2014: عام من الانتظار الفلسطيني وتسويق واشنطن للأوهام

تابعنا على:   01:56 2014-12-25

أمد/ رام الله - سعيد عريقات : أنهت الإدارة الأميركية سياستها الخارجية لعام 2014 فيما يتعلق بـ "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" تماماً مثل ما بدأته استنادا لسياستي قتل الوقت وتسويق الوهم.

وقبل عام، أشبعتنا إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري قولاً بحسن الانتظار إلى ما بعد العام الجديد، خاصة وأن فترة "حمل التسعة أشهر" التي كان قد أطلقها كيري لمفاوضات سلام في بداية آب 2013 كانت في منتصفها "ولدينا متسع من الوقت لتحقيق الإنجازات رغم اضطرارنا للتكتم على ما أحززناه من تقدم خلال الأشهر الماضية" كما ردت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأميركية على سؤال وجهته ، في آخر إيجاز صحفي لعام 2013.

كيري ردد كثيرا مقولة "التزام الولايات بأن الوقت قد حان لإنهاء هذه المسألة، وأنه يجب على أطراف النزاع المبادرة إلى تقديم تنازلات من أجل دفع عجلة مسيرة السلام إلى الأمام" حيث كان يسارع الفلسطينيون كعادتهم لإعلان كامل استعدادهم لتحقيق هذه الغاية السامية فيما ترفض إسرائيل كعادتها أيضاً التنازل قيد أنملة، بل تحدت "الوسيط الأميركي النزيه" وتمادت في توسيع الاستيطان وتوطيد الاحتلال والضرب بعرض الحائط بالمناشدة الأميركية لتعود أميركا من جديد وتعصر الفلسطينيين أكثر فأكثر خاصة، وأنها الراعي الرسمي "الحريص" على عملية السلام والقادر على جلب حليفها الأول في المنطقة، إسرائيل، لقبول "السلام الآمن والدائم مع الفلسطينيين".

ومع كل التقدير-والإعجاب- بموقف الوزير الأميركي كيري المبالغ في التفاؤل، فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تقف إما موقف "الضالع" أو "الذي يغض الطرف" أو "العاجز" أمام توحش الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلة وتكتفي بالتعبير عن "قلقها" من انعكاس ذلك على مستقبل المفاوضات أو تداعياته على تفاقم العنف، في حين بلغ الاستيطان تحت رعاية المفاوضات الأميركية خلال التسعة أشهر أكثر من 14000 وحدة سكنية، والأكثر سرعة منذ بداية الاحتلال قبل 47 عاماً.

ولا يتوقف الأمر عند الاستيطان، بل رافق فترة المفاوضات هذه ارتفاع في منسوب الترويج لمفهوم يهودية الدولة (إسرائيل دولة يهودية)، أكثر من أي وقت مضى، حيث بات يتردد على ألسنة كل المسؤولين الإسرائيليين، وكثيراً من الأميركيين أيضاً، وأصبح يشغل اهتمام وسائل الإعلام، ويحتل حيّزاً في أوساط الباحثين والأكاديميين، منتقلاً من حاله "كطلب" إلى "شرط" إسرائيلي تفرضه على الطرف الفلسطيني.

يشار إلى أن شرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل لم يكن ضمن اتفاقات أوسلو 1993 او ما تبعها. فقد ولد هذا الشرط في أعقاب تقديم الإدارة الأميركية خطة خريطة الطريق عام 2003، حين أرفق رئيس وزراء إسرائيل أرئيل شارون آنذاك، والذي كان يفرض حصاراً قاسياً على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، أرفق قبول إسرائيل "لخريطة الطريق" المقترحة بمجموعة من التحفّظات والتعديلات والإضافات- رغم أن إدارة جورج دبيو بوش (الإبن) كانت قد نسّقت مع إسرائيل رسم معالم الخريطة- وضرورة اعتراف الطرف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية (أيار – 2003) في محاولة لالتفاف على حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وذكر شارون هذا لاول مرة في الرابع من حزيران 2003، في خطابه الشهيرً في مدينة العقبة الأردنية، أمام بوش والعاهل الأردني عبدالله الثاني.

بعدها، حذا حذوه الرئيس الأميركي (السابق) جورج بوش ، الذي لم يترك فرصة تمر دون الإعلان عن إسرائيل كدولة يهودية حيوية. وفي مؤتمر أنابوليس، عاد رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت وأكّد ضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية (27/11/2007).

أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فلم يفوت الفرصة أيضاً، حيث أكّد هو الآخر ما سبق لسلفه ما تفوّه به، وأيد الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وكرّر ذلك أمام مؤتمر اللوبي الإسرائيلي (إيباك) في العام 2008، وكذلك في أيلول من العام 2010 في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أكّد التزام الولايات المتحدة بالاعتراف بإسرائيل بصفتها دولة يهودية.

وهكذا ينتهي العام وقد قدم الفلسطينيون مشروعهم لإنهاء الاحتلال إلى مجلس الأمن (17/12/2014) والذي ينص على ضرورة أن يستند أي حل يتم التوصل إليه من خلال التفاوض إلى عدة عوامل؛ منها حدود 1967 والاتفاقيات الأمنية والقدس كعاصمة مشتركة للدولتين، كما يدعو النص الجانبين إلى التوقف عن أي إجراءات أحادية وغير قانونية بما في ذلك الأنشطة الاستيطانية التي قد تقوّض حل الدولتين.

بالطبع أعلن وزير الخارجية الأميركي كيري رفض بلاده للمشروع، وطلب ونجح على ما يبدو في تأجيل طويل للأمر يتجاوز الشهر المقبل، مسرباً لنظرائه الأوروبيين أن واشنطن لن تسمح بمرور أي قرار لمجلس الأمن يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط إلى أن تنتهي الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في أواسط آذار المقبل.

وحذر كيري الذي كان يتحدث خلال مأدبة غداء سنوي برفقة 28 سفيرا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، من أن أي إجراء من جانب مجلس الأمن الدولي سيعزز من قوة المتشددين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يعارضون عملية السلام، ولكنه ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية أن تدعم الولايات المتحدة في نهاية المطاف صيغة لقرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي على أن لا يتضمن الحكم المسبق على نتائج المفاوضات السياسية المتوقفة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

والمحزن هو أنه وما إن هدأت التصريحات الفلسطينية المتناقضة حول مشروع القرار ومتى سيتم اعتماده لإنهاء الاحتلال، وموعده، حتى عادت تصريحات أخرى لتتصدر المشهد السياسي الفلسطيني؛ لكن هذه المرة لانتقاد مشروع القرار من جهة، والتشكيك بالجهة التي تقف وراء المطالبة بتعديله، من جهة ثانية، فيما كشفت مصادر أنّ المشروع، بعد تعديله، لن يطرح على التصويت داخل مجلس الأمن الدولي قبل انتهاء الانتخابات الإسرائيلية.

وكانت القدس دوت كوم كشفت التعديلات على المشروع في بداية كانون الأول الجاري وأن هذه التعديلات جاءت بناء على طلب أميركي وأوروبي في الدرجة الأولى.

هكذا فان خشية الفلسطينيين تتزايد من لا ينساقوا مجدداً إلى فخ الأوهام ويجدون انفسهم في نهاية العام المقبل في المستنقع ذاته وقد ضاع المزيد من الوقت قبل الشروع في مشروع نضال وطني ثابت يوصلهم إلى بر الحرية.

عن القدس

اخر الأخبار