في حوار شامل حول قضايا اقليمية

الوزير فهمي: لا يجوز البحث عن "قرار توافقي" على حساب اسس الحل وأهمها دولة فلسطين..

تابعنا على:   12:50 2014-12-21

نبيل فهمي

أمد/ القاهرة: بخبرة دبلوماسي مخضرم، حلل وزير الخارجية السابق نبيل فهمي الأوضاع الصعبة التي تعيشها المنطقة العربية وحذر من مواجهة الدول العربية أزمة غياب الرؤية، كما وضع رؤية مستقبلية للعلاقات الخارجية المصرية في المرحلة المقبلة من واقع تجربته كوزير للخارجية في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو.. وإلى نص الحوار لجريدة "الأخبار" المصرية.
- مع بروز تحالف دولي ضد داعش، هل هناك فرصه لحل القضية السورية؟
لم يكن ظهور داعش مفاجأة، فكل أسباب التطرف والإرهاب متوفرة بالمشرق وكانت واضحة، ولم يتحرك أحد عندما كان يقتل مواطني سوريا أو العراق، عرب ومسلمون، وحذرت من هذا عقب 30 يونيو، ولم يتحرك أحد بل دعموا هذه الجماعات بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى أن غيرت داعش سياستها وقتلت عدد من الأمريكيين و البريطانيين، فشهدنا الغارات الجوية التي حملت داعش الخسائر، وإنما لم ولن تقضى عليها، إلا مع تواجد عسكري بري بقياده عراقية مدعومة بآخرين، وعمل اقتصادي واجتماعي عربي بدعم دولي على مدى طويل.
بدأت الاضطرابات في سوريا مثل بقية دول الربيع العربي بثورة شعبية سعياً لمشاركة في تحديد مستقبل البلاد، ثم تحولت إلى صراع حول الهوية السورية، وتنافس بين دول كبرى وإقليميه لفرض النفوذ أو تصفية الحسابات، ويتحمل الشعب السوري وحده ثمن هذه الصراعات، بأكثر من مليون لاجئ بالخارج، و6 مليون نازح داخل وخارج سوريا، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى.
"خضة" داعش ستدفع البعض ان "يختشي" بعض الوقت، خاصة بالنسبة لمواقفه تجاه تلك المنظمات المتطرفة، وقد نجد بعض التحرك الموازي أو المنسق بشكل غير معلن، فلا يمكن تصور ضرب سوريا وإيران والولايات المتحدة لنفس المواقع خلال أسبوع  واحد كان دون تنسيق بينها، كما أتوقع أن نشهد بعض المهادنات بين الحكومة السورية والمحاربين بالمعارضة في بعض المناطق المحدودة، فكلاهما مرهق ويسعى لاستثمار "خضه داعش"، وإنما القضية لن تُحل على المدى القصير، وتحتاج - ضمن أمور أخرى-  إلى حوار جاد بين روسيا وأمريكا من جانب، والدول العربية الرئيسية وإيران وتركيا من جانب آخر، حول مستقبل الشرق الأوسط عامةً، ليس فقط المشرق أو سوريا، وهي حوارات ضرورية، وإنما ستستغرق وقت طويل لاختلاف المواقف والمصالح، وفي هذا السياق هناك مصلحة لمصر وللعالم العربي أن نلعب دور فعال في صياغة موقف عربي جديد، يوفق بين مآخذ الدول العربية حول النظام السوري والتوغل الإيراني وبين حماية الدولة السورية والنظام العربي، لنكون أكثر قدره على موازنة المصالح العربية ومصالح الدول الإقليمية الأخرى مثل تركيا وإيران.
- هل تستطيع العراق لم الشمل داخلياً حتى يقوم بدور وطني أو إقليمي؟
مشكلة العراق انه تحول من نظام مركزي دموي أثناء صدام حسين، على حساب الأقليات وفئات مختلفة من الشعب العراقي إلى وحدات ودويلات مذهبية وعرقية على حساب الدولة المركزية، لازالت تلك الدويلات تتألم من كوابيس الماضي، لذا فرغم أن العراق أقام مؤسسات الدولة الحديثة فلم يستثمرها كأدوات جامعة، ويُتعامل معها من منظور طائفي، وهو ما تستغله دول وجماعات متطرفة، ويشجع على استمرار نفوذ الميلشيات والجماعات العسكرية غير النظامية.
اعتقد أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة خطوة بالاتجاه الصحيح، وإنما يجب أن تدعم ببناء جيش عراقي على أساس الكفاءات، دون تمييز لفئة أو طائفة، وكذلك وضع نظام إداري ومالي سليم بين الحكومة المركزية والمحليات، تأكيدا على مكانه الدولة، وتشجيعا للمحليات على التعامل مع الحكومة المركزية.
- هل تشهد العلاقات الإيرانية العربية والمصرية تطور، وقد قامت الدول العربية الخليجية تبادل زيارات مع إيران؟
العلاقة العربية الإيرانية ليست بعيدة عن العراق وسوريا، بصرف النظر عن أن نقطة البداية فيها بالخليج العربي، بل إن امتداد نفوذ إيران إلى البحر المتوسط وغيره يعني أيضاً أن سياستها مرتبطة بمصر إقليمياً، و ليس فقط لعلاقة مصر الحميمة مع الدول العربية الخليجية.
إيران دولة مهمة لا غبار على ذلك، وقد فتحت حواراً محدوداً وصريحًا معها عندما كنت وزيراً للخارجية، اتسم بالوضوح الكامل ويعكس رغبة من جانبنا لتحقيق الاستقرار بالشرق الأوسط، واستعداداً لاحترام مصالح الغير، في نفس الوقت أكدت على أن هناك تحفظات شديدة على السياسات الإيرانية بالخليج العربي، والمشرق تحديداً، وطالبت الجانب الإيراني باتخاذ موقف واضح من عدم التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر بالأمور الداخلية للدول العربية المجاورة لها، منوهاً أن ذلك سيكون له مردود إيجابي فيما بينهم، وكذلك على المستوى الإقليمي، ويساعد على إيجاد حل، أو التحاور حول الاختلافات الحدودية والسياسية القائمة مع الإمارات والبحرين والسعودية.
 وحذرت من تفاقم الأمور وخطورتها مع إدخال الاعتبارات العرقية والمذهبية الدينية في العلاقات بين الدول، وتأثير كل ذلك حتماً على مصالحنا جميعاً بما فيها إيران، وكانت هناك بوادر استجابة محدودة من الجانب الإيراني، وأتمنى أن نشهد المزيد.
- ومن أكبر مؤشرات الخلل الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط أن هناك 6 دول تتفاوض مع إيران حول برنامجها الدولي دون مشاركة أية دولة عربية، وفقاً لمصالحها الأجنبية ورؤيتها المرتبطة بإيران، فكيف يطمئن العالم العربي لنوايا الطرف الإيراني أو الأجنبي دون المشاركة بالمفاوضات، مع كل التطمينات التي نسمعها فهناك قلق مشروع من الجانب العربى، فهل سيكون الاتفاق النووي إذا تم مقابل استمرار إيران في سياستها الإقليمية؟ لماذا تطمئن الدول العربية لنوايا الدول المتفاوضة، إذا كانت ترفض حضورنا المفاوضات، ونحن طرف إقليمي له مصلحة مباشرة؟
وصلت القدرات النووية الإيرانية إلى مستوى يسمح لها بتجميع الكميات المطلوبة من الوقود النووي المخصب لصنع قنبلة نووية، ولديها قاعدة صناعية متطورة، وهدف المفاوضات هو السيطرة على المواد المخصبة وعدم تمكين إيران من استكمال تخصيب كميات ملائمة مستقبلاً قبل مرور عام على الأقل، بما يعنى منع العسكرة المفاجئة للبرنامج النووي، وهو في حد ذاته تراجع بالموقف الدولي، وإقرار بالقدرات النووية الإيرانية حتى إذا لم تكن قد صنعت سلاح نووي.
لهذه الأسباب لا أرى إمكانية تطمين العرب من المخاطر النووية دون خلق منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط، يشمل كل دول المنطقة، بما فيها إسرائيل والتي لها ترسانة نووية أكبر وأخطر من القدرات الإيرانية، ومطلوب منطقة خالية تضمن إجراءات تفتيش بالغة الدقة، وتضم مراكز إقليمية لتخزين الوقود المخصب.
وأكرر أن التغلب على الشكوك العميقة بين العرب وإيران يتطلب حوار عميق حول مستقبل الشرق الأوسط عامةً، ومجموعة من إجراءات بناء الثقة على مستوى الثنائي، وهو حوار أؤيده وأشجعه وأناشد إيران بتهيئة الظروف الملائمة لإجرائه ولنجاحه.
- وإذا انتقلنا إلى دول الجوار المصري المباشر نجد حدودنا إما مشتعلة مثل ليبيا، أو غير مستقرة مثل السودان، أو مضطربة مثل الحدود الشرقية مع فلسطين من خلال قطاع غزة وإسرائيل، كيف وصلت الأمور إلى كل ذلك في آنٍ واحد، و ماذا نفعل؟
الوضع في ليبيا مأساوي وبالغ الخطورة، فهناك تنازع على شرعية الحكومة المركزية، وهناك انفلات أمني لممارسات بعض الجماعات المتطرفة غير الشرعية صاحبة العتاد العسكري الكبير والدعم المالي الوفير، وتسعى القبائل إلى حماية نفسها عن طريق مساومات سياسية وأمنية مع ميليشيات عسكرية.
والأوضاع في ليبيا تؤثر سلباً على مصالح مصر والجزائر وتونس بتهريب السلاح عبر الحدود، وضغط العمالة الليبية والعربية والإفريقية، واستغلال بعض التيارات المتطرفة لليبيا كقاعدة للانتشار فيها عسكرياً وفكرياً إلى الدول العربية والإفريقية المجاورة.. ولا يوجد حل لكل هذا دون جهد لدول الجوار والمجتمع الدولي لضبط السلاح المهرب إلى أو من ليبيا.
وسبق أن طرحت في روما في أوائل هذا العام مبادرة لجمع السلاح الليبي، ولا أمانع في حوار سياسي ليبي بالتوازي مع هذا، وهو ما تسعى إليه الأمم المتحدة وإنما من المهم مراعاة عدم إعطاء مشروعية سياسية رسمية أو ضمنية للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف داخل أو عند الحدود الليبية، ولذا قد يكون شرطاً من شروط المشاركة لهذه الجماعات التزامها بتجميد نشاطها العسكري، وعدم المشاركة في عمليات على الحدود الليبية، والعنصر الثالث بالغ الأهمية هو إعادة بناء الجيش الوطني الليبي لمواجهة التيارات المتطرفة ولضبط الحدود، فالوضع في ليبيا سيظل مضطرباً لمدة طويلة، والمشروع سيطول، وإنما لا يوجد لدينا أو لدى الغير رفاهية الانتظار، فتوغل الجماعات المتطرفة وانهيار الدولة وصل إلى معدلات غير مسبوقة وبالغة الخطورة.
- و ماذا عن السودان؟ وهل تقف مع إثيوبيا ضدنا في قضية المياه؟
هناك تحسن في العلاقات المصرية السودانية منذ 30 يونيو، وكانت أول محطة خارجية لي بعد تولي وزارة الخارجية، وكلما نظر الجانبين للعلاقة باحترام متبادل وبروح تعاونية أتوقع أن نشهد مزيد من التقدم في العلاقات، وهناك بالفعل بعض الانجازات حول عدد من المناطق الحدودية والمعابر، مما يساعدنا في إدارة اختلافاتنا الأخرى بحكمة، بعيداً عن العواطف والمهاترات.
اتخذت السودان موقفاً مختلفاً عن مصر في مسألة المياه منذ 2012، ولا تزال مواقفنا متباينة، وستظل كذلك حتى نصل إلى حل توافقي بين مصر و إثيوبيا، مع العلم بأن إثيوبيا والسودان أكدا على عدم اتخاذ مواقف تمس المصالح المصرية جذرياً، ويؤكد على أن هناك حسن نية في ذلك، ولكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي في مثل هذه الأمور الحساسة، ويجب متابعة المفاوضات بدقة والتي أتوقع أن تكون شاقة و صعبة، فالعبرة بالمواقف الفنية والتفصيلية وليس البيانات الفضفاضة، وهذا هو ما كان يحكمنا في المفاوضات خلال عامين 2013 و2014، أي احترام مصالح الغير، والاستعداد للتعاون لتحقيق هذه المصالح، وعدم التهاون في إيضاح خطورة بناء سد النهضة للمجتمع الدولي دون اتفاق ثلاثي إثيوبي سوداني مصري، وكلها مبادئ حاكمة في مثل هذه الأمور.
- وكيف تفسر العداء التركي لمصر، والذي وصل إلى تطاوله على الرئيس خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، و حتى في لقاء أردوغان بالرئيس الروسي بوتين مؤخراً؟
سعت تركيا دوماً لتعظيم نفوذها ووزنها مع الدول الغربية وفي الشرق الأوسط، لذا طرحت نفسها كحلقة وصل بين إسرائيل والدول العربية، وإنما بعد السلام المصري والأردني، وعندما فقدت هذا الدور، طرحت نفسها كدولة إسلامية معتدلة بزعامة اردوغان كحلقة تفاهم بين العالم والإسلام السياسي، لأنها لا تستطيع ادعاء الانتماء للعالم العربي، ونجحوا في الترويج لهذه المعادلة، إلى أن تصدت مصر لتنظيم الإخوان المسلمين، أقوى مؤسسات التيار السياسي الإسلامي، فجاءت الطامة الكبرى وانهار المشروع التركي ولا أتوقع تحسن كبير في العلاقات السياسية بين البلدين خلال الأعوام الثماني القادمة، وهي مدة ولاية الرئيس التركي والمصري، وإنما من الواضح أن تمسك البلدين بالعلاقات الاقتصادية لما تحققه من مصالح مشتركة.
- أين نحن من القضية المنسية عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية؟
هناك محاولة الآن لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي الداعم للحل السلمي للنزاع، يسعى من خلاله الجانب الفلسطيني للحصول على اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية وتاريخ محدد - كوسيلة ضغط على إسرائيل – لإنهاء الاحتلال، ويميل الجانب الأوروبي والأمريكي للتركيز على أسس حل النزاع، وإنما أرجو ألا ينتهي الأمر إلى تمييع المواقف من أجل التوصل لقرار توافقي على حساب أسس الحل، وأهمها إقامة الدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 ووفقاً للشرعية الدولية، فالقبول بتنازل مثل هذا أخطر بكثير من تعرض القرار للفيتو، لأنه يقوّض أهم أسس عملية السلاح.
لا داعي للف والدوران، الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مؤمنة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، حتى مع تعديل بسيط في الحدود من خلال تبادل الأراضي، فرئيس الوزراء نتنياهو شخصيا لا يؤمن بذلك، وكان بإمكانه تشكيل ائتلاف حزبي يسمح بطرح مواقف جادة على الجانب الفلسطيني، وإنما فضّل أن يعتمد على اليمين الإسرائيلي المتشدد، وأخيرا دعا لانتخابات برلمانية مبكرة على أمل تعزيز موقفه اليميني.
ولا مجال لإحراز تقدم إلا إذا عادت إسرائيل مستقبلا بجدية لعملية السلام من خلال ائتلاف حكومي مختلف، وإلى أن يتحقق ذلك على العرب التحرك وفقا لثلاثة محاور، الأول تصعيد الإجراءات السياسية ضد الممارسات الإسرائيلية بالأراضي المحتلة وخاصة الاستيطان وحماية المدنيين، على غرار الإجراءات الأوروبية بالنسبة للبضائع المصدرة من المستوطنات، والثاني مواصلة النشاط السياسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية على أساس أراضي1967، فهذا يخلق زخم سياسي له تأثيره على المدى الطويل، والثالث لإعداد الترويج للمبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت كأساس للحل إذا وجدت حكومة إسرائيلية جادة في السعي للتدخل إلى سلام عربي إسرائيلي شامل.
ويخطئ من يتصور إن القضية الوطنية ستموت بالتقادم، أو نتيجة انشغالنا بقضايا أخرى أكثر سخونة، سيظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية قنبلة موقوتة تحت الرمال قابل الانفجار في أية لحظة ودون سابق إنذار.
- والد سيادتك إسماعيل فهمي استقال نتيجة زيارة السادات للقدس.. هل ظل على موقفه تجاه عملية السلام بعد تطورها خلال الثمانينات والتسعينات؟ وهل كنت توافقه في ذلك الموقف؟
كان الوالد مؤيداً للسلام الشامل المصري الإسرائيلي، وسعى لتحقيق ذلك، وإنما اعتراضه انصب على خطوة محددة وهي زيارة القدس، ومن بعدها مضمون اتفاقية السلام، والتي رآها ستشق الصف العربي، وستصعب من تحقيق السلام الشامل، ولها انعكاس سلبي على الأمن القومي المصري، واعتقد أن تعثر عملية السلام وتوتر الأوضاع في سوريا وليبيا وسيناء دليل قاطع أن الأمن القومي المصري مرتبط بأمن واستقرار العالم العربي والعكس، وهنا كان الاختلاف بينه وبين الرئيس السادات الله يرحمهما، ولم يغير الوالد رأيه أو موقفه بهذا الموضوع، ومع هذا ظل الاحترام المتبادل بينهما إلى أن اغتيل الرئيس السادات.
كنت دبلوماسي شاب حينذاك، ولم أكن صاحب قرار أو نفوذ ملموس، وتوليت الوزارة بعد ثلاثة عقود وبعد أن أصبح اتفاق السلام واقع بالفعل، ومع هذا، حتى لا تتصور أنني أهرب من السؤال، فرأيي مثل موقف الوالد، هو تأييد السلام الشامل، إنما متحفظ على زيارة القدس وتداعياتها، ويهمني التنويه أن الداعين إلى خيار مصر أولاً، يغفلون أن مصر دائما أولاً، وإنما لا يمكن أن تكون مصر أولاً و أخيراً دون العرب أو العرب دون مصر.
- الوزير إسماعيل فهمي قال في كتابه "التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط: رؤية عربية" أن معاهدة السلام التي وقعها السادات وضعت شروطا قاسية على مدى تحرك الجيش المصري وقواته في سيناء.. هل ترى أن الأحداث الأخيرة في سيناء تعزز ما قاله الوزير؟
يضع البروتوكول الأمني الملحق باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية حدود قاسية بالفعل على شكل التواجد العسكري المصري بسيناء إلا بموافقة مسبقة وصريحة من قبل إسرائيل، وإنما غضت إسرائيل النظر عن زيادة التواجد العسكري المصري بسيناء خلال الأعوام الثلاثة الماضية لأن نجاح مصر في ضبط الأمن ومواجهة الإرهاب في سيناء يحقق مصلحة إسرائيلية في نفس الوقت الذي يخدم المصلحة المصرية، على العموم، في ضوء أن علاقة السلام فيما بيننا استمرت لزمن طويل، أدعو مستقبلاً عندما تهدأ الأمور إلى مراجعة الاتفاقية العسكرية الأمنية بشكل موضوعي وهادئ، لضبط الأمن وفقاً للمستجدات الأخيرة، وبحيث لا يكون تواجدنا مرهوناً بموافقة إسرائيل أو مبرر لخلافات مستقبلية بيننا.
- ارتفعت الأصوات المصرية المنددة بقطر لعدائها السافر ضد ثورة 30 يونيو وتمويلها أو تحصينها لمعارضيها، فماذا كان موقفك، وهل تتوقع التزام قطر بقرارات مجلس التعاون الخليجي وتغير سياساتها تجاه مصر؟
قطر، مثل تركيا، اعتبرت الإسلام السياسي أداة لإظهار نفوذها والرفع من قيمتها وأهميتها إقليميا ودولياً، حتى أن الأمر دفعنا للتساؤل عن موقع قطر بالعالم العربي، وتلى ذلك سحب ثلاثة دول عربية سفرائهم من قطر، وهي خطوة سبقتهم فيها مصر، وأن كانت قد استجابت لرجاء عربي بعدم الإعلان الرسمي عن ذلك لإعطاء الفرصة لوساطات عربية، والآن بعد اجتماعات مجلس التعاون الخليجي أعادت الدول الخليجية الثلاثة سفراؤها نظرها لقطر، ولازالت مصر محتفظة بسفيرها بالقاهرة لتتابع تنفيذ قطر لما تعهدت به.
آمل أن تلتزم قطر بما تم الاتفاق عليه، وتردد أن وقف إرسال الجزيرة مباشر من مصر جزء من ذلك، أرجو أن تتخذ إجراءات كافية ومستقرة، وأن يعاد الوفاق العربي، فنحن في النهاية عائلة عربية، ومصالحنا المشتركة مهما اختلفنا اكبر مما نختلف حوله، لذلك داومنا على ترك شعرة معاوية رغم ضخامة التجاوزات، ولن استغرب حدوث تحول تدريجي في الموقف القطري تجاه مصر، وإنما بمعدلات بطيئة وغير مستقرة، فالمسألة تحتاج لمتابعة دقيقة دون مبالغة أو تهويناً أو التسرع فى الحكم على الأحداث بالفشل أو النجاح.
- كلامك يعكس قلق بالغ و تقدير خطير للأوضاع العربية؟
العالم العربي يتفكك ويقف على حافة الهاوية، بضغط على محورين في آنٍ واحد، أولهما مؤيدي إقامة دول متحضرة معاصرة على هوية وطنية، وآخرين رافضين لفكرة الهوية الوطنية وكذلك التحضر، ورغم خطابهم الديني فهم من أكبر من يسيئون للدين وينبذون الدولة، وهناك كذلك مواطنين عرب اغلبهم في المشرق من أصول عرقية مختلفة يندفعون الآن نحو إبراز هويتهم العرقية حمايةً لأنفسهم من الاضطراب العربي أو استغلالاً للفرص المتاحة من الاضطراب العربي.
وبطبيعة الحال هناك قوة إقليمية تستغل تلك الأوضاع بالدفع أيضاً لانقسامات مذهبية دينية، سعياً لتحقيق مصالح وطنية.
وإذ كانت ثورتي 25 يناير و30 يونيو صحوتين ضد الفساد والركود من ناحية وحماية لهوية الدولة المصرية من ناحية أخرى، فهما أيضا إعلان صريح بأن مصر وحدها المؤهلة والتي تحظى بتأييد عربي لقياده العالم العربي إلى بر الأمان في القرن ال 21.
- ولماذا نحن؟ هل هي مؤامرة دولية أو إقليمية؟
هناك أسباب كثيرة، وإنما اعتقد من أهمها اعتماد الدول العربية المبالغ فيه على الغير منذ الحرب العالمية الأولى، وعدم تطوير نظم الحكم في أغلبها لتحقيق استقرار مجتمعي على المستويين السياسي والاقتصادي خلق مصادر قلق واضطراب وإحباط داخل دولنا، وذلك بصرف النظر عن أن حرب أفغانستان والدفع بالتيار الإسلامي العربي بها ضد الاتحاد السوفيتي، وكذلك السياسة الأمريكية بالعراق، وتركيزها على الجانب العرقي، وإعلان إقامة دولة إسلامية في إيران، واستفادة إسرائيل وتركيا من التشرذم العربي، كل ذلك كان له تأثير مباشر فيما نشهده من تطورات، وإنما العالم العربي يتحمل الآن مسئولية كبيرة في خلق المناخ الذي تحظى فيه تلك التيارات الهدامة بتأييد مواطنين عرب أو من أصول غير عربية، وإنما متواجدين فيما بيننا بالعالم العربي منذ زمن طويل.
والعالم العربي تائه بلا رؤية للمستقبل، ولخطورة الموقف أدعو الدول العربية وعلى رأسها مصر إلى عقد قمة عربية مفتوحة لمن يريد المشاركة على هذا المستوى للتشاور حول أمرين، أولهما كيفية حماية الهوية العربية، وثانيها كيفية استيعاب الهوية غير العربية أو المختلفة داخل كل دولة تحت مظلة وحدوية وطنية عربية، ويمكن لمصر بعد أن تتولى رئاسة قمة الجامعة العربية في مارس المقبل الاستفادة مما يتفق عليه لوضع خطة عمل عربية شاملة. واشدد على ان مصر هي قلب و عقل العالم العربي، ومستقبله بين يديها، وعليها طرح رؤية المشروع تشكيل الدول العربية المتحضرة والمنطقة العربية المستقرة.
- بعد الزيارات المتبادلة مع المسئولين الأمريكيين والروس، هل سنشهد تحسن بالعلاقة المصرية الأمريكية، وانطلاقة مع روسيا؟ وهل تستطيع مصر أن توازن بين القطبين كما فعلت في الستينيات؟
هدفنا يجب أن يكون الإدارة الجيدة لعلاقاتنا بدول عديدة ضماناً لتعدد خياراتنا، والتحرك وفقاً لرؤية إستراتيجية، حيث لا نضار من الدولة الأكبر أو الأكثر نفوذاً أو الأغنى، وإنما نستفيد في مختلف علاقاتنا، مقدرين أن هذه الدول أو غيرها لها أيضاً مصالح يجب أخذها في الاعتبار، وبوضع خطة محكمة كي لا تؤثر على مصالحنا إذا تعارضت أو تباينت المواقف.
بالنسبة للولايات المتحدة، فالمدة المتبقية للرئيس أوباما عامين، وإنما العلاقات المصرية الأمريكية ستمتد إلى ما بعد ذلك وكل منا سيحتاج للأخر خلال الأعوام القادمة، وهو ما انتهت إليه اجتماعات السيسى وأوباما أخيراً، بعد أن كانت العلاقة قد وصلت لمرحلة صعبة للغاية في أعقاب ثورة 30 يونيو، كما من الطبيعي أن تتحسن لمواجهة الجماعات الإرهابية، وبالتحديد داعش، ومع تقدمنا في إحراز خارطة الطريق، وإقامة انتخابات برلمانية، فيما يرفع الحرج والحجج. وستدفع مصر بذلك أيضا أتوقع تحسناً تدريجياً وبطيئاً خلال العامين القادمين، إنما لن تعود العلاقة المصرية الأمريكية إلى ما كانت عليه على المدى القصير، فالشرخ الذي تم يحتاج إلى لحام قوي و فترة ليلتئم.. ولعل مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية محورين يمكن الانطلاق منهما في الطريق الصحيح.
أما بالنسبة لروسيا، فلا شك أن هناك تطور في العلاقة وانفتاح من الجانبين، وهناك تحرك ومواقف روسية دولية وشرق أوسطية متاحة فيما يتعلق بسوريا تعكس رغبة فى استعادة قدرتها على التأثر على الأحداث وهذا يساعد على ضمان حرية الحركة المصرية بتعدد خياراتنا، إنما يخطئ من يتصور أننا سنعود إلى مرحلة نهاية الستينيات، وأرجو ألا يتم ذلك لأنها لم تكن في المصلحة المصرية ولا تفكر روسيا بهذا الأسلوب الآن، بل أثق ان هذا لن يكون، فالعالم تغير والإمكانيات اختلفت، والمنظور المادي قصير الأجل يغلب على الأيديولوجيات والاستراتيجيات الإمكانيات الروسية أقل بكثير من الأمريكية أو الغربية مع هذا، أرى نمو إيجابي و متصل في العلاقات السياسية المصرية الروسية، وكذلك على الجانب الاقتصادي على أساس تجاري، ويجب عدم إغفال الإمكانيات المتاحة للتعاون العسكري، وسيحكم هذه العلاقة محاربة الإرهاب، وضمان الاستقرار،  وتشكيل النظام الدولي الجديد لا يهيمن عليه فقط العالم الغربي.
- عدت منذ أيام قليلة من جولة أسيوية للصين والهند، فهل كان ذلك متصلاً بزيارة الرئيس السيسي للصين، وماذا تتوقع من الزيارة؟
بدأ اهتمامي بالصين والهند من دراسة علاقة الزعيم جمال عبد الناصر بشوان لاى ونهرو خلال الحرب الباردة، وبروز حركة عدم الانحياز، وتابعت أسيا عن قرب عندما كنت سفيراً لمصر في اليابان، وهي قارة مليئة بالمخاطر، شهدت ولادة دولتين نوويتين بنهاية القرن الماضي، والعديد من النزاعات السياسية، في نفس الوقت القارة الأسيوية هي أيضاً قصة نجاح اقتصادي باهر، فأكبر اقتصاد بالعالم الآن هو الصين، و64% من الطبقة الوسطى بالعالم ستسكن آسيا خلال العقد القادم، ثقل سياسي وفرص التعاون واسعة،  لذا زرت الدولتين وغيرهما خلال عملي كوزير خارجية العام الماضي، وزرعنا بذور علاقة مصرية أسيوية متجددة معهما.
من هذه المنطلقات، شاركت أخيراً في ندوة عن العلاقات الخارجية المصرية والهندية بالهند، ودُعيت للحضور إلى بكين مع 10 شخصيات عالمية كبرى، لاستعراض قضايا الأمن القومي على المستويين الدولي، أو في المناطق التي ينتمي إليها كلُ منا، وكذلك للاستماع إلى اهتمامات الصين الإقليمية والدولية، وتصوراتها لدورها مستقبلاً.
وفي البلدين، وجدت قلق شديد من عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، ومن انتشار الإرهاب بالمنطقة، وتطلع صادق لنجاح واستقرار مصر، لثقلها على المستويين الإقليمي والدولي، واعتقد أن زيارة الرئيس السيسي للصين وتبادل الزيارات الرئاسية في الربيع القادم، توفر فرصة جيدة لحوار سياسي جاد عن الوضع الدولي والترتيبات الإقليمية لدينا ولديهم، وجار الإعداد للتوقيع على مذكرات تعاون استراتيجي ومذكرات تعاون اقتصادي، وهذا جيد وإنما ليس كافياً، فهناك فرصة لرفع مستوى التعاون الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الصينية، اذا طرحنا مشروعات محددة، وكانت الدراسات بشأنها مكتملة، وعلينا سرعة الانتقال من مرحلة حسن النوايا إلى إجراءات ملموسة لإجراء حوار جاد حول الدور السياسي الصيني القادم، وحول كيفية الانتقال اقتصادياً من مرحلة النوايا الحسنة إلى مرحلة تنفيذ المشروعات.
- أريد الانتقال إلى ولايتك كوزير من بعد 30 يونيو حتى صيف هذا العام. رفضت منصب وزير الخارجية أكثر من مرة .. لماذا قبلته بعد ذلك في 2013؟
استجبت لنداء الواجب من وطن في مرحلة حرجة فارقة، فكيف ارفض، رغم علمي بكل الصعاب والتحديات التي كانت ولازالت أمامنا حتى نستعيد عافيتنا بالكامل، سيُنظر إلى ثورتي 25 يناير و30 يونيو كنقاط فارقة في التاريخ المصري مستقبلاً، ثورتين وإصرار شعبي على ضمان المشاركة في تحديد مستقبله بما في ذلك في إدارة الحكم، ورفض التعامل معه كرعاة، والتصدي الجامع لمحاولات لتغيير الهوية المصرية بطبيعتها الوسطية الجامعة لمختلف الاتجاهات السياسية والآراء بين المواطنين تحت مظلة المواطنة المصرية، من هذا المنطلق و بصرف النظر عن المشاكل الجمة التي كانت واضحة للجميع.
- ماذا كان منهجك كوزير بالخارجية في العمل، خاصةً أمام هذه التحديات الجسام؟
كان المجتمع المصري في حاله ثورية، وكان علينا تمثيله وهو يبحث عن استقراره وفى ظل هجمة خارجية شرسة على مصر، فُرضت علينا من بعض الدول مثل تركيا وغيرها، وظل عدد غير قليل من الدول متردداً وحائراً في مواقفه، في نقاش فارغ حول طبيعة أحداث 30 يونيو، غير مقدرة أن المخاطر الاستثنائية على مصر من سياسات الإخوان وتصرفاتهم فرضت رد فعل شعبي ومؤسسي استثنائي هائل.
كان علينا بالخارجية التصدي لهذه الهجمة بالسعي لإقناع المجتمع الدولي بقبول الخيارات المصرية، وهو ما ركزنا عليه في الشهور الثلاثة الأولى، ونجحنا في إفشال كل المحاولات السياسية لتدويل الحالة المصرية في عدة منظمات منها مجلس الأمن، ونحن نضع في نفس الوقت أسس السياسة المصرية الخارجية الجديدة، والمبنية على 3 مبادئ رئيسية، وهي: العودة إلى جذورنا الإقليمية، وضمان تنوع علاقاتنا وتعدد خياراتنا الخارجية حفاظاً على استقلالنا، وممارسة سياسة خارجية ايجابية بطرح أفكار ومبادرات على المستويين الإقليمي والدولي، إلى أن انتقلنا مع نهاية خريف وبداية شتاء 2013 إلى المبادرة، وطرح مواقف حول قضايا مختلفة، وبدأنا جني ثمار كل ذلك مع ربيع 2014، والعودة للاتحاد الأفريقي، وتنشيط العلاقات مع روسيا وآسيا والعالم العربي، فضلاً عن العلاقة مع عدد من الدول الأوروبية مثل اليونان التي كانت رئيسة الاتحاد، وقبرص بكل ما يحمله ذلك من رسائل سياسية وكذلك ايطاليا، الرئيسة الحالية للاتحاد الأوروبي، كلها خطوات مدروسة وانجازات سيظل لها انعكاساتها الايجابية على مواقف الخارجية لأعوام قادمة.
- وماذا عن فشل هيئة الاستعلامات، واستمرار الهجوم الشديد في مصر على الصحافة الغربية تحديداً؟ وهل الفشل الإعلامي المصري يؤثر على العمل الدبلوماسي؟
المسألة أكبر من تأثير الإعلام على الدبلوماسي من عدمه، والمشكلة تكمن في غياب ثقافة الشفافية والمحاسبة بين السلطة والمواطنين، فرغم وجود عدد من الصحفيين والإعلاميين المخضرمين المميزين، ومؤشرات لنبوغ بعض الشباب أيضاً مستقبلاً، فالرسالة الإعلامية المصرية غائبة، وللأسف نسبة كبيرة من الأعلام المصري دون المستوى، ولا يلتزم في أغلب الأحيان بالمهنية المطلوبة، لا يعني ذلك ألا يكون للإعلامي أو الصحفيّ رأياً، بل بالعكس، وإنما عليهم أولاً التدقيق في المعلومة ونقلها بشكل سليم.

ولوضع الأمور في نصابها الصحيح يجب الاعتراف أن حالة هيئة الاستعلامات هي من أعراض سوء تعامل السلطة مع الإعلام، وعدم احترامها لعقل المواطن على مدى عقود طويلة، فالمسئولية الرئيسية عن فشلنا الإعلامي تتجاوز الهيئة، بل تتجاوز الإعلام ذاته، وتقع في المقام الأول على منظومة السلطة في مصر على مدى أكثر من خمسين عاماً، في الخمسينات ورثنا قاعدة صحفية ثرية بالإعلاميين والصحفيين والصحف، حولها النظام إلى أجهزة إعلامية مملوكة للدولة، فسحب منها روح المنافسة والتحقيق الجريء، فتآكل الإعلام المصري رغم وجود شخصيات إعلامية بارزة وفريدة.
ومع عدم قدرة السلطة تحمل تمويل مؤسسات إعلامية ضخمة انتشرت الصحف العربية الجيدة والصفراوية، خاصةً الصادرة خارج بلادها، لتملأ الفراغ الإعلامي المصري، وتجذب كثير من شباب إعلاميين بعيدين عن المهنية، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على الساحة الإعلامية المصرية والعربية.
ثم فشلت منظومة السلطة المصرية في التعامل مع ظهور الفضائيات العربية والدولية والخاصة، وتأخرنا في المنافسة بالساحة الإعلامية الفضائية لقلة الإمكانيات، ولعدم توفيرها لمعلومات مفيدة أو جاذبة للرأي العام من خلال المؤسسات الإعلامية القومية.
وآخر الإخفاقات كانت مع ظهور الفضائيات الخاصة والغوغائية، فبدلاً من أن تعيد السلطة النظر في تعاملها الإعلامي وتقومه، وتعزز أجهزتها بمعلومات مفيدة، تركت المؤسسات الإعلامية القومية والحكومية وأصبحت تنقل رسالاتها من خلال الفضائيات الخاصة، وأخيراً لجأت إلى جعل بعضها أداة من أدوات السلطة، ففقدت تلك الفضائيات مصداقيتها أيضا، وفشلت في نقل رسالتنا الإعلامية، والكل خاسر من سوء التقدير، إلا مروجي الإشاعات وأصحاب المهاترات ونجوم المكروفونات.
هذا جد خطير، وأطالب كل من في يده السلطة في مصر احترام العقل المصري، بالتعامل الصادق، والشفافية في توفير معلومات ثرية وصحيحة للرأى العام وللإعلام وهو على سبيل المثال ما دفعني أن اقترح خلال وزارة د.حازم الببلاوي تشكيل لجنة تقصى حقائق المصرية لأحداث ما بعد 30 يونيو، خاصة وأن طرح تقريرنا أفضل من الرد على اتهامات الغير، وبهذه المناسبة أدعو الإعلاميين والصحفيين المصريين إلى تقدير خطورة مهاتراتهم، وعدم مهنيتهم على المناخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المصري، بل وعلى عقول وأخلاق شبابنا وأطفالنا.
- ماذا كان شعورك حينما عادت مصر للاتحاد الأفريقي نتيجة جهود الخارجية وأنت على رأسها في ذات اليوم الذي خرجت فيه من الوزارة؟
بُذل جهد كبير لتحقيق ذلك وغيره من الإنجازات لذا سعدت كثيراً، ويسرني دائماً أي انجاز يتحقق لمصر سواء ارتبط بالجهد الذي بذلته والسياسات التي وضعتها أم لا، فهدفي كان، وسيكون دائماً حماية المصالح المصرية وازدهار وطننا العظيم.
- وهل كان ترشيح مصر لمجلس الأمن مبادرة منك أيضاً؟ وما هي توقعاتك لاحتمالات فوز مصر لهذا المنصب؟
لا، الرغبة في الترشح لعضوية مجلس الأمن لعام 2016-2017 جاءت حتى قبل أن اُعيَن وزيراً للخارجية، وهذا دليل على تواصل عمل مؤسسة الخارجية العريقة، وحصولنا على المقعد مضمون ومحسوم عملياً، لأن المقعد الذي نتنافس عليه مخصص للدول العربية، ويتم تداوله كل عامين بين العربية الأسيوية والأفريقية.والمقعد مخصص لشمال إفريقيا لعاميّ 2016-2017 ولا توجد منافسة حوله ومحسوم لنا ولا غبار في ذلك.

- وبعد أن توليت المنصب الوزاري عاماً، هل شعرت أن وزارة الخارجية بحجم التحدي؟ و هل تم استيعاب و إدراج الشباب في العمل الدبلوماسي وفقاً لأهداف الثورة؟
لديّ ثقة كاملة في قدرات وزارة الخارجية المصرية، و اعتزازي بالانتماء إليها سنين طويلة كدبلوماسي قبل أن أكون وزيراً، مع هذا، فطالما أن العالم يشهد تطورات جذرية فعلينا تطوير هذا الجهاز دائماً ليظل من ضمن أكفأ وزارات الخارجية بالعالم.
من الأمور التي أثارت اهتمامي هي ضرورة إدارة العلاقات مع الدول المجاورة لمصر بشكل أكفأ و أكثر سرعة، فخلقت منصب مساعد وزير لدول الجوار ليشرف على هذه العلاقات.
لقناعتي أن التكنولوجيا ذاتها غيرت من معنى القوة العسكرية، الاقتصادية فسمحت بامتداد الذراع العسكري للدول عبر المحيطات و إلى الفضاء، و ضاعفت من تأثير القوة الناعمة عالمياً حيث سمحت للدول التنافس على عقول شعوب الدول المختلفة شكلت وحدة خاصة تركز على التكنولوجيا و تطورها.
ولاهتمامي بالتخطيط المستقبلي شكلت مجموعة لجان عمل خاصة من أعضاء الوزارة و خبراء من خارجها لا عداد دراسات و وضع تصورات لما ستتعرض له مصر مستقبلاً، و المواقف المصرية المطلوبة إزائها.
أما عتابك عن الشباب فأعترف انه في محله إلى حد ما، فلقد بدأنا بلورة مواقف أفضل لضمان حقوق الشباب و الاستفادة منهم، و بدأنا نظاماً يضمن الشفافية في كافة التعيينات و التنقلات بالإعلان عن المناصب ليترشح لها الشباب، وضمهم لاجتماعات سياسة هامة حول موضوعات سياسية مثل العراق و سوريا، و تم تشكيل للوفود المرافقة لي في جولات خارجية، و إنما لم يسعفني الوقت لاتخاذ إجراءات إضافية في هذا الصدد.
- هل شعرت بتحفز ضدك بعد واقعة حوارك الإذاعي في أمريكا؟
الحوار الإذاعي نقل للجانب الأمريكي رسالة واضحة أن علاقتنا ممتدة بصرف النظر عن ما ذكرته من وجود اختلافات أو خلافات بين الحين والآخر.
مشاغلي لم تجعلني أفكر في نظرية وجود تحفز ضدي حينذاك، ولست مشغولاً بها الآن، فالمرحلة كانت بالغة الخطورة والحساسية لمصر، ركز فيها أي شخصية أو مؤسسة وطنية على حماية المصالح المصرية، ومن اهتم بغير ذلك كان يخون الأمانة التي حملناها جميعاً.
- عملت من قبل مع الدكتور محمد البرادعي وكنت عضوا في حزبه الدستور.. ما رأيك في موقفه بعد فض الاعتصام وهل تحدثت معه منذ ذلك الوقت..وماذا تقول للمشككين في نوايا البرادعي ووطنيته؟
علاقتي بالدكتور البرادعي علاقة صداقة امتدت ما يقرب من 40 سنة وستستمر.
كل مواطن مصري حر في رأيه، والذي يشكل وفقاً لمعتقداته وتقديراته، وعلى من يعمل في الساحة السياسية من شخصيات عامة تحمّل النقد، بما في ذلك ما قد لا يكون في محله، أو به بعض التجاوزات، وإنما ما أرفضه وبشدة ما نشهده في الساحة المصرية من تكفير وتخوين لكل من نختلف معهم، كان ذلك للدكتور البرادعي أو غيره، علماً أنني لا أشك في وطينته.
 - هل ستعود إلى حزب الدستور وتواصل العمل العام؟
جمدت علاقتي بحزب الدستور فور تكليفي بالوزارة، حيث لم أرى ملائماً أن ينتمي وزير الخارجية إلى حزب بعينه، ثم استقلت من الحزب كليةً في نوفمبر 2013، أي في منتصف العام الذي شغلته في الحكومة.
أتمنى للمنظومة الحزبية المصرية النضوج وكل توفيق، بما يخدم مصر ويخلق ساحة سياسية نشطة وثرية، وإنما لا أعتزم العودة إلى حزب الدستور أو الانضمام لأي حزب، علماً أنه قد طُلب مني الانضمام إلى أحزاب، وكذلك الموافقة على إدراج اسمي على القائمة الانتخابية لأحد الأحزاب في الانتخابات البرلمانية القادمة، واعتذرت لعزوفي عن العودة إلى النشاط الحزبي، ونيتي مواصلة المشاركة في بناء هذا البلد باستقلالية، لأعبر عن رأيي وأمارس في المحافل المختلفة حراً من أي قيود حزبية.
- وختاماً سؤال شخصي، لا توجد حالة مصرية تولى فيها وزير ثم نجله منصب وزير الخارجية، فهل لك تعليق على هذه التجربة؟ هل سهلت مسيرتك أم صعبتها؟
والدي كان ابن من أبناء وزارة الخارجية قبل أن يكون وزيراً، ومن ثم فكانت له صداقات كثيرة قبل أن يستقيل بعد عامين من التحاقي بالوزارة، عندما كنت في أول السلم الوظيفي، وسعيت لإثبات نفسي بشكل قاطع، حتى لا يفسر البعض تدرجي الوظيفي على أنه نتيجة خدمة أو واسطة، وهو ما كان سيرفضه والدي تماماً، وإذ كنت لم أقبل وسطة أو استثناء من أحد فأشهد للوزارة أيضا أنني لم أتعرض لمضايقات نتيجة للموقف السياسي الذي اتخذه الوالد.
ورغم أنني توليت منصب وزير الخارجية بعد 35 عاماً من استقالة الوالد، سعيت دائما لاحترام نصيحته لي بأن أعيش حياتي وتجربتي، وأن احتكم إلى ضميري وأثق في قراراتي، وأغلّب مصلحة الوطن على أية اعتبارات شخصية. هذا كان توجيهه لي، والتزمت به حيث كان مثلاً أعلى كأب و كسياسي مصري صاحب وطنية جارفة.

اخر الأخبار