التوجه لمجلس الأمن، قراءة متأنية

تابعنا على:   14:06 2014-12-18

عصام يونس

يَنظر البعض إلى ما قامت به منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تزال، من خطوات في الفضاء الدولي سواء بحصول فلسطين على صفة الدولة غير العضو أو كما هو منتظر، بالتوجه إلى مجلس الأمن في محاولة لإلقاء الكرة في ملعب المجتمع الدولي لانهاء الاحتلال، بأنه قفز في الهواء وتعبير عن أزمة بائنة بينونة كبرى للأزمة الخطيرة التي تعصف بالسلطة، والنظام السياسي الفلسطيني برمته. وتأتي هذه التطورات وكأنها إلقاء آخر حفنة تراب على قبر عملية سلام بعد عقدين ونيف من انطلاقها، التي قُدر لها أن تولد مشوهة لتُنهي "تحت أقدام غلاة المتطرفين الصهاينة، الذين عاثوا فسادا وتفتيتا في الديمغرافيا والجغرافيا الفلسطينية. وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي وضعت فيه منظمة التحرير البيض كله في سلة واحدة، وهو ما أنتج حقائق شديدة الوقاحة، ليس أقلها أن الفلسطينيين اليوم أبعد ما يكونون عن تحقيق مشروعهم الوطني، وفي ظل دور لوسيط لم يكن لانزيها ولا محايدا.

كان لشعار اعطوا السلام فرصة وقع السحر على المحتل ووقع المصيبة على الفلسطينيين. شعارٌ مكن المحتل من استغلال عامل الزمن الذي وفره ذلك الشعار لمزيد من الاستيطان في قلب الأرض الفلسطينية وفي إقامة جدار للفصل العنصري على تلك الأراضي وتفتيت وحدة الفلسطينيين ودفعهم قسرياً للتكدس في ما يشبه الأقفاص في ظل حال غير مسبوقة من الاعتمادية الهائلة مالياً وسياسياً على كل ما هو خارجي، وأضحت في حال من الانكشاف الخطير والقدرية المفرطة ومن الهشاشة بمكان بحيث يجعلها عرضة لاهتزازات كبيرة مع أي تغيرات ولو محدودة في مفردات الجيوبوليتيك لجوارها ومابعد جوارها.

فتائج انتخابات ما وراء الاطلنطي أوانتخابات دولة الاحتلال، على سبيل المثال، كشأن داخلي بقيت تحدد إيقاع مصير ليس السلطة وتعبيراتها المختلفة فقط، بل الكل الفلسطيني، الذي انساب في سيولة مفرطة لم تمكنه من التخطيط ولو لربع ساعة وجردته من ممكنات فعل سياسي يليق بشعب يناضل للتحرر من ربقة الاحتلال.

عندما انفصلت دولة الاحتلال احاديا عن قطاع غزة، في ايلول (سبتمبر) 2005، كتبت وآخرون غير مرة، بأن جوهر ما يسعى إليه الاحتلال في فعله، وهو استراتيجي بامتياز، هو فك الاشتباك مع غزة وتفتيت النظام السياسي وقتل أي ممكنات لقيام دولة فلسطينية بل وقتل الفكرة في عقول الفلسطينيين من الناحية النظرية بعد أن جرى قتلها على صعيد الممارسة والواقع، على طريق تفتيت الهوية الوطنية الجامعة ودفع الفلسطينيين إلى اكتشاف فاسد للذات والبحث في هويات مصطنعة في ظل انقسام سياسي شديدة الدينامية من جهة وفشل عملية السلام في تحقيق ما وُعد به الفلسطينيون من أمن وسلام ورخاء من جهة ثانية.

إدراكا لذلك ولقطع الطريق على ما يسعى إليه الاحتلال، كان لزاما على الفعل السياسي الفلسطيني أن يكون مبادراً وفي حال اشتباك سياسي وقانوني ودبلوماسي متواصل، وذلك للتأكيد على المركز القانوني للقطاع كأرض محتلة وبأن قوة الاحتلال تتحمل المسئولية الكاملة عنه وفقا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة وقواعد القانون الدولي الإنساني التي سعت سعياً حثيثاً لإنهاء مسئوليتها كقوة محتلة تجاه القطاع وسكانه، وأن يأت متأخرا هو دون أدنى شك أفضل من ألا يأتِ أبداً، وما تقوم به دولة فلسطين من عمل دبلوماسي وقانوني وسياسي، في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ليس فقط مهماً وايجابياً، بل يجب أن يقدم له الدعم والاسناد الشعبي.

غني عن القول أن أحد تجليات أزمة النظام السياسي الفلسطيني تكمن في العمل دائما على خلفية رد الفعل وليس الفعل ذاته، وبالاضافة إلى ما تقدم، فإن ما حدث - ولم يزل - من تطورات في الإقليم، بل وفي العالم يستوجب فعلاً مبادراً وليس ردود أفعال، فما شهده الإقليم من حراك كان في حقيقته أقرب إلى تسونامي سياسي ضرب المنطقة ولم يستقر بعد، وهو ما كان له تكلفتة السياسية على الفلسطينيين من الناحية الموضوعية. فقد شهدت القضية الفلسطينية تراجعاً في الاهتمام الدولي بها، بعدما كانت موضع اهتمام كبير، لصالح الاهتمام بمناطق النزاع الجديدة مثل سوريا وليبيا والعراق- داعش، وحتى اوكرانيا. وكانت تكلفة ذلك - ولم تزل - بالغة على القضية الفلسطينية، حيث نشهد انزياحاً وتراجعاً لقضية فلسطين كبند متقدم على أجندة الاجتماع الدولي لتحتل مكاناً في أسفل تلك الأجندة.

لذا تبرز الأهمية الكبيرة لأي اشتباك سياسي وقانوني ودبلوماسي كفعل مبادر في هذا الوقت بالذات، بأن يشكل افتراقا مع قواعد اللعبة التي وضعها من أراد الوصول إلى هذا الحصاد المأساوي الذي نعيش اليوم، بما يؤسس لعمل سياسي من ممثلي شعب تحت الاحتلال ينقله من رد الفعل إلى الفعل نفسه، وهو ما كان غائباً عن العمل السياسي "الكفاحي" المنفعل دائماً والمبادر نادراً والمستكين قدراً في حال من الهشاشة والانكشاف ما كبَّدَ الفلسطينيين تكلفة باهظة من دمائهم وحياتهم ومستقبل أجيالهم.

ومن المهم التأكيد على أن المبالغة في نتائج هذا الفعل وتضخيم المتوقع منه، التي يراها البعض، في ظل الاختلال الهائل في موازين القوي مع الاحتلال، لا تعدو كونها ديماغوجيا وبيعا للوهم. فالحصول على الحقوق المشروعة للفلسطينيين، كشعب تحت الاحتلال، لن يتحقق بقرار من مجلس الأمن، من دون الانتقاص أبداً من قيمة وأهمية العمل على تقديم مشروع القرار للمجلس مهما كانت نتيجته قبولاً أو رفضاً بفيتو متوقع، وهو ما يستوجب عقلنة إدراك هذا الفعل والنظر إليه في سياق الاشتباك الواجب مع الاحتلال ووضع العالم أمام مسئولياته الأخلاقية والقانونية وتظهير قضية الفلسطينيين على نحو مختلف، كشعب تحت الاحتلال يتوق إلى الحرية والانعتاق.

إن الحصول على الصفة الجديدة لفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة، ومبادرة فلسطين بعقد جلسة استثنائية لمجلس حقوق الانسان التالع للأمم المتحدة في تموز (يوليو) الماضي أثناء العدوان على غزة، وما نتج عنها من تشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم التي يرتكبها الاحتلال. وكذلك طلب الرئيس محمود عباس من الحكومة السويسرية في العاشر من الشهر نفسه وأثناء العدوان على غزة أيضا، عقد مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف، ولاحقا التوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار لانهاء الاحتلال، كلها خطوات ذات أهمية استثنائية يجب النظر اليها من زاوية الفعل المبادر والاشتباك الذي أشرنا إليه، لكنها جميعها تبقى غير كافية مالم تكن جزءاً من استراتيجية كفاحية شاملة.

من المهم التأكيد على تحييد التوظيف النفعي السياسي لهذه الخطوات المهمة، أو التعامل معها كفعل تكتيكي يراد له ومنه تحسين الشروط في مفاوضات ربما لا يزال البعض يتوهمها، أو بأنها نوع من النضال الناعم "السوفت" المحسوب بدقة بالغة، قد يحرج لكنه لا يغضب، بل يجب أن تكون خطوات تأسيسية من بين خطوات أخرى يمكن القيام بها، تشكل انعتاقاً تدريجياً ومنظماً للتحلل من قواعد التفاوض الظالمة ويرسم خطوات جادة وراسخة نحو إنهاء الاحتلال.

إن الفعل المبادر هو الذي يستغل، إلى أقصى حد ممكن، ما هو متاح من هوامش قانونية ودبلوماسية كما ويسعى إلى خلق هوامش جديدة وفضاءات أخرى للاشتباك الدولي، في ظل القوة القانونية والأخلاقية التي يحظى بها كفاح الفلسطينيين.

ولعل أهم ما يجب القيام به، لاسيما مع حصول فلسطين على صفة الدولة غير العضو في الأمم المتحدة، من جهة، ضرورة الانضمام للمؤسسات الدولية وليس الاكتفاء بالتوقيع على الاتفاقات الدولية، والتوقيع على ميثاق روما المنشيء لمحكمة الجنايات الدولية، ليتسنى تعظيم الاشتباك مع الاحتلال لنزع أي شرعية عنه وعن ما يرتكب من جرائم والقيام بخطوة متقدمة نحو تحقيق العدالة المطلوبة للضحايا، والتأكيد مرة وإلى الأبد أن العدالة والسلام ليسا خطان متوازيان لا يتقاطعان، بل انهما يشترطان بعضهما بعضا، فلا سلام من دون عدالة، ولا عدالة من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة غير القابلة للتصرف.

لم يبقَ أمام الفلسطينيين سوى أن يأخذوا قضيتهم بأيدهم في طريق ذي اتجاه واحد، لا رجعة فيه، مهما كانت الكلفة السياسية التي سيدفعونها، في افتراق مع قواعد اللعبة الظالمة التي رسمها العالم وارتضاها الفلسطينيون أساساً للوصول إلى مطالبهم المشروعة، وهو حتما لن يتحقق بالضربة القاضية بل بمجموع النقاط.

إن ذلك يقتضي إنهاء العبث السياسي الخطير المتمثل في الانقسام لشعب لا يزال تحت الاحتلال. ذلك الانقسام الذي أضعف الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية على نحو غير مسبوق، وهو ما يتطلب توافق الكل الفلسطيني على خياراتهم المحددة لانهاء الاحتلال الجاثم فوق أراضيهم، وبتوافقهم على تحمل نتائج تلك الخيارات مهما كانت كلفتها، وبإعادة الاعتبار للمشروع الوطني ولأولئك الذين يعيشون الغربة في وطنهم بجذبهم إلى دائرة الفعل السياسي والكفاحي، بما يؤسس وطناً حراً لشعب من الأحرار.