معركة القيادة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي

تابعنا على:   10:17 2014-12-23

ماجد كيالي

لم يكن من المتوقّع أن تصمد القيادة الفلسطينية في مواجهة الضغوط الدولية (وربما العربية أيضاً) المتعلقة بإدخال تعديلات على مشروع القرار الذي قدمته إلى مجلس الأمن الدولي، والخاص بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. هذا لا يتعلق بوجهة نظر مسبقة تجاه السياسة التي تنتهجها هذه القيادة، ولا نتاج معرفة بمآلات الاختبارات التي سبق أن تنازلت إزاءها، وإنما لأنها من الأصل لم تهيئ شعبها، ولا حتى الكيانات السياسية القائمة (المنظمة والسلطة والفصائل) على الأقل، لمتطلبات مثل هذه النقلة، أو تحصينها في مواجهة التداعيات التي قد تنجم عنها، كأنها تذهب نحو هذا التحدي من دون أن تعنيه تماماً.

واضح أن قيادة الفلسطينيين ما زالت تراهن، في سياساتها وخياراتها التفاوضية، على العامل الدولي، والأميركي خاصة، بالنظر إلى قناعة مفادها أنه من دون أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار يصعب حمل إسرائيل على تقديم أي شيء لتسيير عملية التسوية، بخاصة في ظروف لا تتوفر فيها موازين القوى المناسبة لحملها على ذلك. بيد أن مشكلة القيادة الفلسطينية، في هكذا رهان، أنها تفرّط، وفي شكل مسبق، بأسلحتها، أو بأوراق القوة الظاهرة، أو الكامنة، التي يمكن أن تمتلكها وأن تستثمرها، ومن ضمنها وجود كيانات سياسية فاعلة، وإجماعات وطنية، والاستناد إلى مرجعية الشرعية الدولية، والتساوق مع التغيرات الدولية والعربية، واستثمار تعزيز مسارات مقاطعة إسرائيل ونزع الشرعية عنها.

وهكذا فإن القيادة الفلسطينية ما كانت أصلاً بحاجة لإدخال تعديلات على مشروع القرار العتيد لسبب بسيط مفاده أن المعركة في مجلس الأمن الدولي هي مجرد معركة سياسية ومعنوية، لإثبات الحق الفلسطيني في هذا المحفل الدولي، بمعنى أن خوضها على أساس التنازل عن هذا الحق يجعلها من دون معنى أو جدوى، بخاصة أن هذه القيادة لا تستند ولا تبني ولا تستثمر على ما راكمته المنظمة الأممية من قرارات منذ ولادة القضية الفلسطينية (1948).

المشكلة أن القيادة الفلسطينية تعلل التنازل الحاصل في دعوى تجنّب «الفيتو» الأميركي، علماً أن التجربة مع الإدارات الأميركية أثبتت أنها ليست في وارد الضغط على إسرائيل، فهذا حصل مع إدارة كلينتون، في «اتفاق أوسلو»، ومع إدارة بوش في خطة «خريطة الطريق»، ومع الإدارة الحالية التي أخفقت في حمل إسرائيل على إبداء أي تجاوب مع حقوق الفلسطينيين، ومن بينها الوقف الجزئي والموقت للاستيطان. والقصد أن هذه التجربة تفيد بأن استمرار نهج التنازل عن الحقوق الفلسطينية لا يفيد، طالما أن الولايات المتحدة لا تفعل شيئاً إزاء تعنت إسرائيل وصلفها. فوق ذلك فإن هذا الوضع يطرح التساؤل عن العقلية التي تدير بها هذه القيادة العملية التفاوضية، فإذا كانت هذه التنازلات، التي ترسم في الواقع خطوطاً تفاوضية جديدة، قدمت لمجرد استصدار قرار في مجلس الأمن الدولي، وإرضاء للولايات المتحدة، فإلى أين يمكن أن يصل سقف التنازلات في المفاوضات إذاً؟

فضلاً عن ذلك فإن القيادة الفلسطينية بدت، في مشروع القرار المقدم (نشرته صحيفة «الأيام» في رام الله في 19/12)، كأنها تتنازل سلفاً ومجاناً عن السقف الذي حددته الشرعية الدولية للحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما فيها القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي ذاته. وربما يجدر التنويه هنا أننا نتحدث وفق مستوى الصراع المتعلق بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، أي وفق المنطق الذي تأسست عليه فكرة التسوية الجارية، بغض النظر عن رأينا فيه. وينجم عن ذلك أن القيادة الفلسطينية لم تتراجع فقط عن سقف المرجعيات الدولية، ومن ضمنها القراران 181 (لعام 1947) و 194 (لعام 1949) المتعلقان بإقامة الدولة الفلسطينية على مساحة 45 بالمئة من أرض فلسطين، وحق العودة للاجئين، وإنما هي تراجعت أيضاً عن سقف القرارات المتعلقة بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وضمنها القدس الشرقية، بحيث إن إسرائيل بعد أن انتزعت قرار التسليم بحقها في أراضي 1948 باتت تنازع الفلسطينيين على حقهم في أراضي الضفة أيضاً، وهو ما كان تم ترسيمه في اتفاق أوسلو الذي لم يحدد مكانة إسرائيل كدولة استعمارية ولا الأراضي الفلسطينية كأراضٍ محتلة!

وفي شكل أكثر تحديداً فقد اعتورت نص المشروع المقدم إلى مجلس الأمن الدولي، والذي سيخضع إلى مزيد من «التشذيب»، العديد من المشكلات التي تنتقص من الحقوق الفلسطينية. ويمكن تمثل ذلك، أولاً، بقبول الفلسطينيين، وفي شكل مسبق، التفاوض على تبادل أراضٍ في الضفة، وهو بند ملطف يوحي بالاستعداد لتقبل عدم انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967، والرضوخ لاعتباراتها في هذا الأمر. وثانياً، بالحديث عن اعتبار القدس بمثابة عاصمة للدولتين، وقد تم صوغ ذلك بكلام عمومي يوحي بالاستعداد لإمكان التنازل عن الحق الفلسطيني في القدس الشرقية. وثالثاً، في مطالبة الطرفين، وكأنهما على قدم المساواة، بالكف عن الإجراءات الأحادية، وهو كلام يجحف الفلسطينيين، الذين لا يمونون، ولا يسيطرون على شيء في الأراضي المحتلة. وفي الواقع، فإن تناول القضية على هذا النحو يبرئ أو يخفف من مسؤولية إسرائيل عن أنشطتها الاستيطانية وعن الجدار الفاصل، التي لا يقر العالم بشرعيتها! رابعاً، أما بالنسبة إلى قضية اللاجئين فقد بدا واضحاً أن الإشارة الخجولة إلى القرار 194، الخاص بوجوب عودة اللاجئين، أفرغت من مضمونها بعد أن تم ربطها بنصوص «مبادرة السلام العربية» (2002)، والتي تجعل من هذا الحق رهناً بموافقة إسرائيل، علماً أن هذه كانت رفضت المبادرة جملة وتفصيلاً. خامساً، تضمن القرار بنداً غريباً، أو ساذجاً، ينص على انسحاب تدريجي لقوات الأمن الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية خلال فترة لا تتجاوز نهاية 2017، من دون أي تحديد لسبب اختيار هذا التاريخ، وما الذي يجعل إسرائيل بحاجة إلى كل هذا الوقت.

فوق كل ذلك فإن مشكلة القيادة الفلسطينية أنها تنطلق في نقل قضيتها إلى مجلس الأمن الدولي وكأن هذه المعركة هي كل شيء، أو كأن مصير قضية فلسطين سيتم تحديده في هذا المجلس، علماً أنه لا يوجد في الواقع الدولي والإقليمي والعربي ما يفيد بذلك، وبالخصوص في هذه المرحلة، وبالنظر إلى الاضطراب الحاصل في العالم العربي.

والحال هذه، فإن نتيجة عرض القرار في شكله الحالي على مجلس الأمن، مهما كانت، لن تغير من واقع الشعب الفلسطيني، لا داخل الأرض المحتلة ولا خارجها، لأنه يُبنى على الإقرار بتآكل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولأن إسرائيل ما زالت غير مهيأة حتى في الحد الأدنى للتسوية التي تسمح بقيام كيان فلسطيني مستقل.

وفي هذا الإطار، ربما الأنسب للقيادة الفلسطينية أن تدرك بأن مهمتها، حتى في توجّهها نحو التسوية، تتمثل في التشبّث بتأسيس ذلك على العدل، ولو النسبي، وليس الرضوخ لإملاءات إسرائيل، التي تسعى إلى صوغ تسوية تتأسس على الظلم وحقائق القوة والأمر الواقع، أي أن مهمتها شيء ومهمة إسرائيل شيء آخر.

كما من المفيد أن تدرك هذه القيادة أن التوجه نحو مجلس الأمن لا يشكل بديلاً عن وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، التي أطاحت منذ زمن باتفاق أوسلو، ولا بديلاً عن تركيز الجهود لرفع الحصار عن غزة، وتعزيز المقاومة الشعبية، والاستثمار في حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل ونزع الشرعية عنها. وبالتأكيد فإن هذا التوجه ليس بديلاً عن إعادة بناء الكيانات السياسية للفلسطينيين، أي المنظمة والسلطة والفصائل، وتجديد فعاليتها وحيويتها، ومن ضمن ذلك ترميم إجماعاتهم الوطنية.

أخيراً، قد يجدر بالفلسطينيين أن يتذكروا، مع كل ما تقدم، أن إسرائيل لا يمكن أن تقدم لهم شيئاً، كرمى لعيونهم، أو لمجرد صدور قرار من مجلس الأمن، أو بسبب التنسيق الأمني، أو استجابة للتوسلات والتنازلات، وأن هذا سيحصل فقط بالاستناد إلى القوة الكيانية والوطنية الفلسطينيتين، في تضافرها مع عوامل أخرى، تتمثل بتغير المعطيات الدولية أو العربية، وبتغير القيم الثقافية والسياسية في إسرائيل، أما في غير هذه الأحوال فإن أي تحرك هو مجرد شغل في السياسة لا أكثر، ولا ينبغي التعويل عليه، لا سيما إذا لم يكن منبثقاً من رؤية استراتيجية سياسية وكفاحية.

عن الحياة اللندنية

اخر الأخبار