يوم أسود لإسرائيل

تابعنا على:   21:58 2014-12-24

غازي السعدي

ثلاثة قرارات سياسية عصفت بإسرائيل ونزلت عليها كالصاعقة، وهزت الحكومة الإسرائيلية، عشية الانتخابات المبكرة للكنيست.
أول هذه القرارات، يتعلق باعتراف المجموعة الأوروبية بالدولة الفلسطينية-وتتهمها إسرائيل بالتلون- والثاني، التقدم بالمشروع الفلسطيني لمجلس الأمن لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، أما الثالث، فكان قرار المحكمة الأوروبية، إخراج حركة حماس من قائمة الإرهاب، ولإدراك أهمية هذه القرارات، فقد عنونت جريدة "معاريف 17-12-2014" واسعة الانتشار، منشيتها الرئيسي، باليوم الأسود لإسرائيل، الأمر الذي أفقد رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" صوابه، بشنه حملة شعواء على الأوروبيين، متهماً إياهم بالانحياز للفلسطينيين، ويذكرهم بالمذابح التي أصابت اليهود في الحرب العالمية الثانية، التي أدت إلى ذبح ستة ملايين يهودي متهماً إياهم بأنهم لم يتعلموا دروس المحارق، ولا ندري ما العلاقة بين هذه المذابح التي تستغلها إسرائيل، والقضية الفلسطينية؟ وما علاقة الفلسطينيين بالأحداث النازية في أوروبا؟ وهل كان في تلك المرحلة تواجد فلسطيني أو عربي في أوروبا؟ فلماذا يحاول "نتنياهو" اللعب بعواطف الأوروبيين؟ ويقول لهم بأنكم لم تتعلموا شيئاً من دروس الماضي، فإنه يكذب ويخادع ويحرض، لمنع إقامة الدولة الفلسطينية، على أراضيها التاريخية، وزج الفلسطينيين في أمور لا علاقة لهم بها والدليل على خداع "نتنياهو"، أنه يتنصل من خطابه وإعلانه في جامعة بار أيلان حول حل الدولتين، و"نتنياهو" يقول أنه لن يقبل بإملاءات تفرض عليه، ويرفض قرارات الشرعية الدولية، ويتنصل من اتفاقاته الموقعة مع الفلسطينيين، فقد أفشل المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين، ويعتبر أن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال لن تؤدي إلى نتائج، إذن ماذا يريد؟ فهو يريد مفاوضات أبدية، مع استمرار نهب الأراضي والاستيطان حتى لا يبقى ما يمكن التفاوض عليه، ليطبق حلمه بضم الضفة الغربية لإسرائيل، وتحقيق أيديولوجيته بأرض إسرائيل التوراتية من البحر إلى النهر، إن لم يكن أكثر، فهو قال ويقول: بأن هذه الأرض له، وأن البناء الاستيطاني يتم في أرضه، بينما تحمله المعارضة الإسرائيلية مسؤولية إغلاق آفاق التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، وإدخال إسرائيل في هذه الأزمة.
لقد وصل أسلوب النقاش بين الإسرائيليين، والاتهامات المتبادلة، عشية الانتخابات للكنيست، إلى مستوى منحط لا مثيل له، وحسب الصحفي "بن كسبيت" "معاريف 14-12-2014"، فإن "نتنياهو" فقد أعصابه، لأنه يعلم بأن كل رؤساء الأحزاب لا يطيقونه، سواء كانوا من اليسار أو اليمين، حتى أن استطلاع الرأي العام الإسرائيلي، "هآرتس 18-12-2014"، أفاد بأن أغلبية الإسرائيليين لا يريدونه رئيساً للحكومة، وقد وصلت نسبة الرفض لـ "نتنياهو" 53%، مقابل 34%، ويقول أغلبية الإسرائيليين بأن إقصاء "نتنياهو" عن الحكم، مصلحة وطنية، ويهاجم "نتنياهو" التحالف بين حزب العمل برئاسة "هرتسوغ"، والحركة برئاسة "لفني" بأنه منتخب أحلام الرئيس الفلسطيني "أبو مازن"، و"نتنياهو" الذي يصف توجه السلطة الفلسطينية لمجلس الأمن ولمحكمة جرائم الحرب، في "لاهاي" الدولية، بأنها وقاحة، وأحادية الجانب، فهل ما تمارسه إسرائيل، من ضم القدس، ونهب الأراضي، والبناء الاستيطاني، وهدم بيوت الفلسطينيين، وهدم قراهم وترحيلهم من مكان لآخر، أليست هذه الوقاحة بعينها، وإجراءات أحادية الجانب؟ أما الوزير "سلفان شالوم"، فيتهم الفلسطينيين، بأن توجههم لمجلس الأمن هو خرق لاتفاق "أوسلو"، فأقواله عجيبة، وهل تحترم إسرائيل اتفاق "أوسلو"؟ فالاتفاق في "أوسلو" و"خارطة الطريق" الموقعة من قبل الجانبين، تنص على أنه لا يجوز لأي طرف اتخاذ خطوات أحادية الجانب، فهل التزمت إسرائيل بذلك؟ وما تركت إسرائيل باباً أمام الفلسطينيين للتسوية إلا وأغلقته؟ ولم يبق أمام الفلسطينيين سوى العودة إلى المؤسسات الدولية، حتى أن عدداً كبيراً من زعماء العالم فقدوا ثقتهم بـ "نتنياهو" فهم لا يصدقونه بالطرح الذي طرحه بنفسه بشأن حل الدولتين، حتى أن وزير الخارجية المتشدد "أفيغدور ليبرمان"، في محاولته الظهور بالوسطي عشية الانتخابات، هاجم "نتنياهو" قائلاً: من يطالب واشنطن فرض "الفيتو" على المشروع الفلسطيني، عليه أن لا يهاجم "كيري" والإدارة الأميركية، وهو يهاجم "نتنياهو" لعدم التقدم بمبادرة سياسية مع الفلسطينيين.
الإدارة الأميركية في ارتباك، فهي لن تدعم المشروع الفلسطيني-الأردني في مجلس الأمن، لكنها لم تقل أنها ستلجأ إلى "الفيتو" ضده، كذلك لم تقل أنها تدعم أو لا تدعم المشروع الفرنسي في مجلس الأمن، لكن هناك تصدعات في جدار الحماية الأميركية لإسرائيل، فالرئيس الأميركي يريد أن يرى في إسرائيل حكومة معتدلة تستأنف المفاوضات مع الفلسطينيين، لا يقف "نتنياهو" على رأسها، ومع أن "نتنياهو" تدخل في الانتخابات الأميركية للرئاسة عام 2012 لصالح الجمهوريين، وضد "أوباما"، لكن وجهة نظر الإدارة الأميركية، أن تدخلهم السافر في الانتخابات الإسرائيلية، ضد "نتنياهو" قد تعود بنتائج عكسية، فمثل هذا التدخل قد يثير الناخبين الإسرائيليين، ويحملهم التصويت لصالح "نتنياهو" حتى أن الإدارة الأميركية، تحاول الضغط على أعضاء مجلس الأمن، كي لا يحظى المشروع الفلسطيني بتأييد تسع دول، وهو المطلوب حسب النظام، كي لا تضطر إلى استعمال أو عدم استعمال "الفيتو"، وتتعرض أميركا للإحراج من هذا الطرف، أو ذاك، فإسرائيل تتهم أميركا، بمحاولة ابتزازها، ومع أنها تخشى من عدم اتخاذ أميركا "الفيتو" الذي كان في الماضي، يحصل أوتوماتيكياً، فإن المصالح والأوضاع الدولية تغيرت، وأن أميركا لا تقول حتى اليوم، نعم أو لا للـ "الفيتو"، فاستدعاء وزير الخارجية "جون كيري" بتاريخ 15-12-2014 "نتنياهو" إلى روما، للتفاهم والتنسيق بشأن المشروع الفلسطيني، في اجتماع لمدة ثلاثة ساعات، وبعد فشل "كيري" بالضغط على الفلسطينيين، لتأجيل التقدم بمشروعهم إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، فالولايات المتحدة وإسرائيل في حرج، وكذلك الفلسطينيون، وحسب جريدة "قضية مركزية" الإسرائيلية "14-12-2014"، فإن "كيري" في لقائه مع "نتنياهو" في روما، أبلغه بعهد جديد من التعامل الأميركي مع إسرائيل، ولن نكون بعد الآن حماية أميركية لإسرائيل دون شروط، ومحاولات تهرب الإسرائيليين، من إجراء مفاوضات جدية مع الفلسطينيين، وأنهم لن يكتفوا بلغة ضعيفة لوقف البناء في المستوطنات، كما لن يمنحوا بعد اليوم، الحرية الكاملة لإسرائيل للعمل العسكري دون رقابة، ونحن نقول لننتظر لنرى من جهة أخرى إذا كان صحيحاً أن "كيري" هدد "صائب عريقات"، بعقوبات سيكون لها أثر كارثي على الاقتصاد الفلسطيني، إذا تقدم الفلسطينيون بمشروعهم إلى مجلس الأمن والمؤسسات الأممية، فقد رد عليه "عريقات": "لا يوجد ما نخسره، فأنتم وإسرائيل تريدون السلطة خذوها، لأنه لا يمكن الاستمرار في السلطة على هذا النحو".
الإدارة الأميركية في حيرة من أمرها، وهناك خلافات فيما بينها في تقدير موقفها من هذه الأوضاع، إذ أن محللين يرون بأن عدم اتخاذ "الفيتو"، يسهم ويعزز اليمين الإسرائيلي، والأميركيين ليسوا معنيين بتعزيز اليمين ومكانة "نتنياهو"، أما حزب العمل الإسرائيلي، الذي ينافس "نتنياهو"في هذه الانتخابات فإنه يتساءل: ما الذي يقترحه اليمين علينا؟ هل يقترح أن تظل إسرائيل إلى الأبد في المناطق المحتلة؟ وهل يريدون أن يصبح في النهاية الفلسطينيون الأغلبية؟ وهل تعرف إسرائيل ما الذي تريده؟ بل أنها تعرف ما لا تريده، وأن الجماهير الإسرائيلية ملت هذا الوضع، وترغب في رؤية تحرك سياسي واقتصادي واجتماعي وتريد تغييراً.
لقد أصبحت معركة إسرائيل ليس فقط مع الفلسطينيين، بل مع الأوروبيين أيضاً، إن لم يكن مع العالم بأجمعه، فإسرائيل تحاول تخويف الأوروبيين من حماس، بأنها تريد السيطرة على الضفة الغربية كما يقولون، كأساس لتدمير دولة إسرائيل، وهذا يقودنا إلى السؤال: من الذي قوّى حماس سوى المواقف والتعنت الإسرائيلي الرافض للحل، والمستمر بالاستيطان، وأوروبا التي وجهت صفعة لإسرائيل، لم تعد تخشى تهديدات السياسيين الإسرائيليين، وسلاح المحرقة الذي يشهره "نتنياهو"، والفلسطينيون لم يعودوا يخشون التهديدات الإسرائيلية، بعدم تحويل أموال الضرائب، والضغط الاقتصادي، حتى وصل الأمر بهم إلى التهديد بحل السلطة الفلسطينية، ولعلهم يفعلون ذلك، فإن الكثيرين من بيننا طالبوا منذ سنوات، بحل السلطة الفلسطينية وتحميل إسرائيل أعباء الاحتلال، وهذا أكثر ما تخشاه إسرائيل، وهو سلاح في يد الفلسطينيين، وليس بيد إسرائيل، وأخيراً فكما يبدو فإن الحق والعدالة، ليسا كافيين لانتزاع الحقوق من المحتل الإسرائيلي، ويبدو أن ما يحق لإسرائيل لا يحق لغيرها.

 

اخر الأخبار