وزارة الخارجية الخارجة

تابعنا على:   13:00 2013-10-03

د. عاطف أبو سيف

طالعتنا بعض مواقع النت في بداية الأسبوع ببيانين حول مطالبة موظفي وزارة الشؤون الخارجية في غزة المحرومين من كل حقوقهم من قبل إدارة الوزارة في رام الله التعبير عن مطالبهم ورفعها للجهات المسؤولة. احد البيانات صدر من قبل موظفي الوزارة في غزة والآخر يبدو أنه أرسلت به لوكالات الإعلام إدارة الوزارة وهو يحاول أن يقمع مطالب هؤلاء الموظفين. وصدف أنني موظف على ملاك وزارة الشؤون الخارجية ولم أفد لها من NGOs ولا من وزارة أو هيئة بطالة بل إنني وفور تخرجي من جامعة بيرزيت عام 1996 لم أعرف مكاناً للعمل غير الوزارة حين كانت لم تتجاوز مقراتها بناية واحدة. لذا أجد لزاماً على أن أشارك في هذا النقاش حول حقوق موظفي غزة الذي اعتز بأنني واحد منهم، وأشعر مثلهم بالغبن والاضطهاد الوظيفي الذي تمارسه إدارة الوزارة علينا منذ التزامنا بقرار السلطة السياسية الشرعية بالجلوس في بيوتنا بعد انقلاب حركة حماس على الشرعية الفلسطينية في قطاع غزة في حزيران عام 2007. وهو إنقلاب أصاب الوطن في مقتل وأصاب مشروعه الوطني بعطب كبير ومس وحدة الشعب ومؤسساته.

لكن يبدو أن ثمة طرفا واحدا يدفع الثمن دائماً، وربما لم يصدف أن يكون هذا الطرف هو موظفو غزة فيما وجد طرف آخر في الانقسام نعمة تظله بالخير وتغدق عليه المنافع. وبما أن الحديث يدور حول علاقة الوزارة وإدارتها في رام الله بموظفيها في غزة فإن الحقائق تعكس هذا الاهتمام بأن يدفع الموظف في غزة ثمن هذا الانقلاب، لا لشيء إلا أنه آل إلا أن يكون الجندي الاول في الدفاع عن الشرعية الفلسطينية التي تنعم إدارة الوزارة بخيراتها. لم يحدث أن تواصلت الوزارة مع موظفي غزة او سألت عنها في أقسى لحظات الانقلاب والتوتر في غزة حلكة حتى أيام العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة. لقد استشهد زميلنا الدبلوماسي تيسر زملط خلال حرب إسرائيل على غزة عام 2008-2009 جراء قصف بيته، للأسف لم تنعه الوزارة ولم ترسل برقية تعزية واحدة أو إكليل نعي لبيت العزاء. عشرات من أبناء الوزارة كان يزجون في أقبية التحقيق في سجون حماس في غزة لم يهاتفهم أحد ليطمئن عليهم، وعشرات منعوا من السفر أو التنقل عبر معبر رفح وتم إرجاعهم من هناك، لم يكلف أحد خاطره بتصدير موقف صحفي يشجب مثله مثل مؤسسات المجتمع المدني على أقل تقدير.

من الطرفة أن أسمع للمرة الاولى في حياتي أن هناك شيء اسمه نقابة للموظفين في الوزارة. لكن هذه الطرفة ستكون مؤلمة حين أعرف أنه لا يوجد موظف واحد من غزة في هذه النقابة. يا للهول حين نقوم بمأسسة الانقسام وتجسيده برغباتنا. ولكن يبدو أن ثمة زمرة متنفذة في الوزارة برام الله تعشق هذا الانقسام وتريد له أن يستمر للأبد. وهنا لابد من من طرح هذا السؤال على نقابة الموظفين العمومين التي تعمل بجهد يشكر لها على ما أعرف للدفاع عن حماية حقوق الموظفين كيف تقبل بهذا التجاوز.

وزارة الشؤون الخارجية التي هي إحدى الوزارات السيادية لا علاقة لها بتفاصيل الانقسام لذا ليس مباحاً لأحد ان يوقف التعينات في السلك الدبلوماسي من غزة لسبعة سنوات. لأنك يمكن لكن ان تقوم بتوظيف دبلوماسيين جدد من أي مكان وتدربهم وترسلهم للخارج. لم يحدث أي تعين دبلوماسي من غزة طوال تلك الفترة بالطبع هذا يعكس مفهوم الحاكمين للوزارة لكلمة وطن. اما التوظيف في الوزارة فهذا بحاجة لقصة اخرى ولمقال آخر وربما لتحقيق فيه للتحقق من سلامة الإجراءات القانونية التي أوجبها قانون السلك الدبلوماسي الذي اتشرف أنني كنت جزءاً من الفريق الذي قام على إعداد مسودته.

اما أن يحرم موظفو غزة من حقوقهم وترقياتهم وحقهم في الابتعاث والدورات إلا النذر القليل الذي يوزع على "الحبايب" وبدون الية منظمة فهذه جريمة لا يمكن إلا أن تعكس إصرار مرتكبها على التعبير عن حبه لهذا الانقسام وشكره له. فالموظف في غزة جلس في البيت لأن الشرعية قالت له أن يفعل. وكان قرار  ديوان الموظفين في رام الله واضحاً بأن حقوقهم الإدارية ستحفظ كاملة. تكاد تكون الخارجية على ما اعرف الوزارة الوحيدة في السلطة في رام الله التي لا تتواصل مع موظفيها وتكاد تكون الوزارة الوحيدة التي تحرمهم حقوقهم لأن من يقومون عليها لهم فلسفة وطنية خاصة.  لقد صدف وأن قام الوزير بزيارة غزة خلال قيام وفد وزراء الخارجية العرب لها بعد الحرب على القطاع العام الماضي. جاء الرجل وخرج ولم يطلب حتى ان يرى بعض موظفيه في غزة كما يفعل كل وزراء السلطة حين يزرون غزة وهم كثر ربما كان آخرهم الدكتور كمال الشرافي زميله وزير الشؤون الاجتماعية. كنت في ذلك الوقت ممثلاً لحركة فتح للعلاقات الوطنية وكنت من بين وفد الفصائل التي استقبلت الوفد الوزاري العربي. جاء الوزير وغادر وكانه ليس صاحب علاقة بغزة.  وقد ألغني احد الزملاء أنه توجه للوزير شخصياً خلال وجوده لغزة وطلب من أن ينظم له لقاءً مع موظفي غزة وإن اضطر للمبيت فهي فرصة، لكنه رفض.

  كان يمكن وضع خطة أنجع للتعامل مع ملف غزة حتى لا يخلو السلك الدبلوماسي في المستقبل منهم إلا إذا كان هناك من يخطط لذلك. كان يمكن الاستفادة من قدراتهم العلمية والمهنية حتى عن بعد في ظل جلوسهم في البيت، بيد أن هناك من حقا يسعد كلما استمر هذا الانقسام.  وكان موظفو الوزارة في غزة قد تقدموا بعشرات الاقتراحات حول آليات لفعل ذلك لكن آذان الوزارة في رام الله دائماً محشوة بفلين. أما ان يقال إنهم لا يعملون فلأن هؤلاء القائمين على الوزارة فهذا جهل بواقع غزة حيث أن جل هؤلاء الموظفين يدفعون يومياً فاتورة عملهم للدفاع عن الشرعية التي ينعم بخيراتها هؤلاء  ويقومون بواجباتهم في الاطر التنظيمية التي تجسد خندق الشرعية الاول. لكن يبدو ان هناك من يجد العمل الوطني سبة للأسف.

 

إن هذا الموقف المسيء للمهنية وللعمل الدبلوماسي والمنتهك للحقوق النقابية للموظفين والذي يحاربهم بلقمة عيشهم ومستقبل تطورهم الوظيفي فيما يتم تكديس الوزارة بالأخ وابنة الأخ والقريب والصديق وغير المسيسين لأن الانتماء للتنظيمات المقاتلة التي رسخت الهوية الوطنية صار سبة بالنسبة للبعض. إن دراسة مكونات التوظيف في الوزارة ضمن دراسة تحليل مدرسة النخبة ستكشف عن أهوال يمكن لها أن تعكس لنا الكثير من الوعي والصورة النمطية والتخيل الهوياتي.

إن هذا النهج بحاجة لمراجعة ووقفة مع الذات.  حتى لا يدفع موظفو غزة الفاتورة مضاعفة، ولن يفعلوا لأنهم سيظلون شاء من شاء وابي من ابي لغة الزعيم الخالد أبو عمار صمام الامان والمدافعين عن الشرعية والعاملين على مصلحة الوطن وقضيته.

اخر الأخبار