هيكل: السيسي لن يكفيه "نصف نجاح" وهو بحاجة لأن يثور على نظامه

تابعنا على:   10:16 2014-12-13

أمد/ القاهرة: وصف الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذكرى الرابعة لثورة يناير التي تهل مطلع العام المقبل، بأنها ستكون فرصة حقيقية لكي يقدم الرئيس عبد الفتاح السيسي "ليس فقط رؤية للمستقبل، وإنما تفسير لبعض ما جرى في عهد المجلس العسكري"، مشيراً إلى أن السيسي لم يعد أمامه سوى تحقيق نجاح كامل، "فهو لا يكفيه نصف نجاح، وإنما أصبح في حاجة لأشياء كثيرة لتحقيق هذا النجاح حتى تقف مصر على قدميها" .

قال هيكل في مستهل سلسلة جديدة من حواراته مع فضائية "سي بي سي" المصرية، ليلة أمس إنه رغم عظمة الإنجازات التي تشهدها مصر حاليا في كافة المجالات، إلا أن المستقبل لا يمكن أن يبنى على مصنع أو طريق أو قناة، "لكن يجب أن يوضع هذا كله في سياق ورؤية، وضمن نظرة نقدية لكل شيء، حتى نستعيد روح الثورة، سواء في 25 يناير أو 30 يونيو"، مشيراً إلى أن الشعب المصري الذي ثار في سبيل التغيير، "لابد أن نصغي لصوته، ولابد من الاستجابة لمطالبه" . ودعا الرئيس السيسي إلى أن يثور على نظامه، مشيراً إلى أنه يحتاج إلى أن يطرح على الناس رؤية أوسع من المشروعات، مستندا في ذلك إلى ثقة الناس به، وقال "لقد أعطاه المصريون ما لم يمنحوه لأحد منذ عهد جمال عبد الناصر، لكن هذا يحمله مسؤولية أكبر، وهو أن يقدم رؤية وأن يقف بجوار ما يعتقد أنه صحيح" .

ووصف هيكل عصر مبارك بأنه كان عصر تجريف مصر من كل شيء، من مواردها الطبيعة والبشرية، مشيراً إلى أن محاكمة مبارك جنائيا لم تكن هي المسار الصحيح، وإنما الحل منذ البداية هو محاكمته سياسا، وهو أمر لم يعد بالإمكان تحقيقه اليوم بعد مثوله أمام القضاء . ودعا السيسي إلى تشكيل لجنة حقيقية وجدية لتقصي الحقائق حول العديد من القضايا التي جرت في عصر مبارك، تقدم تقريراً وافياً إلى مجلس النواب القادم، ليناقش الأمر في جلسات سرية وعلنية، للوصول إلى قرار في القضية، مشيراً إلى أن هذا موضوع لا يمكن أن يمر، أو أن تكون نهايته "روح منك لله" .

ووصف هيكل الجو السياسي في مصر بأنه "مملوء بالالتباس وفيه تلوث"، مشيراً إلى أن صناعة الأخبار سواء في مصر أو في الخارج، انتقلت من مواقع رسمية إلى قوى حقيقية مؤثرة في المجتمع، وقال "في إنجلترا على سبيل المثال، أصبحت الجامعات أهم من المخابرات الإنجليزية"، بينما أصبح دور مواقع السياسة هو تنسيق السياسات وإعلانها، فيما انتقلت عوامل صنع القرار ومكوناتها إلى أماكن أخرى، من بينها نواد مثل "جريك وكارلتون ووايت"، وهي نواد سياسية يذهب إليها الأمراء الجدد في بريطانيا، وهم أمراء الاقتصاد والمراكز الدولية والدراسات، وهي نخبة جديدة تنشأ بدلا من نخبة قديمة تقع، ما يجعل الحصول على أخبار من هذه الأماكن، أكثر ألف مرة من الذهاب إلى مقر مجلس الوزراء أو البرلمان . وأضاف "لقد أصبح دافوس الآن، أشد تأثيراً من اجتماعات الجمعية العامة، وحارة حريك في بيروت أهم بكثير من السراي أو قصر بعبدا، الذي يقطنه رئيس الجمهورية في لبنان"، لافتا إلى أن بعض الفضائيات في مصر أصبحت تمارس دور الأحزاب .

وعرج هيكل في حواره إلى رحلته الأخيرة إلى عدد من العواصم الأوروبية، مشيراً إلى أن بعض الدوائر في لندن والغرب، لم تعد تخفي مخاوفها من التقاء القوات المسلحة مع الوطنية المصرية، ولا تسعد باقتراب الجيش من الحيوية الوطنية، لكنهم في النهاية يتقبلون الأمر الواقع، وينتظرون ماذا سيصنع الجيش مع الأيام، وماذا ستفعل به الأيام، ومتى تدهمه الحقائق، مضيفا أن "هناك مراقبة وهناك نوعاً من المتابعة لدرجة الابتزاز" . ووصف إقدام عدد من السفارات الغربية في القاهرة على إغلاق أبوابها بأنه "دلع أكثر من اللازم"، مشيراً إلى أن هناك من يشعرون بظروف الانكشاف التي تمر بها مصر، ويتصورون أن الفرصة أكبر للابتزاز للحصول على أكبر قدر من الامتيازات، مطالبا أن يكون لمصر في المقابل هيبتها، لافتاً إلى النفوذ الذي تحظى به "إسرائيل" في بريطانيا، وقال لقد تركنا "الإسرائيليين" في مرحلة من المراحل يقومون بدراسة حزام الفقر المحيط بالقاهرة وبعض العواصم، لافتا إلى أن هناك من يريد الآن أن يحول حزام الفقر المحيط بالقاهرة إلى "حزام نار" . وأضاف أن السيسي رغم أنه يعرف كل شيء في مصر، ويحفظ الأرقام، إلا أنه قابل ما لم يتوقعه، وهو أن "الحقيقة أعمق من الأرقام"، وقال "الناس تعبت من قلة الموارد، والثورة لم تصنع شيئاً للدولة، على الرغم من نداءات التغيير وهي نداءات حقيقية وعميقة" . وأضاف "يجب أن نكون منصفين في النظر إلى الشباب وكثير منهم اليوم غاضب وناقم، لكننا يجب أن نفهم أسباب ذلك ودواعيه، وفي مقدمته أن هؤلاء الشباب ابتعدوا عن العمل السياسي لفترة طويلة، فيما الشباب الجديد الموجود الآن نافد الصبر، خاصة أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تمارس ضغوطاً عليهم" . وتابع "أعتقد أن الرئيس السيسي الذي يحفظ أرقام المتعطلين، لم يضع في اعتباره الحالة النفسية لهؤلاء المتعطلين، فيما مطالب التغيير عولجت بمنطق التسيير" .

وعرج هيكل إلى محاكمة القرن، وحكم البراءة الذي حصل عليه مبارك في قضية قتل المتظاهرين، مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية التي عانتها مصر طوال سنوات حكم مبارك، هي أننا لم نكن "أمام فساد دولة، ولكن دولة فساد"، وقال "عندما نحاكم مبارك بمقتضى قوانينينه وأجهزته، فإن هذا هو الشيء الخطأ، لأنه من البداية كان يجب أن تكون المحاكمة سياسية"، معبرا عن اعتقاده بأنه "تمت التضحية بناس ككبش فداء، لتغطية كل شيء في المحاكم"، مثل وزير التجارة الأسبق رشيد محمد رشيد، مبينا أن الخطأ الحقيقي في موضوع تصدير الغاز، هو أن العقود حررت طويلة المدى مع ثبات الأسعار، بينما كان يجب أن تترك الأسعار وفقاً لأسعار السوق . ورأى أن الخطأ الرئيس هو أننا لم نضع قواعد لمحاكمة سياسية بعد الثورة، مشيراً إلى أن الثورة من حقها أن تضع دستورها وقانونها، طبقاً لرؤى جديدة وحقائق جديدة، وهذا لم يحدث، بل إننا واصلنا العمل بنفس المنهج، حتى صدرت الأحكام ببراءة مبارك . وأضاف "كانت هناك بعض الأمور التي صاحبت المحاكمة محل تساؤلات، من بينها مثلا اختصاص قناة تلفزيونية لأن تكون هي صاحبة البث"، مضيفا: "أنا لا أفهم أن يقوم قاض كما يقول، بأنه استأجر منزلا على حسابه، ثم يسمح لمحطة فضائية بأن تطوف في أرجائه لتصور وثائق القضية، مثلما لا أفهم أن يجلس على المنصة ويوزع نياشين وشهادات"، فيما الدكتور فؤاد رياض القاضي السابق بمحكمة العدل الدولية، ورئيس لجنة تقصي حقائق ما بعد 30 يونيو، تصرف بشكل مختلف، حينما كتب تقرير تقصي حقائق رابعة العدوية، وانتهى إلى خلاصة، ثم تحدث عن عصر مبارك وفساده . وقال هيكل، برغم أن هذا خارج السياق، إلا أنه في صميم الموضوع، لأنه أحد الأسباب التي أدت إلى الفوضى خلال 30 سنة، ولم يجر عليه حساب، وكان مدخلا لوصول الإخوان إلى الحكم، حيث جاءوا يقولون أشياء بعينها، في جو تسود فيه حالة من النقمة من أجواء جرت، لم يحاسب من صنعها على شيء، وهو ما أدى إلى تسليم حلم الثورة لكابوس الإخوان . ولفت إلى جلسة جرت في أوائل ثورة 52 شارك فيها جمال عبد الناصر، واللواء محمد نجيب وجمال سالم، وكان معهم السنهوري باشا وسيلمان حافظ، وكان الحوار يدور حول الإصلاح الزراعي، فما كان من السنهوري باشا إلا أن قال ردا على حديث لعبد الناصر: "يابكباشي جمال هذا الكلام غير دستوري، لأن دستور 23 لازال يعمل به"، فما كان من الرئيس جمال عبد الناصر إلا أن رد: يا دكتور سنهوري وهل أنا دستوري؟

وقال هيكل: "إذا أردنا أن نتحدث عن الدستور، فإنه وفقاً للدستور فقد كان لابد أن يحاكم المجلس العسكري بتهمة العصيان والتمرد على مبارك، لو تم تطبيق دستور 1971 الذي كان سارياً" . وأضاف "ما تم تناوله في قضية الغاز على سبيل المثال، عن أسباب تصديره ل "إسرائيل"، كان يسمح للقاضي بأن يقول هذه قضية سياسية، وأنا لست مختصا بها"، مضيفا: "هناك معلومات كثيرة في هذه القضية تشير إلى أن السياسة كان لها دور كبير، وأن هناك اعتبارات أخذت للأمن القومي بما لا يجعل القاضي قادرا على الحكم فيها، ما كان يوجب عليه أن يردها إلى جهة مختصة تنظر فيها، حتى لو كانت في جلسات سرية" .

ووصف هيكل رجل الأعمال حسين سالم، بأنه "مفتاح ما جرى في هذه الفترة"، مشيراً إلى أنه كان موجوداً بجانب مبارك يمارس دوراً يحتاج إلى ضوء كبير، "وهو ضمن الألغام الغاطسة في التاريخ المصري التي ليس لها جواب"، وقال ان مبارك قام ب"ترييف مصر" فأصبح سهلاً تديينها، وأصبح العمدة الجالس على الجسر من السهل عليه أن يأخذ الناس إلى الزاوية، ما اسهم في دخول البلاد في مشكلات خطرة جداً لا قبل لنا بها، وقال إن ما جرى خلال سنوات مبارك يعد مصيبة ثقافية وفكرية وإنسانية وحضارية، "وأنا عندما أرى الناس في الشارع أرى أننا عدنا إلى عصر ما قبل محمد علي" . وقال انه لم يعد باستطاعة أحد الآن أن يقول بأن يخرج مبارك من محاكمة جنائية إلى محاكمة سياسية، لكني أعتقد أنه كان في مقدور رئيس المحكمة، ولا يزال في مقدور الدولة المصرية برئاسة السيسي، أن يقال تابعنا الإجراءات وهي محترمة والأحكام صحيحة، لكن هناك قضايا سياسية مهمة جداً، ونحن لسنا جهة تحقيق، وبالتالي ستكون هناك لجنة تقصي حقائق حقيقية وجدية، سوف تقدم تقريرا إلى مجلس النواب القادم، ليناقش الأمر في جلسات سرية وعلنية، للوصول إلى قرار في القضية، لأن هذا موضوع لا يمكن أن يمر أو أن تكون نهايته "روح منك لله" . وقال هيكل أن الموارد المصرية والبشرية تم تجريفها طوال عصر مبارك، مشيراً إلى أن الوضع في مصر يحتاج الآن، إلى أن يتقدم كل من يستطيع المساعدة، مشيراً إلى أنه لو حدث تراجع كبير في أسعار البترول، سيقل دخل الدول المساعدة لمصر بنسبة 40%، مضيفا: "إذا لم نستطع التصرف بمقتضى ضرورات في مواجهة المستقبل، فإنني أخشى أن نتحول إلى بلد فاشل، وهذا ما لا ينبغي أن يحدث لا لهذا البلد ولا للأمة" .

ووصف هيكل عودة كثير من رجال مبارك إلى الساحة حاليا، بأنه "أمر يدعو للقلق"، مشيراً إلى أن العودة الواضحة لرجال مبارك تتم بطريقة تستدعي الشك على أقل تقدير، بل إن هناك صحفا تتحدث ليس فقط عن عودة رجال مبارك، ولكن تتحدث عن أنه شخصيا سوف يعود . وتابع أنا لا ألوم الصحافي الذي أظهر مبارك على إحدى الفضائيات، لكني ألوم المناخ العام الذي سمح لبعض الفضائيات، لأن تتحول إلى أحزاب، وألوم الجو الذي يقف خلف هذا، لأني أعتقد أن أنياب المصالح ظاهرة بأكثر مما تقتضيه الأمور، وهي "أنياب للفتك وليست للضحك" . وأضاف، أنا أرى أن "الرئيس السيسي يجب أن يقوم بثورة حتى على نظامه، وهذا ليس مستحيلاً فمستقبل هذا البلد يحتاج إلى نظرة متجددة" .

ووصف الكاتب الكبير الخلافات بين 25 يناير و30 يونيو بأنها خلافات مصالح، مشيراً إلى أن من يتعاملون على أن 30 يونيو هي الحقيقة، يظلمون 30 يونيو نفسها، مشددا على أن 25 يناير تتوافر فيها كل مواصفات ومقومات الثورة، من يوم 25 يناير وفي الثلاثة أيام فيما بعده، مضيفا: كل أمر بعد ثلاثة أيام أو بعد فترة معينة يدخل إليه كل من يرغب في استغلاله، وقال ان مصر قبل الثورة كانت تعاني تآكل قوتها الناعمة، وان هذه القوة عادت في الثلاثة أيام الأولى من الثورة بقوة وربما أكثر مما كانت عليه، حيث رأى الناس شعبا يرفض ويعبر عن نفسه، وبيانات الجيش المصري أيضا كلها في هذه الفترة ساندت الشعب، مشيراً إلى أن الجيش في هذا الوقت شهد نقلة كبيرة جداً، وجزء من هذا الفضل يعود ليس للسيسي فقط بل لثلاثة أعضاء آخرين من المجلس العسكري من بينهم عبد العزيز سيف الدين وحسن الرويني . وتابع: لقد أثبت الجيش في 25 يناير أنه في موقعه الطبيعي، كجيش للوطنية المصرية وليس جيش السلام، مضيفا أن يناير ثورة حقيقية جاء من استولى عليها بدون وجه حق، ثم جاءت 30 يونيو ليستعيد الشعب ثورته وما حققه، وما هو ملكه وهذا صراع على المستقبل وليس صراعا شكليا . واعتبر هيكل أن حماية الثورتين لا تكون عن طريق القانون، في إشارة إلى ما أعلنه الرئيس السيسي عن صياغة قانون بتجريم إهانة ثورة يناير، وأضاف: "الحماية تتمثل في أن يقال بوضوح إن ثورة يناير ثورة حقيقية، ولا يضيرها أن هناك من حاول سرقتها، وأن هناك من دخل يتلاعب في الميدان، أو أن المجلس العسكري تصرف وقتها على نحو غير جيد، ما أوصل الإخوان للحكم" . وقال هيكل "هناك من له مصلحة في القول بأن يناير ليست ثورة"، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن هناك من لا يريد ل30 يونيو أن تكون امتدادا لثورة 25 يناير، وإنما يريد فقط أن يصورها على أنها انقلاب عسكري، وكأنه تمت إزاحة الإخوان وعدنا إلى أيام مبارك في حين أن الثورة أكبر من ذلك.

اخر الأخبار