"شكراً روسيا "(1)

تابعنا على:   12:12 2014-12-19

عبد اللطيف أبو ضباع

في البداية ،أعتذر للقارئ العزيز ،لأن الحديث سيطول ويجول في كل الزوايا والمناطق ،وربما يغوص في العمق ،لأن القضية معقدة وعميقة تتزاحم الاحداث وتتدافع ، تدفع بنفسها من العمق لتطفو على السطح ، تسبح وتجري وسط العواصف والتيارات حتى تصل وتقترب الى شواطئ الحقيقة ، القضية عميقة ومعقدة لأن خيوطها تتصل وتتشابك وتتعارك وتتعارض وتتقارب ، ولكن وسط هذا التشابك والتعقيد حقائق واحداث ووقائع مؤكدة أو ربما شبه مؤكدة .

أقول-وربما يتفق معي البعض- أن 99% من أوراق اللعبة في يد روسيا.

حديثنا سيدور حول هذه المحاور ولكن بدون ترتيب :

أولا : تنظيم القاعدة وداعش بلا شك أنهم أدوات استعمارية صنعتها المخابرات الامريكية وبتمويل عربي وبمشاركة بعض وكالات المخابرات الاجنبية ..

ثانيا : الساحة السورية العربية والمؤامرة العالمية لتفتيت وتدمير وتقسيم واضعاف الدولة السورية ، وضرب القاعدة الروسية والمحور المقاوم لدولة الكيان الصهيوني ..

ثالثا : الصراع الروسي الامريكي والمعارك الدائرة في الساحات القريبة والبعيدة ومعضلة الأمن القومي والمصالح الاستراتيجة للدول والقوى العظمى .

رابعا:الحركة الوطنية الفلسطينية ،(حماس فتح) ومصيرالقضية الفلسطينية مابين التحالفات الاقليمة والصراعات الخارجية والداخلية ...

الصراع الجديد القديم بين الرأسمالية والشيوعية ،علينا أولا أن نتعرف على القوى العظمى وعلى استراتيجية الردع المتبادل القائمة على توازن القوة النووية ، وعلينا أن نتعرف على قادة وقيادة هذه القوى ، الولايات المتحدة بقيادة :روزفلت ، هاري ترومان ، ايزنهاور ، كينيدي ، جونسون ، نيكسون ، جيرالد فورد ، جيمي كارتر ، رونالد ريجان ، بوش الأب ، كلينتون ، بوش الأبن ، باراك أوباما ..

الاتحاد السوفييتي بقيادة المؤسس لينين ، ستالين ، خروتشوف ، بريجنيف ، يوري اندربوف ،تشيرنينكو ، غورباتشوف ، يوري يلتسين ، فلادمير بوتين ، ميدفيدف ، بوتين ..

الصراع بين الولايات المتحدة (الرأسمالية ) والاتحاد السوفييتي (الشيوعية ) ،كان بداية هذا الصراع في أول الخمسينيات من القرن العشرين ، أي منذ بداية استلام الرئيس ايزنهاور السلطة ، وكانت الاستراتيجية التي قدمها "الان دالاس "مدير وكالة المخابرات المركزية ،استراتيجية اطلاق الأفكار قبل اطلاق النار وخطف الاديان والعقائد والايمان واستخدامها ضد الخصم الشيوعي ، واستمرت هذه الاستراتيجية منذ عهد ايزنهاور الى أن وصلت الى جورج بوش ،كانت المخابرات الامريكية والمخابرات العسكرية الباكستانية تعمل على قدم وساق وتدير عمليات حرب نفسية هدفها اثارة المشاعر المعادية للاتحاد السوفييتي داخل جمهورياته الجنوبية (طاجكستان ، اوزبكستنان ، تركمانستنان وكازخستان وغيرها ) وفيها غالبية اسلامية ، أستغلت المخابرات الامريكية الفجوة بين النظام السوفييتي المادي في فلسفته وبين الاسلام الروحاني في مبادئه ، وبالتأكيد لم يكن دافع المخابرات الامريكية الحرص على الاسلام أو على الدعوة الاسلامية أو على حقوق المسلمين ، بل كانت تسعى الى اقلاق وازعاج الاتحاد السوفييتي لتفتيت جمهورياته ودعمها للانفصال ..

وفي اعتقادي أن ايزنهاور انقلب على كل المعاهدات والاتفاقيات التي تم توقيعها بعد الحرب العالمية الثانية ، وأهمها اتفاقية "يالطا" التي اجتمع فيها الولايات المتحدة (روزفلت ) والاتحاد السوفييتي (ستالين ) ورئيس وزراء بريطانيا (تشرشل ) واتفقوا وقتها على تقسيم النفوذ في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية ، وفي يالطا حصل الاتحاد السوفييتي على نفوذ كامل في شرق أوروبا ، والولايات المتحدة على نفوذ كامل في غرب أوروبا . إذن كما قلت كان انقلاب من الرئيس ايزنهاور على كل الاتفاقيات واهمها أتفاق يالطا .

أقول وهذه حقيقة ولعلها من المفارقات أن الولايات المتحدة كانت تريد اقامة "حلف اسلامي" في منطقة الشرق الأوسط بالذات ، فبعد اقامة حلف الأطلنطي والمركز الرئيسي له في شرق أوروبا للتصدي لجحافل القوات السوفييتة وبعد ذلك اقامة الدروع الصاروخية في بولندا أوهنا وهناك . ربما اخطأ القائد الشيوعي لينين لأنه تنازل طواعية عن فنلندا وبولندا التي كانت ضمن الحدود القيصرية ، لأن موقع بولندا الجغرافي له خصوصية وأهمية ، لذلك كانت بولندا سبب اشتعال الحرب العالمية الثانية عندما دخلت الجيوش الالمانية والسوفييتية اليها وأعتقد أن القائد السوفييتي ستالين ادرك أهمية هذه البقعة الجغرافية ، ولكن لا ادري ، ربما أضطر لينين في ذلك الوقت وخصوصا بعد نجاح الثورة البلشفية التي لها تداعياتها وأسبابها وحيثياتها ولها مقدماتها ونتائجها ،أو ربما أضطر لينين للقبول كما قبل بانهاء الحرب مع المانيا بدون شروط في اتفاقية أقل مايقال عنها انها مهينة . ولكن في النهاية القائد الشيوعي لينين هو المؤسس الحقيقي للقوة السوفيتية العظمى وهو العقل المفكر للشيوعية وثورتها .

المهم أن الولايات المتحدة كانت مطمئنة من ناحية شرق أوروبا بحلفها الأطلنطي وايضا في جنوب اسيا ، بحلف جنوب اسيا ، ولكن لم تكن مطمئنة الى وسط منطقة العالم العربي الشرق الاوسط ، حاولت الولايات المتحدة في البداية اقامة "حلف بغداد " الذي يضم (تركيا ، باكستان ، ايران ، العراق ) ولكن ثورة تموز 58م في العراق اطاحت بهذا الحلف ، وبعد ذلك عملت أمريكا على انشأ الحلف المركزي ،ثم حرضت المملكة العربية السعودية لأقامة منظمة المؤتمر الاسلامي ، إذن الحلف الاسلامي كان ضروريا بالنسبة للولايات المتحدة .وأخيرا نجحت في عهد كارتر ومساعده للأمن القومي بريجنسكي الخطير .كان الحلف الجديد يضم كل من السعودية ومصر وباكستان ونجح "بريجنسكي " وبالتأكيد لم يكن الحرص على وحدة المسلمين وتكاتفهم وتعاضدهم ، الغاية والهدف كان قتال الخصم الشيوعي بأدوات اسلامية (دول وافراد وأموال ) لأن التجربة الفيتنامية والهزيمة في فيتنام علمت الولايات المتحدة الأمريكية أن للتاريخ والجغرافيا قوانين حاكمة وصارمة رغم تغير الحوادث والتجارب واختلاف الزمان والمكان والظروف ..

تم اختيار افغانستان لانها البوابة الأقرب للتجسس على الاتحاد السوفييتي ومنها انطلقت عمليات التحريض واثارة المشاكل للجمهوريات الجنوبية ، وأستطاعات في نهاية الأمراستدراج الاتحاد السوفييتي الى المستنقع الأفغاني ، وبعد ذلك أضاءت المخابرات الأمريكية للحلف الجديد " السعودية ، مصر ، باكستان " الضوء الأخضر لأنها لاتريد أن تتورط كما تورطت في فيتنام مثلما قلنا ، ولانها لاترتبط مع افغانستان بأي اتفاقيات دفاع مشترك ولأن تدخلها يمكن أن يؤدي الى صدام مباشر مع الاتحاد السوفييتي وهذا يعني أشعال شرارة الحرب العالمية الثالثة ، فكان لابد لها من قيادة بديلة لهذه الحرب السرية ، وكان لها ذلك .

يقول مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق بريجنسيكي : ان العملية السرية التي قمنا بها كانت فكرة رائعة ، لقد ادت الى دخول السوفييت في فخ تمنينا أن يدخلوا في مثله وقد دخلوا . فهل تريدون أن أقول لكم اسف على مخطط وضعناه ونفذناه ونجح بامتياز .

وبدأت المخابرات المركزية الأمريكية في تنفيذ الخطة أو الخطوة القادمة وهي تشكيل وتكوين وتأسيس المجموعات الجهادية لأخراج السوفييت من افغانستان ، أستعانت بالدولة المصرية في عهد السادات وفي المملكة السعودية وأموالها ، وفي باكستان ومؤسسة الجيش الباكستاني ، ووضعت لهم الخطة الاستراتيجة للمواجهة مع يافطة كبيرة مكتوب عليها "الجهاد ضد الالحاد" ، وبالطبع أجتمعت كل الأطراف التي لها مصالح خاصة وبدأت الماكنية الاعلامية والثقافية والدعوية في تلك الدول تدعوا الى "الجهاد " ضد السوفييت . الدولة المصرية تدعم وتشحن وتنقل السلاح السوفييتي" للمجاهدين " والمملكة السعودية تستقبل المتطوعين وتنقلهم الى باكستان وافغانستان ، ومؤسسة الجيش الباكستاني تدعم بكل الوسائل الامنية والعسكرية والاستخبارتية .

الولايات المتحدة وعدت باكستان بالدعم العسكري والمالي للتخلص من المشكلة الكشميرية وبحزمة مساعدات أمريكية أذا ما نجحت في عملية طرد السوفييت من أفغانستان ، والسعودية مصلحتها في التخلص من العناصر السعودية الوهابية المتطرفة التي تسعى للتخلص من النظام الملكي ،واعتقد أن قضية جماعة "محمد جهيمان العتيبي" واحتلال الحرم الشريف مكة عام 79، كان لهذه الحادثة تأثير كبير على صناع القرار في المملكة السعودية ، وربما كانت من الأسباب المشجعة لدخول النظام السعودي في هذه المعركة ، ناهيك عن التحالف العسكري والسياسي العميق بين النظام السعودي والولايات المتحدة ، وأما الدولة المصرية مصلحتها أولا التخلص من السلاح لسوفييتي القديم المكدس في المخازن وبيعه "للمجاهجدين "واستبدال هذا السلاح بسلاح أمريكي جديد ومتطور والتخلص من بعض الجماعات الجهادية المصرية ونقلهم الى افغانستان بدعوى الجهاد ضد الالحاد ، بالأضافة للمساعدات العسكرية والمالية للدولة المصرية ، وهنا توحدت وتشابكت المصالح بين هذه الدول ، وأستطاع بريجنسيكي ومعه وكالة المخابرات المركزية بتأسيس وتكوين تحالف اسلامي جديد لمحاربة الشيوعية ، نعم ؛أستطاع الامريكان استغلال واستثمار الدين والاسلام في معركتهم القذرة ..

ومن هنا أيضا بدأت التحالفات مع القبائل الافغانية وأمراء الحرب وتدفقت أموال المخابرات الأمريكية والعربية لتأسيس المدارس الشرعية وهي النواة الأساسية لحركة " طالبان " وتنظيم القاعدة ، واندفع "المجاهدون" العرب من كل حدب وصوب للقتال من أجل طرد السوفييت . كانت غرفة العمليات للمخابرات المركزية الأمريكية في بيشاور باكستان ، هي القيادة الحقيقة لتلك المعركة وكان ضباط المخابرات الامريكية يلتقون ويجتمعوت بكل قادة القبائل و"المجاهدين " وكانت التعليمات واضحة هي القضاء على الوجود العسكري السوفييتي وبالسلاح السوفييتي حتى لاتكون للولايات المتحدة أي صلة ،أمريكا استخدمت الاسلام والعرب والمسلمين في معركتها مع الشيوعية ولاتريد أن تظهر في الصورة! قمة الأستغلال والاستهتار .

دارت المعارك على الساحة الافغانية ، ولكن الكفة العسكرية للسوفييت هي الراجحة ، لذلك أضطرت المخابرات المركزية الامريكية لتغيير شكل الدعم ، فقدمت "للمجاهدين" 900 صاروخ "ستنجر"المضاد للطائرات ، وأستطاعت استنزاف القوات السوفيتية وأنهاكها في معركة افغانستان ، مما أجبر القيادة السوفيتية على الانسحاب ولململة بقايا القوات المنهكة ولكنها وضعت"نجيب الله"الموالى للاتحاد السوفييتي على رأس الحكومة الأفغانية .انسحبت وكانت القيادة السوفيتية تعلم أن حكومة "نجيب الله" لن تصمد لأكثر من شهر وهذا ما حدث .أستولت طالبان على الحكم وطردت نجيب الله وتمددت الى الشمال "مازارشريف" وأستطاعت هزيمة قوات تحالف الشمال دوستم وأحمد شاه مسعود ، وبعد أن سيطرت طالبان وخرج السوفييت وأختفت وكالة المخابرات المركزية الامريكية ، لم يتبقى إلا النظام السعودي ومؤسسة الجيش الباكستاني تربطهم مصالح وثيقة وعميقة مع كل العناصر الجهادية ، وفي افغانستان تم اختيار الملا محمد عمر أمير المؤمنين وبدأت طالبان بتأسيس الأمارة الاسلامية ، ومن هناك من افغانستان بدأت مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي ..

وبالعودة للتاريخ ، الولايات المتحدة الأمريكية كانت مستوطنات متفرقة يهاجر اليها كل الحالمين والطامحين، وكانت تحت الوصاية الأوروبية ، وبعد أن أشتد عود المستوطنون الجدد وبعد أن ذابت وتوحدت المصالح بينهم ،قرروا التمرد على الأوضاع القائمة ، وظهرت في ذلك الوقت حركة الاستقلال الامريكية بقيادة "جورج واشنطن " ، واستطاعت تصفية بقايا الجيوب الأوروبية في امريكا الشمالية وتخليص ولايات الاتحاد من قبضة الأمبروطوريات البائدة ، وهنا جاءت الحرب مع البرتغال والأسبان ..

كانت الأمبراطورية الامريكية ظاهرة غريبة ومختلفة فقد نشأت تحت سمع وبصر عالم دخل عصر النهضة بكل وسائله وأدواته وتحت متابعة ورقابة القوى الامبراطورية ، نشأت الامبراطورية الامريكية الرأسمالية في ظل الصراعات الأوروبية ، وكانت وصية جورج واشنطن هي الابتعاد تماما عن كل صراعات القارة الأوربية التي لاتعنى شيئا لأمريكا ولا تهمها ، في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة مشغولة بمرحلة التكوين والتمكين للرأسمالية الجديدة المتوحشة والعدائية ، وكانت النواة الرئيسية للرأسمالية الجديدة مجموعة من "البارونات اللصوص " ، روكفللر ، فورد ،فاندر بيليت ، وراند ..ومن هنا وبعد مرحلة التمكين والقوة الاقتصادية والعسكرية بدأت الرأسمالية المتوحشة تطل برأسها وتنظر الى المحيطات والأقاليم والمناطق القريبة والبعيدة ، والمصادفة الغريبة أن مبنى الأمم المتحدة هو باﻷساس أرض تبرعت به أسرة روكفللر أشهر البارونات اللصوص وأخطر رأسمالي عرفته الولايات المتحدة ..

وبعد ذلك بدأت الامبراطورية الرأسمالية الجديدة تفكر وتخطط للأفق الاستراتيجي للمنطقة وكيفية الحفاظ على الأمن القومي الأقليمي ، شاركت في الحرب العالمية الأولى والثانية وبعد الأنتصار بقيادة ايزنهاور قائد قوات التحالف بدأت الأمبراطورية الامريكية بالتفكير الجدي لملئ الفراغ والاستيلاء على غنائم الأمبراطوريات الهالكة (بريطانيا وفرنسا) والاستيلاء على الشرق الأوسط لنهب ثرواته وممتلكاته بالقوة العسكرية أوالسياسية ، لكن الهم الامريكي المعضلة الكبرى والمشكلة المعقدة هي القوة العظمى المنافسة والقوية (الاتحاد السوفييتي ) ..!

المدير السابق لوكالة المخابرات الامريكية الأسبق "روبرت جيتس " كتب في مذكراته بعنوان "من الظلال " ، أن المخابرات الأمريكية بدأت تساعد المجاهدين في أفغانستان بشكل مكثف قبل ستة شهور من دخول الاتحاد السوفييتي الى افغانستان ، تنظيم القاعدة أكبر كذبة وأبشع خدعة ، وضرب ابراج التجارة 11 سبتمبر مسرحية ، وتنظيم الدولة الاسلامية داعش أبشع مؤامرة لتفتيت المنطقة وتقسيمها .

وللحديث بقية

اخر الأخبار