قراءة في ديوان مفتاح يصر للشاعر عز الدين السعد

تابعنا على:   00:12 2014-12-25

عبدالله دعيس

صدر ديوان "مفتلح يصرّ" للشاعر عز الدين السعد في أواخر العام 2014 عن منشورات جمعية الرازي في القدس،

العودة إلى الديار. هذا ما يشغل بال الشاعر عز الدين السعد، وهذا ما يصبو إليه. عاطفة الحنين إلى الوطن هي الطاغية على ديوانه، وهي التي تحركه وتشغل جوارحه، فيتدفق الشعر على لسانه ومن قلمه عندما تغزو قلبه هذه العاطفة الجيّاشة.

وكلما نظر الشاعر إلى ذاك المفتاح المعلق على حائطه، يذكّره بعودة لا ريب آتية مهما طال الزمان، يتخيل صرير المفتاح في قفل بيته القديم، فيتناول دواته وقلمه الذي يصِّر بهذه الكلمات الرائعة التي تحرك المشاعر، ولا تستطيع أمامها إلا الانسياق بكل جوارحك والانقياد خلف الشاعر إلى قرية اللجون، حيث ذاك البيت الذي غيّبه الزمن ومحاه الاحتلال، لكنه ما زال ماثلا في وجدان الشاعر. هناك يصل الشاعر إلى بلدته ويفتح بابه القديم بذاك المفتاح الذي صلاه صرير البرد على حائط غريب، وما زال ينتظر، لم يعيه الانتظار وما فتّ من عزيمته طول الدهر، فلا يزيده تعاقب السنين إلا إصرارا على العودة وإيمانا بهذا الحق الخالد.

ويرى الشاعر أن احتلال فلسطين هو كسر لقواعد الطبيعة، وهو مناف لأبسط البديهيات التي يفهمها الشخص العادي، وحق العودة إليها لا يمكن التنكر له، لكن العالم تواطأ وما زال يتواطأ ليطمس هذا الحق. لكن أنّى لهم هذا، فحق العودة محفور في قلب كل فلسطيني ومنقوش على كل حجر من حجارة القدس، فلا يمكن أن يُنسى. وإن تناسى بعض الناس ديارهم، فإن الأرض لن تنسى أبناءها فهي تتوق إليهم كما يتوقون إليها:

دار الزمان بنا وما زالت،

تبحث عنّا الدار

يبدو الشاعر واثقا من عودة الفلسطينيين إلى ديارهم حتى لو تغيرت أسماء ومعالم الأرض، فتعاقب الأجيال لن يزيد الفلسطينيين إلا تعلقا بأرضهم وإصرارا على العودة إليها، فكل واحد منهم يقرن اسمه مع اسم بلده التي هُجّر منها، وينقل الاسم والمشاعر إلى أولاده وأحفاده. وكما كل فلسطيني مهجر عن أرضه، يعلن الشاعر عن نفسه فيقول:

تخيل كل من كانوا ومن ولدوا

وهم كثر إذا ساروا

صار الواحد منهم يقول الاسم والدار

أنا اسمي الكامل عز الدين من اللجون

فاسم الفلسطيني أصبح مرتبطا باسم قريته، فكيف سيُطمس اسمها؟ والشاعر يسهم في تخليد أسماء القرى والمدن الفلسطينية المهجرة، فنراه يكررها في قصائده ويعيدها إلى الحياة في وجدان أبنائها، ينكأ جرحا كاد يندمل في قلوبهم ويؤرق عدوا يعلم يقينا أنه لن يستطيع أن يمحو ذاكرة هذه البلاد وإن استطاع أن يمحو معالمها. وما دام المفتاح هو دليلنا فسنعود حتما إلى بلادنا.

دعنا، لن نتيه ولن نضيع فالبوصلة مفتاح يصرّ

والشاعر، عز الدين السعد، فلسطيني بلا مواربة، فلا يخفي أفكاره ومشاعره خلف الصور بل يبينها بوضوح؛ وضوح حق الفلسطيني بعودته إلى وطنه. والشاعر يبدع حين يشده حنين العودة إلى الوطن، لذلك نلحظ الفرق قي المستوى الفني بين القصائد التي تحكي عن حق العودة والقصائد الأخرى في الديوان، فصدق العاطفة هو الذي يقود شاعرنا إلى الابداع.

يعمد الشاعر في قصائده إلى الوصف المباشر بأسلوب تقريري، ويميل نحو الأسلوب الخطابي، ويبتعد عن التصوير الفني والخيال؛ فالمواقف العاطفية تؤثر في القارئ بصورتها المباشرة دون حاجة إلى الصور والخيال، فينجح في ذلك نجاحا باهرا في بعض قصائده، خاصة تلك التي تصف الوطن المفقود وتمجد حق العودة، فلا خيال ولا تصوير سيشي بهذه العواطف أكثر من الحقيقة التي فاقت الخيال، فليس هناك حاجة لخلق مشاعر غير موجودة، فالمشاعر طاغية على الشاعر والمتلقي.

لكن هذه النزعة التقريرية، تضفي على بعض القصائد نوعا من الوضوح المخل بأصول الشعر وخصائصه الفنية، فتتحول بعض القصائد إلى ما يشبه الخطبة أو الموعظة، تأمل قول الشاعر في قصيدة "بيان للغزاة" صفحة 63

إنه بسم الله

الواحد القهار

العزيز المهيمن

المنتقم الجبار

الرحمن، خالق

الإنسان، معلمه

البيان والإصرار

المنزل على عبده

في سورة الأنفال:

بعد أعوذ بالله

من الشيطان

"يا أيها الذين آمنوا

إذا لقيتم الذين كفروا

فلا تولهم الأدبار

ويعمد الشاعر أحيانا إلى ذكر بعض التفاصيل بطريقة تجافي الجمال الشعري ولا تخدم القصيدة. تأمل قوله في قصيدة "طال انتظاري" ص 56:

كل الرسائل أصبحت معنونة

من المسجد الأقصى

من المحراب الجنوبي حتى

باب الغوانمة،

من باب الرحمة الشرقي حتى

باب سلسلة،

من مئة وأربعين دونم

من كل شبر وأنملة

لا اعتقد أن القصيدة هي المكان المناسب لوضع كل هذه التفصيلات عن المسجد الأقصى، مع أهميتها، إلا أنها تضعف البنية الفنية للقصيدة.

ونلحظ أيضا سمة الشعر القصصي في قصائد الشاعر عز الدين السعد. فهو يذكر الوقائع ويصور الحوادث ويخلق شخصيات وينطقها داخل بعض قصائده. فهذه القصائد تستفيد من اللغة الشعرية تعبيرها الموحي المؤثر، ومن الأسلوب القصصي الإثارة والتشويق. تأمل قصيدة "هناء" ص 111 أو قصيدة "من ملفات خضر السرية" ص 112، والتي يمكن تصنيفها كقصة قصيرة مكتوبة بلغة شعرية.

فالشاعر، عز الدين السعد، له قدرة رائعة على التأثير بلغة بسيطة سهلة دون تعقيد أو إرهاق للقارئ. فهو يبدع عندما يشده حنين العودة إلى الوطن السليب، ويقدم لنا مشاعره ببساطة وسهولة فنهتز معها ولها.

اخر الأخبار