لبنان ومقصلة 'الفصل السابع'

تابعنا على:   19:19 2014-12-23

كتب حسن عصفور/ في مفاجأة سياسية كبيرة، أعلن رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي أن هناك حوارا يدور في ' كواليس السياسة الدولية' لتكون قرارات المحكمة الدولية الخاصة بالشهيد رفيق الحريري تحت 'الفصل السابع' من ميثاق الأمم المتحدة، بما يعني أن تلك القرارات ستكون ملزمة لأعضاء الأمم المتحدة الـ192 بتطبيقها ، ومن يخالفها سيكون تحت طائل المسؤولية، كما المتهمين المحتملين .. وجاء الإعلان هذا ليشكل قنبلة سياسية من العيار الثقيل ، لم يجد له صدى يتناسب وما يمكن أن يشكله القرار في حال صدوره ، نظرا لانشغال الرأي العام العربي وأيضا الفضائيات ووسائل الإعلام بما يجري في بلادنا التي تنهض في بعض أركانها ، ما بين نهوض قومي – عروبي وحراك يثير ملامح تخوفات طائفية ، كما البحرين والسعودية ..

حديث ميقاتي حول محكمة الحريري ، يعري بما لا يقبل الشك كيفية استخدام المحكمة الدولية ، ليس من كون ضرورة كشف مجرمي مرتكبي الجريمة مهما كانت أسماؤهم وجنسياتهم ، فلا سماح بقتل الناس كما كان مع الحريري، وهو أيضا منطق الثورات المتلاحقة في المنطقة، بملاحقة مرتكبي جريمة قتل رافضي الاستبداد والطغيان .. الجريمة جريمة لا تلوين ولا تزيين لها ، وعلى مرتكبيها دفع الحساب مهما علا شأنه وكانت مكانته ، عربيا أم عبريا أم ما بينهما ..

ولكن ، الجريمة السياسية التي لا يجب السكوت عليها،الابتزاز المكشوف لاستخدام دم الشهيد رفيق الحريري ليس لملاحقة المجرم ، بل لفرض حصار سياسي من نوع خاص على المنطقة العربية ، تحت مقصلة 'الفصل السابع' ، والتي يبدو أنها باتت سلاحا في 'اليد الأمريكية' ضد البلدان العربية، بعد أن نجحت في ابتزاز مجلس الأمن بقرار 1970 حول ليبيا ضمن 'عقوبات الفصل السابع'، فترة وجيزة يتم بها العمل على تطبيق العقوبة الأشد من الأمم المتحدة ضد العرب ، وهو ما يثير كل أشكال الريبة والشكوك من حقيقة 'البحث عن الحقيقة' سواء في لبنان أو ليبيا قبلها ، وكما يجري في استخدام 'المحكمة الجنائية الدولية وأوكامبو' ولنتذكر كيف بات البشير عادلا إثر انفصال السودان بعد أن كان مجرم حرب مطلوب القبض عليه ( الآن –NOW).

محاولة لفرض قرار سياسي دون النظر فيما سيكون عليه مستقبل لبنان ، أو مصيره والعلاقة الداخلية بين مكوناته ، حقائق ليست خافية على من يقف وراء إصدار القرار ، وهو ما أكده رئيس المحكمة الدولية المكلفة النظر في اغتيال رفيق الحريري الجمعة، القاضي كاسيزي بـقوله'إن المحكمة بكل أجهزتها، مدركة 'للآثار الجسيمة' التي قد تترتب على صدور كل قرارات الاتهام، مشددا في الوقت نفسه على حاجة لبنان الماسة إلى العدالة.

وأضاف 'هذا أمر متوقع عند تطبيق عملية قضائية على ما سماه مجلس الأمن تهديدا للسلام والأمن الدوليين'.

إلا أنه أكد، رغم ذلك، 'لا يمكن كبت الحاجة إلى العدالة'، معتبرا أن 'المجتمع اللبناني في حاجة ماسة إلى عمل مؤسسة دولية نزيهة لا تقيدها قيود أي أيديولوجية أو أي برنامج سياسي'.

وقال كاسيزي 'ليس سرا أن نقاشا كبيرا ما زال موجودا في لبنان وسواه بشأن جدوى المحكمة واعتبر أن 'نشوب أي أعمال عنف بسبب اتخاذ إجراءات قضائية لن يكون على أيدي أفراد حريصين كل الحرص على ترسيخ العدالة، بل على أيدي أفراد هم دون سواهم ضد العدالة والسلام'.

هكذا وبدون أن يرمش له جفن يعتبر أن عدم الانصياع لرغبات المحكمة سيكون ضد العدالة والسلام  ، ويبدو أن المسألة اليوم ليست بحثا عن من هو المجرم وإدانة الجريمة البشعة فحسب ، بل هو العمل على ارتكاب جريمة أكبر بما لا يقاس ضد لبنان ، فباسم جريمة اغتيال الحريري يريدون اغتيال لبنان ومحيطه ..من خلال إشعال نار الفتنة السياسية والطائفية وفرض منطق حرب أهلية ، من خلال سحب البساط من تحت أقدام 'حزب الله' وجرها إلى ساحة الاشتباك الداخلي المسلح ، وإعادة ما حدث في مايو – أيار 2008 ولكن بشكل أكبر وأوسع ، ما يعني نصب كمين قد لا يخرج منه سالما ، ويكسر كل مقولات 'سلاح المقاومة' الذي يثير خلافا عليه في الآونة الأخيرة ، كمين مزدوج يتم العمل له باسم المحكمة والفصل السابع ، للشيعة والسنة والسلاح الشرعي وغير الشرعي ، ومصطلحات سيكون التعامل معها لاحقا ضمن منطق ليس هو منطق اليوم ..

والمؤسف أن صاحب الحق الخاص بجريمة الشهيد الحريري وطائفته ، يتصرف بمنطق 'تصفية الحسابات السياسية ' ورد الفعل على ما تم من قبل تحالف 'حزب الله ' والذي انضم له وليد جنبلاط ، وأفقد الحريري الابن أغلبيته لتشكيل الحكومة ، فاستغل الطائفة السنية التي يمثل الثقل الأساس بها بما لا يقاس مع أوزان أخرى سنية تتجاذب مع تحالف حزب الله، دون أن يضع فاصلا بين حق معرفة المجرم وكيفية تنفيذ العقاب ، والذي لا يجب أن يكون غير لبناني مهما كان الحال ..

القضية التي تطرح نفسها بقوة ، لو أن المجرم كان ضمن 'الدائرة الإسرائيلية' ، وهو افتراض لا غير، هل ستطبق المحكمة الدولية الفصل السابع على إسرائيل ، أم أن القضية باتت منتهية والمتهم معلوم بأنه ليس من إسرائيل ولذا تم الكلام عن الفصل السابع ، وافتراضا أن المجرم من بين صفوف 'حزب الله' وبتواطؤ بعض العناصر الأمنية السورية ، هل سيوافق الحريري على ما تريده أمريكا من وراء الفصل السابع ، أم أنه يطالب من الآن أن يترك كيفية ملاحقة المجرم للطريقة اللبنانية ، وأن يكون العقاب لبناني فقط ، فدم الحريري غال إلى درجة القداسة ، ولكن يبقى 'لبنان أولا' وفقا لشعار تيار المستقبل أقدس .. يجب عدم السماح لمنطق الثأر الفردي من أن يعمي البصر والبصيرة ونتيجتها لن يكون عدالة بل خراب على الجميع وفي القلب لبنان الوطن والمواطن..

هل يمنع الحريري الابن ما هو قادم من مؤامرة ضد لبنان ، بحكمة الوالد المغتال ، وأن يستمع لنصيحة ابن كمال جنبلاط حليفه إلى قبل أسابيع ' لبنان قبل العدالة' .. لتعرف الجاني واحتفظ للقصاص منه وطنيا ... وتأكد أن شعب لبنان لن يرحم المجرم أبدا وسيكون قصاصه أشد وقعا من مؤامرة واشنطن وفلكها السياسي.. ومن لا يرى ما يحدث في المنطقة ليس سوى أعمى بعيون أمريكية .. وليت سعد يعود إلى رفيق ويسأله الحكمة التي تخونه أحيانا ..

ملاحظة: فضيحة الجامعة البريطانية مع سيف الإسلام القذافي لاتقل فسادا عن فساد بعض ما في بلادنا .. لكنه 'فساد حضاري جدا' ..

تاريخ :6/3/2011م    

اخر الأخبار