اغتيال أبو عين حدث عابر أم لحظة فارقة

تابعنا على:   22:03 2014-12-11

د.إبراهيم ابراش

وانا أشاهد عبر التلفاز العملية الإجرامية لجيش الاحتلال وهو يهاجم بوحشية مواطنين ومتضامنين اجانب يحملون شجيرات زيتون ليغرسوها في أراضي قرية ترمس عيا الفلسطينية ، وكيف قام الجنود بالإمساك بخناق الوزير المناضل زياد ابو عين والانهيال عليه ضربا ... استحضرت صورة مشهد المتضامنة الامريكية راشيل كوري وهي تقف أمام جرافة إسرائيلية في قطاع غزة لمنعها من تجريف الزيتون والارض وهدم البيوت ، وكيف دهستها جرافة الاحتلال يوم 16-3-2003 دون أن تتزحزح الفتاة عن موقعها ، واستحضرت مشهد الفتى فارس عوده وهو يقف امام الجندي الدبابة الإسرائيلية متحديا جبروت الاحتلال بصدره العاري وعيونه المليئة بالتحدي متسلحا بحجارته الصغيرة ، وكيف استفز هذا الطفل جيش الاحتلال الذي صمم على قتله وقد فعل ذلك يوم التاسع من يناير 2000 واستحضرت مئات المشاهد لصور البطولة والتحدي التي يبديها المواطنون الفلسطينيون والشعوب المتضامنة معهم للاحتلال وممارساته ، وهي مشاهد تُزين وتوشح تاريخ طويل من العطاء على كافة المستويات والذي لم يتوقف منذ عام 1948 .

نعم ، كما سقط الشهيد زياد ابو عين وقبله محمد أبو خضير ، سقط اكثر من الفي شهيد في قطاع غزة خلال خمسين يوما فقط من عدوان يوليو 2014، كما قدم الشعب الفلسطيني مئات آلاف الشهداء في معاركه من اجل الحرية والاستقلال منذ سقوط الشهداء الثلاثة جمجوم والزير وحجازي عام 1929 إلى شهداء معركة الكرامة 1968وكل شهداء معارك الغربة المفروضة علينا ، وانتهاء بشهداء العدوان الاخير على قطاع غزة . ولكن طريقة استشهاد زياد أبو عين وما تركت من تداعيات كما هو الحال باستشهاد فارس عوده وراشيل كوري وعشرات غيرهم ممن استشهدوا خلال ممارستهم المقاومة السلمية تستحق وقفة تأمل وبحث .

مع كامل تقديرنا واحترامنا لكل شهداء فلسطين الذين سقطوا نتيجة مواجهات مسلحة مباشرة بينهم وبين الاحتلال ، ومع تفهمنا بأن بعض هذه المواجهات لم تكن خيار المقاومين بل فرضتها الأحداث ، فإن الحصيلة السياسية والعسكرية لهذه المواجهات لم تكن في مستوى الخسائر والاضرار التي لحقت بالشعب والارض الفلسطينية . المواجهات العسكرية المباشرة بالسلاح والصواريخ وعبر الانفاق والعمليات الاستشهادية الخ ، لأنها لم تُمارَس في إطار استراتيجية عمل وطني ، بل كانت تمارس بشكل فصائلي ودون استراتيجية عسكرية مدروسة واحيانا لخدمة اجندات خارجية ، ولأنها لم تراع دقة وصعوبة الظروف الديمغرافية والجغرافية وخصوصا في قطاع غزة ، كما لم تراع متغيرات الاحداث من حولنا وحساسية الراي العام العالمي من بعض العمليات العسكرية ، لكل ذلك فإن المقاومة المسلحة وبالرغم من شرعيتها دينيا ودوليا و قانونيا فإنها ارتدت سلبا علينا .

تداعيات استشهاد ابو عين وكما جرى في انتفاضة شباب القدس قبل ايام في مواجهة تدنيس المقدسات ، وقبل ذلك تجربة انتفاضة الحجارة في بدايتها قبل ان يتم تجيييش الشعب ، تؤكد أن المقاومة السلمية في بعض الظروف التاريخية – كالظرف الحالي - أكثر جدوى وأهمية من العمليات العسكرية المباشرة . عندما تندد الأمم المتحدة على لسان أمينها العام بعملية اغتيال ابو عين كما فعل كثير من القادة والمنظمات والدول ... ليس لأن أبو عين وزيرا في السلطة الفلسطينية ، بل لأنه مواطن فلسطيني قام بحق طبيعي بمقاومة سلمية حضارية في مواجهة الاستيطان . ما أثار العالم أن الشهيد ابو عين لم يكن مسلحا ببندقية ولا حتى بحجر بل بشجرة زيتون وبعشرات المتضامنين الاجانب والإسرائيليين ليزرعوا شجرة الزيتون وليؤكدوا أن هذه الارض أرض فلسطينية محتلة كما قالت الـ 138 دولة التي اعترفت بفلسطين دولة تحت الاحتلال .

لكم نتمنى في هذه المرحلة الفارقة في التاريخ الفلسطيني حيث تتزايد عزلة إسرائيل ويشتد خناق المقاطعة عليها ، وتتعرض لانتقادات تتعاظم يوما بعد يوم بشكل لم يحدث في تاريخ إسرائيل كما يعترف قادتها انفسهم ... ، كم نتمنى أن تتبنى القيادة والفصائل جميعا استراتيجية المقاومة الشعبية بحيث يخرج آلاف المواطنين بصدورهم العارية وبأعلام فلسطين وشجيرات الزيتون ليقفوا أمام الحواجز الإسرائيلية وأمام الجدار العنصري وليقتحموا المنطقة ( ج - c) والتي هي وصمة عار لأنها نتيجة اتفاق لم يعد قائما اليوم مثلها مثل التنسيق الأمني ، وأن تكون هذه الهبة مصحوبة بوقف للتنسيق الأمني . هذا الحراك الشعبي في الضفة يجب أن لا يقتصر على حركة فتح التي قدمت زياد ابو عين أحد قادتها من اجل فلسطين ليُضاف لآلاف شهداء معارك فتح في الخارج والداخل ، بل يشارك في هذه الهبة كل الاحزاب والفصائل بما فيها حركة حماس والجهاد الإسلامي وتحت علم فلسطين فقط ، وبتنسيق كامل مع القيادة الفلسطينية ، والتي بدورها تجعل هذه المقاومة السلمية عاملا مساعدا لتحركها الدبلوماسي للاعتراف بالدولة وتحديد موعد لأنهاء الاحتلال.

في مقابل هذا الحراك الشعبي في الضفة والقدس يتم في قطاع غزة تشكيل قيادة وطنية مؤقتة أو لجنة قيادية مؤقته للأزمة للبحث في شكل المقاومة السلمية التي يمكن ان تكون في قطاع غزة ، كالخروج في مسيرات حاشدة تحت راية فلسطين وشعارات موحدة ، وقد ترتأي القيادة الميدانية المؤقتة توجيه الحشود إلى الحدود مع إسرائيل والاعتصام على طول الحدود لأيام ، وغيرها من وسائل المشاركة في المقاومة الشعبية . تستمر هذه التحركات سواء في غزة أو الضفة وحتى في الأردن والشتات على الاقل حتى مرور التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار الفلسطيني / العربي بعد أيام ، وعلى ضوء التصويت والقرار الصادر من مجلس الأمن يمكن تحديد الخطوات اللاحقة ، والتي قد تصل إلى ضرورة ممارسة المقاومة المسلحة أو حرب التحرير الشعبية إن وقفت واشنطن أمام تمرير القرار أو رفضت إسرائيل تطبيقه في حالة صدوره .

لقد قالت القيادة الفلسطينية وعلى راسها الرئيس أبو مازن أن صبرها نفذ ولا يمكن أن تستمر الأمور على حالها ، وفي نفس الوقت يتم التأكيد أن المقاومة المسلحة غير مجدية في هذه المرحلة ، يبقى السؤال ما العمل ؟ لقد شاهدنا كيف أن كل الاعترافات التي حصلت عليها فلسطين كدولة غير عضو ثم اعترافات برلمانات أوروبية بدولة فلسطين ، كل ذلك مهم ولكنه لم يوقف الاستيطان ولم يردع إسرائيل عن ممارساتها ، وحتى بعد الحصول على ما نريد من مجلس الأمن وبعد الانضمام لمنظمة الجنايات الدولية ، فكل هذه الامور عوامل مساعدة وانجازات تؤخذ بعين الاعتبار ، ولكنها لوحدها لن تحرر أرضا ولن تُقيم دولة ، لذا فإن إطلاق يد الشعب لمباشرة المقاومة الشعبية ، وإعادة النظر بالتنسيق الأمني ضرورة وطنية لا تتعارض او تتناقض مع الحراك الدبلوماسي للرئيس والسلطة .

قد يرى البعض أنني متفائل تجاه ما يمكن للسلطة أن تقوم به أو أُحَمِلها أكثر من طاقتها ،وأن ما يتم الحديث عنه من تهديد بوقف التنسيق الامني وتفعيل المقاومة الشعبية كرد على جريمة اغتيال الشهيد ابو عين مجرد كلام إعلامي أو محاولة للتغطية على مأزق السلطة ، دون نية حقيقية بالقيام بهذه الخطوات . لا شك أن إقدام السلطة على هذه الخطوات يعني الدخول في مواجهة مع الاحتلال ، وهذا ما يجب ان يكون ولكن في إطار استراتيجية وطنية لمواجهة تداعيات قيام السلطة بهذه الخطوات ، وخصوصا أن السلطة قد تتذرع في ترددها بوقف التنسيق الأمني بإسرائيل قد ترد على وقف التنسيق الأمني بوقفها للتنسيق المدني والاقتصادي والإجراءات على المعابر وتحويلات الأموال للسلطة الخ .

حتى مع تردد السلطة الفلسطينية في الإقدام بهذه الخطوات لأنها باتت أسيرة اتفاقات ومصالح متبادلة مع إسرائيل ، فعلى الشعب والفصائل وخصوصا حركة فتح مباشرة هذه الخطوات ، لأنه من الخلل الخطير والمرفوض أن يكون السقف السياسي لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير نفسه سقف السلطة ، بل أرى من المهم أن تباشر حركة فتح ، وخصوصا في الضفة الغربية ، قيادة الجماهير الشعبية في حراكها السلمي دون أن تنتظر قرارا من الرئيس ابو مازن الذي تقيده وظيفته كرئيس للسلطة على القيام بمسؤولياته كرئيس لحركة التحرر الوطني الفلسطيني – فتح - .

واخير ا فإن حالة الحصار التي تمر بها إسرائيل دوليا ، وتداعيات استشهاد أبن فتح زياد أبو عين ، وحالة الاحتقان في كل الاراضي الفلسطيني ، كل ذلك يشكل فرصة تاريخية ولحظة فارقة لحركة فتح لتنفض الغبار عن نفسها كحركة تحرر وطني ، وفي حالة إقدامها على ذلك ستستنهض وتجدد نفسها كما ستستنهض المشروع الوطني