 8 مليار دولار، عناوين هي الأبرز لما ينهك جسد الثورة المصرية، مضافا لها خلافات سياسية بدأت تتجهة لشكل من 'الصدام' وليس التحاور' وتمترس قوى في مواجهة قوى من قوى الثورة ذاتها.. ولكن العناصر الثلاثة الأبرز المهددة لمشهد الديمقراطية المنتظر يرتكز على العناصر الثلاث : الفتنة الطائفية - السياسية والأمن والاقتصاد..

فانفلات 'الفتنة الطائفية' في شكلها الراهن بل وتسارع وتيرتها واتساع رقعتها في أكثر من منطقة في ربوع مصر، يشكل الخطر الأبرز مع وجود حالة فلتان أمني، الذي يهدد مصر لو لم تسارع قيادة الثورة بقواها المختلفة الحية، لمواجهتها وبكل جدية بعيدا عن مخاوف طائفية أو حسابات مذهبية، فما يحدث منذ بداية أحداث قطع أذن مسيحي في بلدة بالصعيد لمسيرات' الشعب يريد كاميليا' إلى قتل امرأة مسيحية تزوجت بمسلم منذ سنين بأيد أسرتها مع أطفالها الثلاثة، إلى أحداث إمبابة مرورا بكنيسة صول وأحداث المقطم ، كلها أحداث يراد منها ليس فتنة طائفية مذهبية، بل لها هدف سياسي باسم الفتنة الطائفية، يتجسد في زرع بذور تقسيم مصر إلى دولتين: دولة للمسلمين وأخرى للأقباط المسيحيين والنوبين، أحداث تمهد الطريق للفتنة الأشد للتقسيم السياسي وإنهاء مصر دورا وحضورا ونهضة ، وهو ما يجب قراءته بعيدا عن العاطفة والتعصب، وما حدث من شبان مصريين بالتظاهر أمام السفارة المصرية والمطالبة بحماية مسيحيي مصر وما تبعه من لقاء إيطالي مع الفاتيكان للبحث في كيفية 'حماية مسيحيي الشرق' ليس أحداثا متفرقة وعفوية، و لايجوز التغافل عن مآل الطائفية التي يتم استغلالها خير استغلال..

مسألة قد لا تكون حاضرة بقوة في المشهد السياسي المصري، لكنها تتحرك وتتسارع خطاها، مع حالة تخبط وارتباك تعيشها القوى التي شاركت موحدة في الحدث التاريخي، لكنها ما سارعت أن ذهبت إلى خصالها الفئوية والحزبية، بل إن ما جاء من مظهر إيجابي للتنوع الديمقراطي خاصة من الإخوان المسلمين في مصر ، سرعان ما بدأ بالتبخر رويدا رويدا، وتحديدا مع تشكيل حزبهم وآلية التشكيل وصلة الرحم مع الجماعة، وبروز نزعة مسيحية سياسية تساهم بشكل أو بآخر لتمرير نزعة الطائفية كل بطريقته، ودون أدنى نقاش يتحمل التيار السلفي أو بالأدق جزء أساسي منه، وبعض أقباط المهجر وبقايا النظام السابق، المسؤولية عن تغذية الخطر الداهم ( حروب الردة) التي يراد منها نهش جسد الثورة، خاصة والحالة الاقتصادية تزداد تدهورا والأمن الداخلي يشهد فوضى غير مسبوقة ..

ما تشهده مصر هذه الأيام وقبلها من أحداث تحتاج علاجا من نوع جديد، يقوم على المزاوجة بين الخيار الديمقراطي ووضع أسسه التشريعية الكفيلة بحماية مصر المحروسة، وما يمكن أن يشكل حماية لذلك لفترة انتقالية عبر المؤسسة العسكرية ، وقد يكون ضرورة لوقف ( حروب الردة المتسعة) من حاكم عسكري متفق عليه ديمقراطيا، وقبل الانتخابات التشريعية القادمة، حيث لا يمكن ضمان مآل مصر في ظل ما يحدث راهنا.. تحت مسميات متعددة ، غالبها شكلي لكنها مدمرة..

المسألة هنا البحث في حماية مكاسب الثورة وليست مكاسب طرف أو ما يعتقده البعض مكسبا، ولعل خيار'حاكم عسكري ديمقراطي' خير ألف مرة من حاكم لا يتمكن من صد (حروب الردة) ويذهب بمصر إلى خطر التقسيم والتضييع كما سبق لغيره من دول .. وملامحها لم تعد نظرية بل هي حدث ملموس جدا.. مصر تنتظر إلى أين المسار وأين المصير..ولسان حال بعضها يقول نريد مستبدا عادلا كي لا يذهب ريحنا..

ملاحظة: الأردن وفلسطين هناك ما يستحق القراءة السياسية المختلفة جدا عما سبق.. مستجدات وأحداث تفتح ملف الابتكار السياسي الإلزامي بينهما .. حديث يحتاج معالجة خاصة..

 

تاريخ : 12/5/2011م  

اخر الأخبار