المطر والطبيعة ودولة نتنياهو الدينية-القومية

تابعنا على:   14:48 2014-12-16

تحسين يقين

مرة ثانية ورابعة وعاشرة يخطف المطر أخبار السياسة والمجتمع، فيلوذ الناس بمدافئهم وزيتهم وزعترهم وخبزهم؛ يؤمنون الدفء للأطفال، والحطب للمواقد، إلى آخر مستلزمات العصر. لم يكف المطر عن النزول لساعات، وهذا لا يحدث إلا قليلا، فأن يستمر المطر، يعني الخير، ويعني الشوق لدفء الشمس أيضا.

للطبيعة مواسمها، ودلالاتها، ولعلها تدفع من يتعظ إلى التعلم منها، فحين نلجأ من المطر الذي نحبه إلى ما يقينا البلل، فإننا ندخل تاريخ الحضارة، كما ندخل إلى ما تراكم من إنجازات ليس فقط في العمران، بل في جميع مناحي المدنية وصولا لهذا العصر.

لقد استطاع الإنسان التعامل مع الطبيعة إلى حدود متطورة، تعامل مع المطر والحجر والرياح والحرّ، تعامل حتى مع الزلازل، وإن تفاوت ذلك من مكان إلى آخر، لكنه للأسف بقي يفشل في التعامل مع الإنسان، وما استمرار النزاعات بين البشر أفرادا وجماعات ودول إلا أدلة على ذلك.

لو فكّر الإنسان جيدا فيما حوله، وما يشعر به، سيجد أن صراعه مع الطبيعة ما زال يحتاج ذكاءه وخبراته وعلمه، ليس للتدفئة فقط، بل للبقاء في كل البيئات، بل والمحافظة على البيئة بدلا من تدميرها. وهذا يحتاج منه أن يتعاون مع أخيه الإنسان في كل مكان، لأن أي إنجاز علمي سيكون للجميع.

ألا يدفعنا ذلك إلى نبذ الخصومات والنزاعات والصراعات، بل وحلها حلا عادلا!؟

في بلادنا، في هذا الجزء المنكوب بسبب استمرار الاحتلال نتساءل بحرقة، متى سننشغل بهمومنا التنموية الحقيقية، ورفاهيتنا؟ متى سنجد وقتا خالصا للاستمتاع بجمال الطبيعة والفنون والآداب والطعام والشراب وكل ما يبهج النفس من حب ومرح وسرور؟

في الحياة ما هو أروع بكثير من النزاعات والحروب، فلماذا يصرّ الاحتلال الإسرائيلي على تعذيبنا وتعذيب شعبه؟ لماذا قفي كل مرة تثار مظاهر النزاع، تظهر العنصرية في أسوأ تصوراتها؟ لماذا بدلا من قيام المسؤولين الإسرائيليين بما تحتمه القيم الإنسانية من مواقف، نراهم يصرّون على مواصلة العدوان والتطرف؟

في الحياة ما هو أروع؛ فلماذا نرى من يؤثر ما هو أدنى على ما هو أسمى!

تحت المطر الناعم نصاب بالبلل، فنلجأ للدفء، دقائق ويذهب البلل، لكن كيف بمن تهدّم بيته أو تصدع؟ كيف لا يشعر البشر مع بعضهم بعضا؟ كيف أسقط البشر على بعضهم النيران؟ هل ذلك حل إبداعي؟

لا أدري لم يقربني المطر من الناس، أشعر بهم، وأتضامن معهم، مع كل من يمشي أو يركض تحت المطر، فأجد نفسي تسمو، وتحب الجميع، فأتمنى لكل مبترد بالدفء، لكل الأسر بحياة سعيدة، وهي تتحلّق حول المواقد.

هل هي دلالة من دلالة المطر؟ المحبة؟

نشعر بالأرض العطشى كما نشعر مع الإنسان العطشان والإنسانة العطشى، نؤنسن الأرض فنهنئها بالارتواء؛ ذلك أنه إذا لم تثر الطبيعة إنسانيتنا فأي إنسانية تلك التي في داخلنا؟

الإنسانية والطبيعة توأمان، لا يمكن الفصل بينهما، هكذا علمتنا الكائنات أيضا.

كيف لا يكون الإنسان كذلك وهو يشهد تحولات الأرض حين تزدان الأرض الجافة الرمادية بكل الألوان وليس بلون واحد فقط؟

مطر يصيب الأرض فيجعلها تغني كل هذه التعددية في اللون والرائحة والطعم والملمس والروح، ومطر آخر عنصري بغيض ينحاز لعنصر واحد، يطالب بنفي الآخرين من المكان لاختلافات بسيطة، في ظل ما يجمع البشر من تشابهات؟

لم يتعلم الغزاة العنصريون لا من التاريخ ولا من الطبيعة، فقط تعلموا من أنفسهم فشقوا وأشقونا.

الطبيعة تعيد لنا إنسانيتنا إن تهنا عن دروبها الجميلة قليلا، وطبيعة البشر الشريرين تسلبنا بقاءنا أو تريد إن استطاعت نفينا من الأمكنة لا من مكان واحد، ومن الأزمنة لا زمان واحد.

مع كل مطر نفكر بحياة عادية جدا، حياة طبيعية جدا، فلماذا يرى العالم كل ما هو طبيعي هنا ويصمت؟

للعالم احتجاجه الأخلاقي، وقد وددت أن يرد العالم لا نحن الفلسطينيين على عنصرية طلبة الدولة الدينية لدين واحد؟

لكل من يؤمن بالإنسانية كأنبل قيمة ومذهب أن يحارب العنصرية التي لا تورث الأرض غير الخراب.

الفلسطينيون شعب حضاري، تراهم يقبلون بحلول كثيرة وبدائل متعددة، نقبل بدولتين، نقبل بثلاث دول، نقبل بدولة ثنائية القومية، بدولة واحدة، بفدراليات وكونفدراليات...ألا نستحق أن يرفع العالم قبعته احتراما وتقديرا لإنسانيتنا؟

الإسرائيليون فقط يريدون أن يعيشوا كدين واحد فقط!

ألا يدركون أن ذلك يعني الفناء الطبيعي؟

تلك هي سنة الذين ينعزلون، تلك نظم طبيعية، ومن يتأمل بالنبات والأشجار في الأرض يعرف ذلك، وينصح المهندسون الزراعيون بزراعة أكثر من صنف في الأرض الواحدة من أجل الحماية من الحشرات والجراثيم!

أما الشعوب التي أغلقت على نفسها الأبواب فقد انتهت، ولم تعد قادرة على مواصلة النوع البشري!

والأفكار كذلك، كل فكر منعزل منغلق موعده النهاية، أما تعايش الأفكار معا فهو حياة أخرى لها، فلا تموت.

لماذا إذن لم يتعلم الاحتلال؟

لماذا لا يريد العنصريون التعلم من الطبيعة الأستاذة الصادقة والموضوعية!؟

كل دعوة تقدم لإسرائيل لتعدل من فكرها، تقابلها بعدوانية، فهي تصر على التعلم من نفسها فقط، والشقي هو من يفعل ذلك.

حليفتها الولايات المتحدة تنصحها لكن لا استماع للنصيحة.

وحتى لو كل العالم ينصحها فلن تستجيب، فماذا سيفعل العالم؟ وماذا يجب أن يفعل؟

القضية تتعلق بفلسطينيي عام 1948، المهددين من دولة الدين الواحد، ولكن فإنه على المدى المتوسط والبعيد، فإن العنصرية تأكل نفسها كالنار إن لم تجد ما تأكله تأكل نفسها.

لماذا؟

السبب بسيط، وهو من الطبيعة أيضا، فكل من يرفض أي آخر، سيبحث في نفسه عن آخرين ليرفضهم، فالمجتمع الإسرائيلي من غير الفلسطينيين ليس كله واحدا. فبعد رفض الفلسطيني المسلم والمسيحي هل من المستبعد أن يرفض اليهودي من منابت أخرى؟ نقول ذلك ونحن نعرف أن المجتمع الإسرائيلي الطبقي يعاني من عنصرية أخرى داخل العنصر اليهودي.

وأخيرا، لا أظن أي دين يرفض البشر، ولا أظن الديانة اليهودية ترفض البشر، فكل الديانات السماوية تنطلق من منطلق إنساني وقيمي واحد.

فإذا كانت المذاهب الأرضية إنسانية، فكيف بالأحرى الديانات السماوية؟

للطبيعة دروسها إن أراد الإنسان التعلم منها..

كل العالم لجأ إلى الدولة المدنية وكان فيها الخلاص، فلماذا يظن الكولينياليون المصرون على الاحتلال أن خلاصهم في الدولة الدينية؟

تلك مفارقة عظيمة!

اخر الأخبار