فتح بعد 45 عاما على الرصاصة الأولى .. أين بات الهدف – المشروع ؟

تابعنا على:   21:02 2014-12-13

 كتب حسن عصفور / انتهت 45 عاما من عمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح ، صاحبة التغيير الاستراتيجي في الواقع العربي والفلسطيني من خلال اقتحام منعطف كان له التأثير التاريخي في انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنح منظمة التحرير حيويتها وطاقة فعلها لتصبح ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني ، وتعود هوية الشعب التي تعرضت لأخطر عملية ' قرصنة' في التاريخ المعاصر هدفت لإزالتها من الوعي الإنساني العام والحضور السياسي المباشر بعد أن تمكنت الحركة الصهيونية بعد استعماري من اغتصاب الأرض الفلسطينية ، حاولوا لاحقا اغتصاب الذاكرة – الهوية فالوعي .. مؤامرة الاغتصاب للوطن أرادوا إكمالها لاغتصاب الوعي والهوية .. وهو ما لم يتمكنوا منه .. بل جاءت ولادة منظمة التحرير عام 1964 بقيادة المرحوم أحمد الشقيري كأول فعل سياسي منظم شامل ردا صارخا على ' وعي الكينونة ' المختمر عند الفلسطيني بذاته ولذاته .. جاء تشكيل وإعلان منظمة التحرير حدثا تاريخيا للرد على الهزيمة العامة عام 1948 وتعلن أن هوية الشعب الفلسطينية باقية وحية ومكانها ليس فارغا .. رسالة يجب أن لا تغيب عن وعي أي فلسطيني ( منتمي لوطنه وقضيته وليس مستخدما لها  ..(

تأسيس منظمة التحرير هو البداية السياسية لتصحيح مسار ' الاغتصاب' وبداية مواجهته وطنيا ، وجاءت انطلاقة حركة فتح يناير العام 1965 عبر الكفاح المسلح ليرسم ملامح خريطة حضور جديد للفلسطيني في التعبير والصحوة الوطنية .. فالرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية تتجاوز في قيمتها المعنى المباشر لتحرير الأرض من مغتصبيها كما حاولت فتح وعاصفتها القول في حينه ، فهي رصاصة اتجهت نحو حرب الوطني الفلسطيني على مؤامرة الاغتصاب والإذابة ، رد على فكرة ' تهويد الأرض والهوية ' بأشكال مختلفة أرادوها بعد اغتصاب الوطن وتشريد غالبية شعبة بين احتلال واحتواء ، فكانت الرصاصة لحظة تأريخ لمرحلة جديدة في الثورة المعاصرة للشعب الفلسطيني ، وهو ما بات يوما يفوق انطلاقة فتح بذاتها ، فأصبح يوما وطنيا تشارك به قوى الشعب الوطنية ، واستحق الاسم بجدارة :: انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة لفتح شرف الريادة به ..

وساهمت هزيمة يوينو – حزيران 1967 في تجديد قوة وطاقة الخيار الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ، فكانت ' المقاومة الفلسطينية ' وعمادها حركة فتح على موعد التوحد مع رغبة جماهير الأمة العربية لتحمل الرد الشعبي – الجماهيري على الهزيمة الأقسى للعرب في التاريخ المعاصر .. ليس فقط لاحتلال أرض عربية وباقي فلسطين بل لهزيمة سياسية فاقت الهزيمة العسكرية عبر مؤامرة استهدفت مصر نظاما ودورا لاحقا ومنعها من أن تتبوأ أي دور إقليمي مقابل الدور الإسرائيلي .. هدف لم يكن مرئي في حينه .. لكن استهداف النظام المصري دورا ومكانة كان أحد أهم أهداف الحرب العدوانية آنذاك .. فكانت الثورة الفلسطينية أمل الأمة وشعوبها في الانتقام ورد الاعتبار وانطلقت انطلاقتها العامة نحو الحضور الجديد بعد معركة الكرامة مارس – آذار 1968 .. معركة تحتفظ بها ذاكرة التاريخ العربي كونها أول مواجهة بعد هزيمة يونيو ، كانت كرد اعتبار نسبي لكرامة الإنسان العربي في مواجهة العدو القومي ..

وانطلقت الثورة بقوة غير متوقعة لتصبح ' أملا ' لكل من يعشق الحرية والتحرر في كوكبنا ، باتت الثورة الفلسطينية المعاصرة عنوان ' الأمل الثوري' الذي انتشر بسرعة البرق ، ساهم به ما صنعته حالة الالتفاف اللاطبيعي فلسطينيا وعربيا وفعل أعاد النهوض القومي الإنساني ، وربما ساهمت الظروف الدولية المعادية للعدوان والاستعمار في بقاع كثيرة من العالم ونهوض حركة شعبية ضد القهر والظلم والاحتلال في اندماج الفلسطيني التحرري بالعالم التحرري فكان العمق الإنساني الكبير بل والطاغي للثورة الفلسطينية ، تم خلاله مسح بعض أوجه هزيمة ما كان يجب لها أن تكون ..

وتمكنت فتح مع التحالف الوطني من قيادة منظمة التحرير الفلسطيني لترسم رؤية سياسية جديدة للشعب الفلسطيني وتصيغ برنامج المواجهة مع المحتل عسكريا وسياسيا , ورغم انطلاق المشروع من أهداف عامة إلا أنه بات مشروعا وطنيا للشعب الفلسطيني بمختلف أماكن تواجده وعبر إطار جسد كينونته كرد على المشروع الاحتلالي الإسرائيلي .. مشروع مقابل مشروع وهو ما شكل أول خطوات إعادة البناء للهوية والكيان وبداية ثورية جديدة لطرد الاحتلال ..

ومع تطور الحضور السياسي والفعالية الكفاحية للثورة وقدرتها على أن تكون القائد الشرعي الكفاحي لشعب فلسطين ، كانت الرؤية السياسية تتبلور معها ، فلم تقف فتح وبالتالي فصائل الثورة ومنظمة التحرير عند ' ثابت سياسي' مغلق ' بل استخدمت السياسي كعنصر دعم لفعلها الكفاحي ، ومع كل مرحلة كان يعاد صياغة الأهداف وفقا لمصلحة الهدف الأساسي ، إعادة الكيان والهوية عبر تحرير الأرض المحتلة .. أدركت قيادة الثورة والمنظمة برئاسة الرمز التاريخي وأب الحركة الوطنية المعاصرة ياسر عرفات ، أن مقاومة المشروع الصهيوني تتطلب دوما تطورا في صياغة وتحديد أهداف المشروع الوطني بعيدا عن ' الانعزالية السياسية' لكونها أدركت أن فلسطين بكل ما بها لم تكن ولن تكون قضية محلية بين طرفي معادلتها المباشرين ( الفلسطيني والإسرائيلي) ، بل هي ساحة صراع عالمي ، فكان الإدراك لهذه الحقيقة إثر التطور المتواصل لتصبح الفلسطينية حضورا لا رجعة عنه ..

وجاء الانتصار السياسي التاريخي ، بعد الانطلاقتين ( المنظمة وفتح – الثورة) في العام 1974 في مؤتمر القمة العربية بتكريس الاعتراف العربي رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني ، قرار تاريخي كرد لا يقبل التأويل على ' مشروع التهويد – الإذابة' الذي بدأ عام 1948 .. قرار كان ردا استراتيجيا على جوهر المشروع الصهيوني.. وهو حجر الأساس في بناء الكينونة الفلسطينية .. لذا كان هذا القرار وما زال عنوانا للمعركة الدائرة بين مشروع وطني وآخر تهويدي بأشكال مختلفة .. فالمؤامرة على منظمة التحرير هو تأمر على ذلك القرار بكل أبعاده التاريخية – السياسية وهو الهدف الذي يتلاقى عنده كل من عادى الحضور الكياني الفلسطيني .. وليس صدفة أن تقوم حماس – مجسدة فكر الإخوان المسلمين- من العمل بكل الطرق والأشكال للخلاص من منظمة التحرير الفلسطينية ( اسم حماس لا يوجد به أي إشارة للهوية الوطنية الفلسطينية وهو ليس تسمية مصادفة بل تسمية واعية) ، وهو ما تجد به إدارة أمريكا وإسرائيل وآخرون فعلا يستحق المراقبة ..

ومن نقطة الانتصار التاريخي سارت فتح مع فصائل العمل الوطني في إطار منظمة التحرير قدما نحو تكريس الانتصار السياسي عربيا ودوليا بعد أن تمكنت من تجسيده وطنيا داخل الوطن وفي الشتاب بشكل غير مسبوق .. انزوت معها كل الأدوات الاحتلالية المختلفة ، الأمر الذي أجبر إسرائيل على الدخول على مسرح استخدام قوى 'الإسلام السياسي' أواخر العام 1979 عبر السماح للمجمع الإسلامي – فرع الإخوان المسلمين في النشاط والفعل ، عله يكون أداة النهش الداخلي في جسد منظمة التحرير ، درس يحتاج لإعادة تقييم بعيدا عن ' الابتزاز السياسي ' الراهن .. جاء تفعيل دور الإخوان المسلمين في حينه لمواجهة منظمة التحرير كون إسرائيل تدرك أن صراعها الحقيقي هو المشروع الوطني الفلسطيني ببعده القومي – التحرري وليس مع حركة إسلامية مهما توسعت بحضورها ، فحصارها تحت الطلب عند الضرورة .. وتاريخ التجربة ما زال حاضرا في الذهن لمن يقرأ دور الإخوان وتحالفاتهم العربية ..

انتصرت الوطنية الفلسطينية رغم كل أشكال الحصار والتآمر وتمكنت من تكريس نصر سياس جديد عندما تمكنت بفعل وقوة الانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1987 من صياغة مشروع الاستقلال الوطني المرتكز على ' مبادرة الهجوم السياسي الفلسطيني – مبادرة السلام ' .. انتصار لصياغة وتحديد الفهم الكياني عبر دولة فلسطينية فوق الأرض المحتلة عام 1967 ، تحديدا جاء ضرورة ليصبح المشروع الوطني جزءا من الشرعية الفلسطينية .. ومن هناك جاءت ' العودة السياسية ' إلى الوطن الفلسطيني بعد أن أجبرت إسرائيل على توقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ، إجبار وإكراه رغم حجم المؤامرة الأمريكية في إلغاء التمثيل الفلسطيني المستقل وإضاعة مضمون قرار الرباط بفرض شروط تمثيلية على الشعب الفلسطيني .. شروط اعتقد الجميع أنها بداية النهاية للتمثيل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وبداية العودة لمفهوم ' شراكة التمثيل' ، فكانت اتفاقية أوسلو ردا استراتيجيا جديدا لحضور التمثيل الوطني .. ومعه نشأت أول سلطة فلسطينية في التاريخ على الأرض الفلسطينية وبقيادة رمز الشعب والهوية المعاصرة ياسرعرفات ..انتصار تاريخي على مؤامرة تاريخية .. إقامة أول بنية كيانية كرد على اغتصاب الوطن والهوية .. أول حصار للمشروع الصهيوني فوق الأرض الفلسطينية ..لذا جاءت حلقة تآمر جديدة شارك بها أطراف عدة كي لا تسير تلك الاتفاقية لنهايتها ..

قتل رابين ، أفعال عسكرية لضرب مصداقية السلطة ورئيسها ، نجاح الليكود المعادي لاتفاقية أوسلو ، إلى أن كان اغتيال الزعيم الخالد ياسرعرفات ، وصولا إلى فرض حماس بقوة المال والسلاح وضرب بنية السلطة قبلها ، على النظام السياسي ليدخل في مرحلة إعادة إنتاج ' مرجعية مدريد التمثيلية' شراكة من نوع جديد هدفها أولا إلغاء القرار التاريخي باعتبار منظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني بمشروعها الوطني التحرري ، مقابل ' شراكة' مخادعة ، ثم تشجيع مناكفة بديلة إلى أن تصل إلى فرض البديل ..

من هنا يأت السؤال لحركة فتح راهنا .. أين فتح من المشروع الوطني .. حماية وتطويرا واستمرارا .. سؤال لن يجيب عنه سوى فتح ذاتها .. وهل لا زالت تدرك مسؤوليتها القيادية في حماية المشروع الوطني .. تلك بعض مما على فتح إدراكه بعد السنوات الـ 45..

التاريخ : 31/12/2009