التعليم المنزوع من التربية

10:54 2013-11-19

مروان صباح

رفض الإتحاد السوفيتي ترك الكلبة لايكا دون أن تدفن بالفضاء ، لهذا سارعت محطته بإرسال مجموعة من الكلاب ، تعاقبت على أبوابه لكي يقوموا بدفن صديقتهم بالتربية التى أُجهدة بعد وصولها بفترة وجيزة ، وماتت ، لم ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في حينها ، رغم حالة الغيظ التى خيمت على الجغرافيا الأمريكية ، أن تتورط بالتقليد الذي جعلها على الفور التوجه نحو افريقيا لجلب مجموعة من الشمبانزي وأرسلتهم تباعاً للفضاء ، كأن الباحثين عن موطأ قدم خارج الغلاف الأرض من كيلا الجهتين اقروا من حيث لا يعلموا بأن الحيوان لديه ميزة الإقدام نحو التجربة الأولى التى تمهد للإنسان التحسس قبل التورط بالمجهول ، فالجوهري ، مع الانتقال الروسي ، ظلّ كامن لدى الأمريكي دون ان يقدم ذرائع تستنجد إخفاقه الذي ظهر بالتقدم الروسي ، لهذا طالب الكونغرس من وزارة التربية والتعليم وضع مناهجها في قفص الاتهام وإعادة النظر بما سقط سهواً قبل أن تسقط الأمة بأكملها .

ما نراه ونتعامى عنه ، خوفاً تارةً أو فراراً من عبء المسؤولية تارة أخرى ، هو اسقاط الشدة واستبدالها بفتحة على كلمة أمّة ، التى أدى بها الخروج بكل ثقة ، خارج الزمن ، لا تغّار ولا تبغض من الأمم الأخرى ، حتى أنها اسقطت من قاموسها مصطلح المحاولة وتحولت إلى جمهور أشبه بجمهور ملاعب كرة القدم الذي اقتصرت وظيفته على التشجيع من خلال الهتاف ورفع الشعارات ودفع التذاكر وإدمان المُشاهدة دون أن يتدخل ابداً بالخطط التى توضع من الطرفين أو بناء تشكيلة الفريقين أو حتى المساهمة بلون الملابس اللاعبين ، تماماً كما هو الحال عند المحللين الذين يقدمون نظرياتهم حول ما يجري بالملعب ، في حين لم تلمس اقدامهم يوماً كرة قدم ، وهذا يتيح للمرء أن يجعله قياساً لجميع مناحي الحياة ، فالأجدر من العرب أن يضعوا مناهجهم في قفص الاتهام بما فيها القائمون والمشرفون على تطبيقه ، كما ، ليس هناك ما يعيب أن تعود إلى الوراء بهدف مراجعة تلك الأسماء التى اسست الركائز والمفاهيم الأُولى وكانت في ما جاء لاحقاً ، محدودة الأفق ، حيث اعتبرتها الأجيال التى تعاقبت تباعاً انها مقدسة لا ينبغي مساسها ، كونها اُنجزت من الآباء الأوائل ، فكانت الانطلاقة أشبه بالمُقعدة جعلت الأساليب التعليمية السائدة حكراً على العقل دون السماح بانتقالات سلسة .

حتى يومنا هذا ، لم يتعرض تعليم العرب إلى اشتباك مع التكنولوجيا المعاصرة حتى في أقس لحظاتها ، وبقى خارج النقد اللاذع كأنه أُطرّ ضمن تحنيط غير قابل للاستقراء ، رغم الحركة الدؤوبة التى باتت تعترف بالانفصال عن التطور الإنتاجي ، لكنها ، كما يبدو ، أن المسألة أشبه بالمتراخية لحد البلادة لأنها غير مرتبطة بسوق الإنتاج ، لا من قريب ولا بعيد ، وليس لديها النية في المستقبل أن تحظى بموطأ قدم على خارطة التفاعل بين الأمم ، على الإطلاق ، لهذا ، لا نسمع أصوات حقيقية تطالب بنفض الغبار عن ما راكمته العقود فوق العناوين التعليمية ، بل تعاملت الأغلبية النخبوية بصمت العاجز ، خصوصاً ، هؤلاء ، الذين أمضوا عقود في التدريس ، كأنهم حولوّا أنفسهم دون دفع الآخرين إلى شهود زور على ما يجرى من تأمر علني بحق الأجيال ، رغم أنهم من المفترض أن يكونوا القنطرة ما بين العلم والمتعلم ، لكن ، ما يحدث شيء أخر تماماً ، كأن العرب رحلوا إلى كوكب أخر ، أو ركبوا سفينة أضلت ، فأصبحت الأمم في مكان وهم في مكان آخر ، مما أوجب للاتصال أن ينقطع .

الأمة المصابة بتعليم المتجمد ، بالتأكيد ، مصابة بعسر هضم وعاجزة تماماً على استيعاب التطورات ، فبات التطور التكنولوجي حدث فصلي في أقصى حده ، لما ارتبط في الآونة الأخيرة بالتعليم ارتباطاً مساند أول ، بل أصبح ، لا بد من المرور عبر الوسائل التكنولوجية للوصول إلى العلم والمعرفة ، دونها تتحول المسألة تقليدية بطيئة ، يُستنفذ الوقت في قطع المسافات الطويلة ، معاكساً لم يجري عندما يستخدم المرء التكنولوجيا ، وفي حد ذاتها التكنولوجيا أصبحت علم ومعرفة ملحة في السوق ، تتطلب مواكبة كي لا يحصل الانقطاع عن الكوكب لفئة من المفترض أنها شريك أصيل فيه ، إلا أن ، هناك طبقة من الغبار ثخينة لا بد من رفعها قبل المواكبة ، لأن ، مسألة توفيرها ضرورية وغاية من الأهمية ، دون ذلك تبقى معرضة للتبعية ومنحصرة بالتقليد ، هي ، البدء من الجذر ، أي بمعنى ، تعود الأمة إلى تلك الحدود التى تسمح لمن يتجرأ بطرق باب تجنبت الأغلبية الساحق طرقه ، ولو خشيتنا من التعميم الذي إذا طال استثناءات ستكون نادرة وتشمل الجميع ، فمن الضروري التجمع ضمن اطار يكون أقرب لمؤتمر قومي يعيد النظر بالمعايير المتبعة والأساليب المتوفرة ، وإذ ، كان من الضرورة التحليق إلى الأعلى كي يسهل رؤية الخلل البنيوي ، فليكن جميع الأكتاف مهيأة لذلك ، لأننا كعرب نعيش زمنا انحدر المستوى الآدمي قبل أي شيء أخر وبات من الأجدر أن يتولى أمور أجيالنا القادمة نخب قد جُربت ميدانياً من خلال أعمالها لا أقوالها ، لأن الوقت ضيق ولم تعد الأمة قادرة على الدخول بتجارب تُدّخلها بمتاهات شبيه بالبارحة تؤدي إلى انزلاقها بمستنقع أكبر بما هي فيه من تهافت يصل إلى تتبع خبطات لأحذية غريبة على لغتها .

الملفت لدرجة تصل الغثيان ، ذلك التكرار اليومي والسنوي وأيضاً العقدي ، من الذهاب والإياب والالتحاق بالمدارس والجامعات من أجل الحصول على درجات علّمية تتحول تدريجياً إلى أوراق معلقة على الحائط أو رف مكتب ، كأن صاحبها عندما قرر أن يضعها في إطارها المخصص بها ، وضع نفسه قبلها ، ليصبح هو الأخر حالة مجمدة ، بل يتحول إلى جهل أمام واقع يتقدم بشكل يومي ، ما يحتاجه العربي فعلاً ، الوقوف أمام مرآة كبيرة بسعة أمّة كي يرى هذه الأعداد الهائلة التى تغادر بيوتها نحو المؤسسات التعليمية ، وقد يتساءل برئ ، حسن النية منحاز لعروبته بعد أن تضخم السؤال من عتق تخزينه بالفم عن الفائدة المرجوة ، حين عودتها ، إلا أنها كما تبدو ، المسألة تراجعت حتى باتت جميع العناصر ، متواطئة بصمتها ، يُلبي كل عنصر فيها لِرغباته الضيقة الأنانية ، فالأهل ينظرون بأن غياب الأولاد عن المنازل لمدة تتراوح السبع ساعات يومياً أمر غاية من السعادة بالإضافة كونه إنجاز قابل أن يحقق الفسحة للأم أن تغادر إلى وظيفتها أو تُنجز ما يترتب عليها من واجبات داخل بيتها ، يتخللها ثرثارات عميقة التفاصيل ، مقابل اساتذة تحالفوا مع الكسل وامتهنوا فن ، خِداع المهنة بعد ما اقتلعوا الضمير الانساني ، بل حولوا دوائر التعليم إلى ملجأ يلتجأ كل من ليس له فرصة في موقع أخر .

التربية سبقت التعليم ، أي أنهما مصطلحين مرتبطين غير قابلين للقسمة ، وعندما تسقط التربية ويبقى التعليم تكون الحالة اشبه بالعرجاء ، لأنها معادلة متكاملة ومنظومة متداخلة ، حدودها غير مرئية للكثير ، إلا أن نتائجها قاسية ومدمرة تصيب المجتمعات بالشلل النصفي ، وهذا تماماً ، واقع عربي صريح ، حاصله جمع شهادات عربية امتلأت الجدران بالعلم المتجمد لكنه منزوع من التربية ، فكيف لمن يمتلك المعلومة لديه القدرة على نقلها دون أساليب تربوية متجذرة في بنيويته ، أبداً ، لا يحصل ، ويبقى المتاح لهؤلاء الدوران داخل دائرتين لا ثالث لهما ، التجمد لدرجة الجهل أو الأكاديمي الأشبه بالمنشار ، يبحث عن أطراف يقطعها كي يملئ صناديقه المنتفخة .

اخر الأخبار