الغنوشي منجما..!

تابعنا على:   13:44 2014-12-21

كتب حسن عصفور/ يحتل السيد راشد الغنوشي رئيس حزب 'النهضة' الإسلامي التونسي مكانة خاصة بين قادة تيار 'الإسلام السياسي'  حاول أن يقدم صورة مختلفة عن النمطية المعروفة عن مفكري ذلك التيار، وكتب ما يشير إلى أن هناك جديدا يفترق به عن 'سلفية الإخوان المسلمين' التقليدية، وقطع شوطا للتمايز عن الشائع عنهم، ومع بدايات الحراك التونسي لم يصدر أحكاما متسرعة، بل تصرف بهدوء مادحا الحراك وقائلا إنهم ليسوا قادته ولا مفجريه، وكان واقعيا إلى درجة كبيرة ما قبل الانتخابات، وأطلق عشرات التصريحات التي تحاول أن لا تربطه بالنمطية الإخوانية في الحياة العامة والوعي العام للمسؤولية تجاه الحكم والدولة، وأكد كثيرا إلى أنه يماثل النموذج التركي في تصوره للحكم وقيادة السلطة، وهي رسالة ذات دلالة سياسية – فكرية، ليست هادفه لكسب الناخب التونسي فحسب، بل لكسب 'مستقبل الدولة التونسية' التي تتمتع بخصوصية فريدة في سجلات الأحوال الشخصية والعامة والوضع الثقافي..

وبلا أدنى شك فإن الرجل احتل مكانة تقديرية لرؤيته الواضحة وغير الملتسبة كما غيره من قادة تيار 'الإسلام السياسي'، ويبتعد كثيرا عن لغة 'الازدواجية' التي تميز قادة ذاك التيار في مناطق أخرى، ولذا فهو وعبد الإله بن كيران المغربي الذي يصر أنه لا يشبه غيره، يمثلان نهجا تنويرا تحديثا للفكر الإخواني التقليدي، بل إنهما يصنعان 'طريقا جديدا' وقد يكون منفصلا عن التيار التاريخي لإخوان حسن البنا في مصر وبلدان الخليج العربي وغيرها، وهما عمليا يقودان اشتقاقا عصريا عن ذاك التيار التقليدي، كما حدث يوما مع التركي أردوغان يوم أن تمرد ورفاقه على منهج الإخوان السلفي بشخص  نجم الدين أربكان ، وقرر تشكيل حزب يتمتع بروح المرجعية الإسلامية وأدوات المعاصرة العلمانية، وضع حدا للمفهوم الديني في السياسة، واستخدم القيم الروحية لصنع مفاهيم انسانية تنموية لبناء دولة وإرساء حكم مستند إلى 'أنكم أدرى بشؤون دنياكم'، رؤية لو استقامت في السياسة الإقليمية وتزاوجت دون 'نزعة هيمنة' فإنها ستنتج عصرا يعيد للمسلمين والإسلام روح الإبداع والخلق والتطور وإنتاج ثقافي كان يوما مصدرا للحضارة الإنسانية..

ولأن الغنوشي أحد الشخصيات المفترض أنها تمتلك القدرة للمساهمة في خلق هذه الحالة بين القيم الروحية والإنسانية فلذا تصبح متابعته أكثر دقة من غيره كونه يحمل بعضا من أمل لتبيان صورة للحكم مختلفة، ديمقراطية علمانية بروح الإسلام، ولذا ما قاله في واشنطن عن أن العام المقبل سيكون نهاية للنظم الملكية، لو جاءت في إطار الأمنية لقيل أنها 'مشروعة' ولكن أن تصدر كحكم قطعي تعيدنا إلى تلك 'الأحكام' التي تصدر عن مفتيي الفضائيات العربية، وليست عن سياسي يحمل مشروعا نهضويا كما يقال، والتوقف هنا ليس عند خطأ تقديري في الرؤى السياسية، بل إنها تدخلنا 'عالم التنجيم' غير المرغوب، خاصة والكل يعرف أن الكلام الصادر عن الغنوشي في واشنطن وداخل أحد قلاع الأيباك الفكري – السياسي ليهودها، لا يستقيم مطلقا مع صلاته وعلاقته بدولة قطر وهي نظام ملكي أيضا، بل إن أول زيارة خارجية للغنوشي بعد فوز حزبه في انتخابات تونس كانت زيارة شكر وتقدير للدوحة، أميرا وشيخا، ولم يذهب لمكة أو المدينة ولم يعرج عليهما في طريق عودته..

العبارة هنا تكشف أن 'الازدواجية' التي يفترض ألا تكون باقية لحزب يتحدث عن رؤية سياسية فكرية جديدة لم تنته بعد، بل إنها تبرز بين حين وآخر، ما لا يشكل حالة آمان لسلوك ونهج مفترض أن يكون لإرساء طريقة حكم تحترم وعي الإنسان وقدرة الشعوب على التعاطي مع متغيرات الحالة السياسية، خاصة أنه قدم تبريرا لما قاله مرشح حزبه لرئاسة الحكومة التونسية عن 'الخلافة السادسة القادمة' لم يكن مسنجما مع الاستقامة السياسية المطلوبة، فبدلا من أن يعترف بأن تلك المقولة خاطئة ذهب لتبريرها، وهو هنا أضعف درجة مصداقيته التنويرية، ولذا جاءت مقولته عن إسقاط الأنظمة الملكية العام القادم في غير سياقها المنطقي.. ولو بقيت كأمل لاختلف الأمر ..

لا نريد لقائد مستنير  كالغنوشي أن يتحول إلى منجم كالخطابي المغربي.. نحتاج لرجل نهضوي وليس متسابق تنجيمي.. ولنذكر بما هو معلوم ..كذب المنجمون ولو صدقوا.. اللهم إلا إذا كان الغنوشي يقصد دولة بعينها ضمن 'معلومات' استقاها من 'وحي الزيارة' لمعهد واشنطن..

ملاحظة: حماس أصدرت تقريرا عن موازنة مجلسها المسيطر على القطاع.. مفارقته العجيبة أن 34 % منه للأمن.. النسبة تقارب نسبة ما تخصصه دولة الكيان الإسرائيلي.. الأمن أولا ..

تنويه خاص: من العجائب الديمقراطية الجديدة أن تخطيء لجنة الانتخابات المصرية في حسابات نسبة المشاركين بما قدره 10% فقط!!.. تخيلت لو كان الخطأ حدث والنتيجة لا ترضى التيارات الإسلامية وأمريكا وقطر .. ماذا ستكون ردود الأفعال .. لنتخيل فقط ..

 

تاريخ : 6/12/2011م  

اخر الأخبار