التالي..بعد 'خطاب التغريبة'

تابعنا على:   19:26 2014-12-20

كتب حسن عصفور/ أحسن الرئيس محمود عباس صنعا برسم صورة سياسية مختلفة عن تلك التي سادت طويلا 'المشهد العام' الذي التصق به منذ أن استلم رئاسة الفلسطينية في مواقعها الثلاثة، فكان الخطاب الأخير حالة تمرد ليس على الطغيان الأميركي – الإسرائيلي فحسب، بل على الواقع الذي التصق به طويلا وكأنه لا يحسن فعلا مع العدو السياسي والوطني سوى 'الحمائمية'، ومن هنا تبدأ الصدمة الأمريكية وتحالفها، مضافا لها ذلك 'النص السياسي المتمرد' على المنهج السائد في التعامل مع الواقع السياسي، وليس التذكير بأصل القضية في الخطاب حالة عفوية، بل هو تصويب لما أراده البعض للقفز عن جوهر الصراع، حاول البعض أن يستغل العملية السياسية التي فقدت معناها الحقيقي لحظة انطلاق الطائرات الحربية الإسرائيلية لتقصف بنى السلطة الوطنية ومؤسساتها قبل أن تكمل حربها بتصفية زعيم الحركة الوطنية المعاصرة الخالد ياسر عرفات، ولذا فالتذكير بالأصل قضية ليست عابرة في الأحداث الدائرة، وقد تكون هي الرسالة الأهم التي أعطت للخطاب قيمة سياسية مختلفة، كونها المرة الأولى التي تأتي القيادة الفلسطينية الحالية على التذكير بالتنازلات التاريخية التي قدمها الشعب الفلسطيني من أجل  السلام والوصول إلى تسوية عادلة.. وهي المسألة التي تجاهلتها الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية بل وبعض أهل فلسطين، وكأن القضية تنحصر فيما بعد اتفاق إعلان المبادئ، ما استغلته حكومات الدولة الفاشية الاحتلالية ..

 ولذا كان التذكير بها ردا مباشرا وصريحا على مجمل الخداع والكذب والتضليل الذي ساقه الرئيس أوباما في افتتاح الجمعية العامة، عندما أشار إلى عدم اللجوء للطرق المختصرة، ما يشير إلى أنه تجاهل كليا عمر النكبة، بل إنه لم يقف عند هذا فحسب بل تحدث عن 'معاناة اليهود' وتجاهل كل التجاهل النكبة التاريخية التي حلت بشعب فلسطين، ولذا كانت الفقرة الأهم في الخطاب التحدي، كما بات يوصف، هي ما جاء من ذكر عن النكبة واقتلاع الشعب واغتصاب الأرض الفلسطينية والاعتراف الصريح أمام العالم لأول مرة في خطاب رسمي بالتنازل التاريخي الفلسطيني والقبول بما نسبته 22% من فلسطين التاريخية لتكون دولة للشعب الفلسطيني ولكنهم يرفضونها أيضا..والقيمة هنا كونها داخل أكبر وأهم محفل عالمي وخطاب انتظره العالم بأسره ما يعني أن سماعه اكتسب بعدا مضافا في أهميته المكتسبة، ولذا سيكون له ما بعده من تفاعل متعدد الأوجه، وليس مقصورا على بند طلب العضوية في الأمم المتحدة، بل هو سرد سياسي – عاطفي للتغريبة الفلسطينية المعاصرة..

ولكون الخطاب يحمل قيمة تاريخية بنصه، باتت المسؤولية مضاعفة أمام القيادة الفلسطينية في المستقبل كي لا يتم التحايل على القيمة التاريخية التي جاءت في الخطاب الرئاسي، وساذج من يعتقد أن واشنطن وتحالفها المتنوع غربيا وبعض أهل الدار أيضا سترفع الراية البيضاء وتقبل بهزيمة قد تكون الأهم سياسيا لها بعد ''اللطمة العرفاتية'' في كمب ديفيد عام 2000 يوم أن تمكن من إفشال الكمين الذي تم وضعه من قبل فريق صهيوني، وعليه فالمعركة عمليا ستبدأ من الغد مع ''محور الشر'' المناهض للدولة وعضويتها في الأمم المتحدة ، ما يفرض قراءة توازي ما نص عليه الخطاب من تحد ومقاومة وروح كفاحية لمؤامرة تحاك الآن في 'المطبخ الأمريكي' وبمساعدة من الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير كي يتم 'إسقاط الخطاب ومضمونه' بطرق مبتكرة، وهو ما بدأ يتضح من سرعة إصدار بيان 'اللجنة الرباعية' من أجل العودة للمفاوضات بعد شهر من الآن، على أن تنتهي بعد عام من بدايتها، دون أي إشارة للموقف الفلسطيني من الاستيطان والحدود، بيان جاء ليكسر الهيبة السياسية التي فرضها خطاب عباس في الأمم المتحدة، وكأنه يعيد الذاكرة للبيان الأميركي بعد انتهاء قمة كمب ديفيد الثانية ببيان ألقى مسؤولية فشل القمة على الشهيد الخالد أبو عمار،  بيان الرباعية السريع جدا ولحظات بعد الانتهاء من الخطاب والتفاعل الدولي بما ورد به من جديد الموقف لم ينته بعد، أصدرت واشنطن بيانها تحت مسمى 'اللجنة الرباعية' لتضع الطرف الفلسطيني أمام ضغط ما، فالرفض السريع له سيمنح واشنطن وتل أبيب فرصة إدارة دفة المعركة من الخطاب إلى رفض البيان، وستبدأ الآلة الإعلامية الطاغية بفتح كل ما لها ضد 'الفلسطيني'، ولذا سارعت تل أبيب بالموافقة على البيان.. لعبة ''حقيرة'' لن تمر على من ألقى خطاب التحدي، ولن ينخدع بها، خاصة أنها لعبة تكررت بأشكال متعددة في أزمان سابقة، ومدة العام هذه بدأت منذ أواخر عهد الرئيس الأمريكي بيل كليتون، مرورا ببوش الابن إلى أن وصلت إلى الرئيس الأمريكي الحالي أوباما، بل إنه كررها أكثر من مرة وآخرها في خطابه يوم 19 مايو – آيار وحدد فيه بعض الأسس للتسوية، سميت ''مبادئ أوباما''، سارع العرب بقبولها فيما رفضتها إسرائيل واعتبرتها تشكل تهديدا لأمنها، موقف لم يمض عليه أشهر، وللغرابة التاريخية لم تتمكن 'الرباعية الدولية' أن تضع تلك المبادئ الأمريكية في بيان لها بعد رفض الطغمة الحاكمة في تل أبيب.. واليوم تعود لتصدر بيانا لا يضمن سوى تأييد للموقف الإسرائيلي..

المعركة على 'اليوم التالي' بدأت، والمخططات متوقعة وشبه معلومة لحصار الموقف الفلسطيني، تبدأ بمنع الوصول إلى مجلس الأمن من خلال عدم تحقيق الأغلبية المطلوبة بـ 9 أصوات كي يتم مناقشة الطلب الفلسطيني ( قضية إجرائية ما كان يجب تركها عربيا وفلسطينيا للحظة الأخيرة ولعلها أكثر الهفوات التي برزت في الموقف السياسي العرب)، أو بالمماطلة في النقاش بتمييعها زمنيا أطول فترة إلى أن تستجد أمور يعتقد البعض أنها قد تجبر الفلسطيني على التراجع، حيث يمكن لواشنطن وتحالفها استخدام الورقة المالية مع تشديد الحصار والخناق في الضفة الغربية طرقا مساعدة، تترافق معها حملة تصعيد عسكرية محسوبة دون أن تؤدي للانفجار الكبير، وتصعيد في مصادرة الأرض والحملة الاستيطانية، مع إيقاف مميزات تمنحها للقيادات السياسية  في السلطة والأحزاب، وتتشدد في إجراءت عقابية متعددة منها حركة السفر من وإلى الضفة الغربية، بمنع غالبية القيادات السياسية – الأمنية من التحرك في داخل الضفة أو إلى خارجها، وقد تلجأ في لحظة معينة إلى تقييد حركة الرئيس الفلسطيني نفسه كخطوة تصعيدية تعتقد بعض الأوساط الإسرائيلية أنها ستكون مؤثرة، قبل أن تصل إلى منعه الكامل من السفر كما فعلت سابقا مع الرئيس أبو عمار، وصولا إلى إمكانية حصاره بشكل ما داخل نطاق البيت والمقر.. وتمنع حركة الزيارات الرسمية إليه.. خطوات كثيرة في مخزن الجريمة الإسرائيلية، ما يستوجب فلسطينيا أن تنعقد القيادة الفلسطينية لدراسة كل 'الخيارات' الممكنة للرد على 'الخطوات المتوقعة' وهي خيارات موجودة في 'الدرج الفلسطيني' .. تبدأ بقرار حاسم حول المصالحة إما أن تكون أو ينتهي ملفها للتفرغ لما هو آت..

والخيارات التي سبق دراستها، تستند أساسا بأن لا تفاوض ولا مفاوضات سوى بما تم التأكيد وطنيا، بمرجعية تفاوضية دولية ملزمة، وأن يكون التفاوض من حيث انتهت مراحله السابقة، باتجاه الخلاص من الاحتلال مع وقف شامل وكلي للتهويد والاستيطان وليس وقفا محدودا زمنيا وجغرافيا، مع الانتقال إلى وضع قاعدة 'فك الارتباط' بالمرحلة الانتقالية بكل ما بها ووقف التنسيق الأمني القائم حاليا ودراسة السبل الكفيلة بما هو مختلف كليا، فلا يجوز البحث في عضوية الدولة وما زالت االمرحلة الانتقالية قائمة..

ومنها يمكن السير نحو توحيد الحالة الفلسطينية في كيان موحد يمزج مؤسسات السلطة الوطنية مع مؤسسات منظمة التحرير ليكون هناك إطار كياني موحد، وتبدأ معها تشكيل هيئة تأسيسية لتشكيل 'البرلمان الفلسطيني' على طريق الانتخابات العامة' للدولة تحت الاحتلال، وفلسطيني المهجر كافة.. وتبقى المقاومة الشعبية سلاحا ضروريا في أي من خيارات يمكن اللجوء إليها..

خطوات متعددة يمكن لها أن تكون ردا على ما هو قادم ..

 

ملاحظة: شهادة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينون بأن نتيناهو هو من عطل السلام يجب ألا تمر كخبر.. على الشرعية الفلسطينية استخدامها قدر المستطاع.. شهادة هي الأبلغ على الخطاب الأسوأ لأوباما..

 

تنويه خاص: يبدو أن 'شعبية' بعد الخطاب ستطيح بأمل زيارة قطاع غزة.. عقاب من نوع 'حمساوي'..

اخر الأخبار