إسرائيل ومرحلة 'الجبن السياسي'..

تابعنا على:   19:06 2014-12-20

كتب حسن عصفور/ لم تنته بعد 'مفاعيل عملية إيلات' العسكرية في الداخل الإسرائيلي، رغم ما يبدو من اتفاقات أوصلت إلى تفاهمات حول 'تهدئة' مع قطاع غزة، رغم وجود خروقات لن تنتهي من قبل دولة الاحتلال، فنتائج 'عملية إيلات' السياسية – الأمنية تفوق بأهميتها ما هو ظاهر على سطح المشهد السياسي، وبعيدا عن الرفض أو التأييد لتلك العملية، لكن ما نتج عنها وما سيكون لاحقا يشكل تطورا يستحق القراءة المتأنية دون مواقف مسبقة كما جرت العادة لدى بعض الساسة تجاه أي عملية تحدث ضد دولة الاحتلال، وكأن الإدانة باتت فرضا من فروض الطاعة والولاء، لكن العملية الأخيرة جاءت في سياق مختلف تماما، من حيث الزمن والمكان والدلالة، وما حدث لاحقا يشير دون أدنى تردد أن إسرائيل والطغمة الحاكمة بها، أجبرت على ولوج منعطف لم يكن جزءا من سلوكها التقليدي في فترات سابقة..

كان متوقعا أن يكون رد الفعل الإسرائيلي ضربة عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، لا تصل طبعا لاحتلال أو ما شابهه، بل استمرار قصف وتدمير واغتيالات قدر المستطاع كترضية أمنية لسكان إسرائيل ، وتوجيه رسالة إرهاب إلى الضقة الغربية، عله يساهم في قطع الطريق على ما يمكن أن يكون من 'انفجار شعبي' في شهر سبتمبر القادم، لكن سرعة الاستجابة الإسرائيلية بالموافقة على 'تهدئة ما' يؤكد أن هناك عوامل مستحدثة أدت إلى هذه النتيجة غير المتوقعة، وقد أظهرت تطور الأحداث مدى الأثر الأمريكي على قرار دولة الاحتلال، وأن القرارات المصيرية في المنطقة لا تخضع لنزوات ورغبات قادة دولة الاحتلال، وهو ما يخالف كليا تلك النظرة السائدة عربيا، بأن تل أبيب وعبر اللوبي اليهودي – الصهيوني هو صاحب الأثر الكبير، ودون الخوض في نقاش تلك القضية الفكرية – السياسية، إلا أن الأساس اليوم ما برز من أثر أمريكي في قرار حكومة نتنياهو الأخير بالتزام الهدوء الأمني – العسكري، وبين أبرز الأسباب التي أدت لهذا هو الموقف المصري، خاصة رد الفعل الشعبي تجاه القتل العمد والاستخفاف الإسرائيلي في التعامل مع مقتل الجنود المصريين، ما أدى لوضع العلاقة مع تل أبيب على مسار مختلف لم يكن له مكان في المشهد السياسي المصري ما قبل التغيير الثوري، ورغم أن المسألة توقفت عند حدود معينة من الفعل المصري، ولم تصل إلى سحب السفير ووضع العلاقات الثنائية على طريق الانهيار، إلا أن مصر الشعبية – الرسمية ربما تحدث حراكا كان نائما ضد معاهدة كمب ديفيد، وفتح الجدل السياسي حول ضرورتها، وهو ما يشكل 'كارثة استراتيجية' للسياسة الأمريكية أولا ومن ثم لدولة الاحتلال، حتى لو لم تصل مصر الرسمية إلى قرار حول المعاهدة ، إلا أن النقاش قد يجبر القوى السياسية المصرية الذاهبة للانتخابات القادمة أن تضعها بندا سياسيا جاذبا وزيادة 'الغلة التصويتية'، فعل جديد لمشهد جديد،  إلا أن ما حدث لا يمكن أن يتم تجاهله مع قادم الأيام، وهو ما قرأته جيدا دوائر صنع الاستراتيجية في واشنطن، لذا سارعت بالقيام بجهد خاص لعدم التدهور أكثر..

وجاء تزامن توقيت العملية العسكرية مع 'أحداث' ليبيا الأخيرة الانتهاء من حكم العقيد القذافي، رغم 'حرارة روح التمسك بالحكم' الكامنة عنده وبقية أفراد عائلته، ليساهم في تقييد اليد الإسرائيلية ' الطويلة' وتكبيلها، فأي تطوير لحرب أو فعل عسكري ضد قطاع غزة، كان سيشعل حرارة الفعل الشعبي العربي ضد أمريكا – إسرائيل، وقد تنجرف الحركة الشعبية العربية لمنحنيات لا تتوافق مع مخططات 'الناتو' في اللحظات الحرجة التي تشهدها المنطقة، لوضع نهاية للحرب العسكرية الأطلسية فوق ليبيا بعد أن وصلت المسألة إلى وضع حرج جدا، خاصة أن 'المسألة السورية' بدأت تشهد مسارا متسارعا في تطورها بعد ما حدث داخليا وعربيا، وبدء الحصار السياسي للنظام الحاكم في سوريا، ما يجبر واشنطن وتحالفها الأطلسي – التركي والعربي بضرورة التركيز والتفرغ لتطور الوضع في سوريا، وهذا لن يكون في ظل استمرار الوضع الليبي كما كان عليه قبل 'الحسم العسكري' في طرابلس وباب العزيزية، ولا يمكن لواشنطن أن تقوم بما يجب القيام به لو أن الطغمة الفاشية الحاكمة في تل أبيب مارست شهوتها العدوانية ضد قطاع غزة، وما يمكن أن تجلبه تلك الفعلة العدوانية من رد فعل غير محسوب العواقب، ليس شعبيا فحسب بل عسكريا أيضا بفتح جبهة على الحدود السورية واللبنانية، حسابات مركبة جاءت في سياق الحساب الأمريكي لفرض الموقف على إسرائيل وتكبيلها بطريقة أظهرت كم هي مخزية الغطرسة الفارغة الغسرائيلية..

ومع أن 'خيار التفجير العسكري' على الجبهة السورية – اللبنانية لم ينته بعد، لكن غياب العدوان الغسرائيلي قد يمنحه بعض الوقت كي تعيد واشنطن وحلفها العام دراسة الخيارات الممكنة لاحقا لتطويق سوريا وحكمها، والعمل على قراءة سياسية للملفات المتشابكة التي ستفرض نفسها على الواقع العربي والفلسطيني، خاصة أن الحراك ، رغم كل مطباته الصناعية لم ينهزم، بل التقديرات أن هناك جديدا قادم في أكثر من بلد ومكان، ولا شك أن ملف فلسطين وخاصة بعد سبتمبر – أيلول سيكون من الملفات الساخنة جدا أمام الإدارة الأمريكية .. مع أن البعض يعتقد أنه لا يستحق كل تلك 'الضجة السياسية' التي تدور عنه وحوله، لكن دوائر القرار الأمريكي – الإسرائيلي ترى ما لايراه بعض أولئك من أثر نتائج القرار الفلسطيني لو استمر لنهايته، فالمسرح العربي بات يحتمل كل الاحتمالات الممكنة التي قد تخرج عن 'نطاق الطاعة التقليدية' ..

الحسابات الجديدة التي جاءت بها 'عملية إيلات' تمنح الشعوب العربية، وبداية الشعب الفلسطيني فرصة لم تتوفر له منذ سنوات لكسر الهيبة الاحتلالية من خلال رؤية تكاملية لفعل كفاحي يعيد الصورة المشرقة التي رسمتها الثورة الفلسطينية المعاصرة، وهذا يشترط أولا وضع نهاية حقيقية وليس كلامية للانقسام الوطني كي يتم صياغة رؤية مشتركة وطنية لمواجهة المحتل المرتبك والضعيف، ولعل الفرص لا تتكرر كثيرا في زمن لا تزال واشنطن وحلفها متحكما في تسيير واقع عربي.. وستبقى 'عملية إيلات' الأخيرة بابا من أبواب كشف 'الجبن الإسرائيلي المستحدث'..

 هل يمكن للقيادة الفلسطينية بكل أطيافها أن تدرك ذلك بعيدا عن 'الحسابات الحزبية الضيقة' .. سؤال برسم الانتظار لمن يتحدث دوما عن 'المصلحة الوطنية الفلسطينية'..

ملاحظة: هناك إجماع على معرفة المهزوم في ليبيا .. لكن لا وجود له على من هو المنتصر فيها.. مسألة قيد المناقشة لاحقا..

 

تاريخ : 25/8/2011م  

اخر الأخبار