حفل توقيع ونقاش رواية عازفة الناي في مركز يبوس الثقافي

تابعنا على:   08:00 2014-12-05

 أمد/ القدس: في مركز يبوس الثقافي وبحضور عدد كبير من كتاب ومثقفي القدس، ورواد ندوة اليوم السابع تمت مناقشة رواية "عازفة الناي" للأديب المقدسي عيسى القواسمي عن دار الشروق في رام الله وعمّان، وتقع في 384 صفحة من الحجم المتوسط.

بدأ النقاش ابراهيم جوهر حيث أشاد بالرواية شكلا ومضمونا ولغة.

وقال عبد الله دعيس:

هل محكوم على من يتخلى عن القدس بالشقاء والضياع؟ وهل من أحب القدس عاشت روحه فيها واندمجت مع جدرانها ولو هلك ومرت عليه الدهور والعصور؟

تحكي "عازفة الناي" حكاية القدس، حكاية من أحب القدس فأصبح جزءا منها، غالب الزمن وانتصر على الموت ليعيش في أكنافها، وحكاية من تخلى عن القدس وتنكر لها، فلفظته بعيدا، وتحولت حياته إلى حيرة وشقاء.

عازفة الناي فتاة عاشت في الزمن الغابر، لكن روحها أبت أن تغادر المدينة التي أحبتها، فسكنت أحد جدرانها، وما فتأت تظهر لأولئك الذين يتخلون عنها، تعزف بنايها، تدعوهم إليها، تدعوهم ليعودوا. لكن أولئك يظنون أنها تنازعهم رغباتهم وأهواءهم التي باعوا القدس من أجلها.

تخلى ربحي عن القدس، وباع بيت والده الذي يربض في قلب المدينة قريبا من مسجدها الأقصى لأولئك الغرباء، مقابل أن يشبع نزواته، باع القداسة على طاولة القمار، فكان قدره أن يموت مشنوقا في الصحراء. تبعته عازفة الناي بنايها المشروخ تدعوه لأن يعود. خرجت من جدارها الذي أقامت فيه لمّا أدركت أن الجدار سيصبح بيد الأعداء، لكنه تمادى في ضلاله، واسترسل في غيه، وتزوج من يهودية ولم ينتبه إلى عِظَم خطيئته إلا عندما قرر أن يترك الحياة منتحرا. فالقدس لا تغفر لمن يخونها.

عادت عازفة الناي إلى كوَتها، تناجي بهاء، عندما أحست فيه نزعة إلى هجر مدينته. طُرد بهاء من بيته، واستباحه المستوطنون. لم يخرج بهاء من مدينته وإنما سكن أحد فنادقها، رافقته عازفة الناي، التي هي روح المدينة، تؤجج في نفسه مشاعر الغضب، وتثير فيه القدرة على الصمود والنضال من أجل استرجاع بيته ومدينته. لكن بهاء، أو الفتى كما يلقبه الكاتب، سقط عند أول نزوة، انشغل عن صوت الناي بصوت الجيتار الذي كانت تعزفه غانية ألمانية في الغرفة المجاورة. تخلى عن حلم العودة إلى بيته ليصبح همه في الحياة حب هذه الغريبة، وبدل أن تكون عازفة الناي هي الروح التي تقوده إلى الانعتاق من أصفاد الاحتلال، وتقوده كي يعود إلى بيته الذي اغتصبه المستوطنون، أصبح نايها، في نظره، هو الذي يحول بينه وبين الاستمتاع بجيتار هيلينا الألمانية، وأصبح طيفها هو الذي يمنعه أن يتلذذ بجسد هيلينا. أصبح عشق هيلينا هو ما يؤرقه، وانساق وراءها لكي يبعد عازفة الناي عن روحه وقلبه. فكان مصيره شبيها بمصير عمّه ربحي، تنتهي الرواية وهو ثمل وملقى في صقيع جبال الألب. هذا قدر من يتخلى عن القدس.

رواية "عازفة الناي" هي مزيج بين الحقيقة والخيال. مزيج بين العالم المادي المحسوس وبين الأخيلة والأحلام والوساوس وهذيان السكارى. يظن القارئ في البداية أن الكاتب سيتناول موضوع القدس، سيقود صراعا من أجل أن تستعاد بيوتها من أيدي المستوطنين، لكنه سرعان ما يدرك أن الكاتب يقوده بعيدا عن القدس وصراعها مع الاستيطان، إلى قصة عشق عادية بين شاب من هذه المدينة وفتاة غريبة عنها، وتصبح أحداث الرواية تدور حول هذا العشق والصراع مع ذلك الطيف الذي جاء من أعماق التاريخ ليفسد هذا العشق. لكن القارئ لا يستطيع أن يتعاطف مع بطل الرواية، بهاء، الذي ما عاد يذكر بيته الذي اغتصبه المستوطنون، والذي بدأ مشواره يبحث عن الحقيقة، حقيقة تسرب بيته للأعداء واختفاء جده واستشهاد والده، ثم أصبح بحثه لأجل أن يستطيع أن يستمر في حب هيلينا. ثم يهجر القدس ليعيش في ألمانيا بالقرب من عشيقته.

يبدع الكاتب في وصف الأماكن بلغة جميلة أنيقة، فيرسم صورة جميلة لمدينة القدس، يأخذك في أحيائها وأزقتها، فتزور كنائسها وتجوب أسواقها وكأنها صورة ماثلة أمامك، ثم يقودك في رحلة صحراوية إلى وادي القلط، يصف طرقها ومغرها وأديرتها بدقة بالغة، ويرسمها بريشة فنان مبدع. ثم يصطحبنا في نهاية الرواية في رحلة عبر ألمانيا إلى الغابة السوداء التي تحتضنها جبال الألب بقممها البيضاء في رحلة جميلة مشوقة.

ويدير الكاتب حوارا بين الشخصيات بأسلوب جميل، لكنه أحيانا يعمد إلى شرح حقائق تاريخية وجغرافية أثناء الحوار، فيتحول الحوار إلى ما يشبه درسا يلقيه معلم حاذق. أعتقد أن هذا الاستطراد في وصف الأماكن والحكايات التاريخية قد أضعف الحوار وأخرجه عن سياقه، وربما كان من الأفضل أن يذكر الكاتب هذه المعلومات المهمة، والتي تنم عن سعة اطلاعه وثقافته، خلال السرد لا ضمن الحوار.

هل القدس هي مدينة الفضيلة والصلاة والجهاد والصبر والرباط أم هي مدينة السكر والقمار والعشق الحرام؟ عندما تبحر في رواية "عازفة الناي" وتعيش أحداثها، تعيش بين مجموعة من السكارى والواهمين. تنتقل من نوح السكير وأوهامه وتنبؤاته، إلى هيلينا التي تعاقر الخمر وبهاء الذي يتمنع عنها في البداية، لكن الرواية لا تنتهي حتى يعاقرها. ولا نلمح خلالها طهر عازفة الناي وعفة أبناء القدس وتضحياتهم. يبعدنا الكاتب عن جوّ القدس الروحاني المتصل بالسماء ليجعلنا نعيش في لحظات الخطيئة التي يقترفها بعض أبنائها.

وأتساءل، لِمَ يصرَ الكاتب على تلقيب بهاء بالفتى، أليست الفتوة تحمل معاني القوة والأنفة والتضحية والحماس؟ لكن بهاء لم يكن كذلك أبدا، بل كان عنوانا للضياع والانكسار والهزيمة والضعف؛ كان ضعيفا أمام أعدائه ثم كان ضعيفا أمام نزواته وعشقه. ولا أعلم لماذا جعل الكاتب بهاء يزور بيته وهو في يد المستوطنين، ويرى تلك الفتاة اليهودية المذعورة التي تسكن غرفته. هل يريدنا الكاتب أن نتعاطف مع المغتصب؟ أنا لا أعتقد أن هذه الزيارة واقعية أو يمكن أن تحدث في الحقيقة؟ ولا أعتقد أنها أضافت شيئا إلى الرواية.

ربما تاه بهاء في صقيع الغربة في ألمانيا، وربما ينجح الغجر في سلخ عازفة الناي من روحه ليعيش في نعيم عشق هيلينا، أو ربما يموت سكرانا هناك على شاطئ تلك البحيرة البعيدة. إلا أن عازفة الناي ستعود حتما لتسكن في كوّتها هناك في ذاك الجدار في مدينة القدس، تؤرق ليل المغتصبين وتعزف بنايها لحنا رقراقا يلهب مشاعر الصامدين، ويدغدغ شعورا روحانيا شفيفا في أنفسهم، بعيدا عن هذرات السكارى والخائنين.

وقال راتب حمد:

عيسى القواسمي يحلق عالياً بعد همسٍ للقدس بكلمات المحبة والوفاء في خطواته الاولى عام 2008م. ما يلبث أن يعلن شغفه بالقدس باصرار وتأكيد في العام 2009م؛ ليكتب الى أي درجة يتعلق بالقدس، ثم ينزح نحو القمر عام 2010م؛ ليرسم لنا لوحة جريئة مليئة بالأحداث لما يدور في أروقة السلطة في رام الله، يسافر بعيدا مهاجرا ولكنه يبقى مصرا على العودة؛ لأن الخروج كان من الشاطئ البعيد 2012م بلغة وخطوات واثقة؛ ليضيف الى رصيده إبداعا آخر بعزف على الناي 2014م. يتغنى بروعة القدس وقداسة المكان والزمان، كلمات يرسم فيها خريطة القدس، يأخذنا من حيّ إلى حيّ، يرسم الحيّ بريشة كاتب مبدع مطورا أدواته الكتابية، يخرج ويحلق في الروحانيات في "عازفة الناي" حكاية القدس الحب والانتماء، أو التعاسة والضياع، ندم و جفاء للنفس ليهرب الإنسان من ذاته.

دعوة للبقاء والتمسك بكل ذرة تراب من تراب القدس وأسوارها وأحجارها، وهنا تكمن حقيقة أسرارها، فالقدس لن تغفر لمن لا يعطيها حقها، وإلا فإن مصيره أن يطعن نفسه أو يقتل نفسه لا أن يقتله الناس، فالناي وأشجانها صوت الضمير الصادق المنتمي الذي لا ولن يموت،

وسيبقى هذا الصوت يلاحق بأشجانه أولئك الذين يبيعون أنفسهم لشهوات آنية، ثم لا يلبثون أن يستيقظوا من غفلتهم.

بهاء المتعلق بالقدس وحبها يتبعه عزف الناي ليجسدها الحب ويصدح بأعذب الألحان حبا ووفاء وعشقا للقدس – بل لكل ذرة تراب تراب، هذا العشق هو ما سيبقى يورق مضاجع الأعداء والطامعين بالقدس.

بهاء وهو يعيش الحيرة والألم بفقد وأمه و بيته، وهو يسكن مع نفسه لحظة تأمل لليل القدس من خلال شرفة أحد الفنادق بباب الخليل، يترك لحن الوفاء وعزف الصدق والحب والإنتماء الى عزف الضياع، والهروب مع غيتار مستورد ليتعلق به وبصاحبته "هيلينا" التي تأخذه الى سبيل آخر بعيدا عن الأصالة الى الضياع، ومن الانتماء الى الضلال، من بيت سكنت فيه

أرواح الأجداد المتمسكين بالدين والذي يعبق برائحة السماء والتاريخ المقدسي من هؤلاء الذين سكنوه، وتركوا رائحة التصوف والعبادة بالمكان الى هناك، حيث تعيش مجموعة من الغجر بلا انتماء لأرض ووطن، سحر وشعوذة، فهل أراد كاتبنا أن يقول ذلك بغض النظر عن المكان والزمان، وقد أبدع بلغته الرائعة جمال لا بعده جمال، بوصف يأخذنا الى سحر المكان ليسحر عقل الفتى، ربما ولكن البعد عن القدس وترابها وحبها وقداستها أعاد عليه عازفة الناي هناك تلاحقه تصدح بلحن الوفاء، والانتماء للقدس ولمن يعيش بها لتقول له كن وفيا، فالقدس تستحق الكثير وأن هناك ما زالت وردة تنتظر، ونجوى بحاجتك وحجارة البيت ما زالت مكانها، وإلا فبن المصير مرهون بأن يعيش الخائن مقتولا ومقهورا بذاته، فلا تبتعدوا عن القدس وكم هي الطيور المهاجرة كثيرة ما انفكت تتغنى بموال العودة والعيش هنا، فكيف إذا كان عيسى القواسمي يحفظ القدس ويرسمها بريشة الابداع من خلال رواياته، والتي بقيت حاضرة لا تفارقه أبدا، كيف لا والقدس عند عيسى صاحبة الفكرة الاولى لا يغادرها، ولا تغادره فالقدس تستحق ذلك، وعيسى كان عند حسن الظن.

وقال عماد الزغل:

هي رواية مكانية بامتياز، فالمكان يحتل الحيز الأكبر في الرواية، وهو الذي يوجه أحداثها، ولا عجب في ذلك، فإذا كانت القدس هي مكان الرواية فلا شك أنها هي التي ستوجه الأبطال وتتحكم في مصائرهم.

فالمكان، وهو بيت في البلدة القديمة في القدس، قد سكن قلب بهاء وهو بطل القصة قبل أن يسكنه بهاء، واحتلال المستوطنين للمكان هو الذي تحكم في مصير بهاء، وتفريط ربحي في المكان وندمه على ذلك هو الذي دفعه للانتحار.

والمكان المقدس في وادي القلط هو الذي دفع الراهب فرانك إلى الاعتزال في حياته هناك. والمكان هو الذي أتى بالفتاة الألمانية هيلينا إلى القدس فأسرها المكان، ولولا أنها المانية لبقيت في القدس.

كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه دوما لأول منزل

ولذلك فالصراع في الرواية هو صراع أمكنة، حتى إن روح البشر قد حلت في المكان ورفضت التخلي عنه، مما أرق حياة المستوطنين فيه. ومما يحسب لكاتب الرواية أنه أحسن وصف المكان بكل دقائقه وتفاصيله، وجعل الأمكنة في الرواية تتحدث وتفصح عن نفسها. بل إن الكاتب قد تمتع بقدرة فائقة على استنطاق ثقافة المكان، وبوحه بكل أسرار من سكنوه، ولا أدلّ على ذلك من وصفه لكنيسة القديسة حنة التي غدت مدرسة للفقه الإسلامي قبل أن تعود كنيسة كما كانت.

بل إنك تذهل من قدرة الكاتب على وصف فرانكفورت، وهي المكان الثاني في الرواية، وخط سير هيلينا وبهاء حتى وصلا إلى ذلك البيت على شاطئ بحيرة في الريف الألماني، وكأن الكاتب ألماني من سكان تلك البلاد. والمكان هو الذي احتل غلاف الرواية حيث صورة أحد أزقة البلدة القديمة، إن كل زاوية في أزقة البلدة القديمة تحكي قصة مجاهد أو زاهد أو عابد، وبعضها الآن يحكي قصة خائن أو سمسار أو متآمر مع الاحتلال، فالعقارات المسربة للمستوطنين أصبحت تحمل اسم من باعوها، فهذه الدار التي باعها فلان وهذه الأرض التي سرّبها فلان.

إن وفاة والدة بهاء بعد أن ألقيت خارج بيتها تحكي قصة نزع روح المقدسي عندما ينتزع عقاره، وهذا ما يحدث بالضبط، فأبو كامل الكرد رحمه الله توفي بعد يوم أو يومين من انتزاع عقاره في الشيخ جراح، وهي الرسالة التي أراد الكاتب أن يوصلها إلى القارئ، فالمقدسي مسكون بعقاره وبيته ودكانه، وهو حريص على أن يموت قبل أن يلحقه أي عار ببيع عقاره كما حدث في بعض البيوت في الآونة الأخيرة.

إنها حكاية القدس المسكونة بأرواح الشهداء والنساك والزهاد والمجبولة بدماء المجاهدين، والتي تأبى دائما أن يسكنها غيرهم، وليت الكاتب ألقى الأحداث في القدس ونحى بنهاية الرواية منحى آخر، فأعاد البطل إلى القدس وإلى روح عازفة الناي التي تجسدت في وردة وهي الأمل الفلسطيني القادم.

وقال جميل السلحوت:

وهذه هي الرواية الخامسة للكاتب القواسمي، فقد صدر له قبلها

همس الظلال عام 2008، الشغف عام 2009، النزوح نحو القمر عام 2010 و"من الشاطئ البعيد" عام 2012

و"عازفة النّاي" جاءت بأسلوب ومضمون مخالفين لسابقاتها، ويسجّل لصالح الرّواية أنّ حملت في طيّاتها معلومات وتاريخا لبعض كنائس ومساجد وأسواق والزوايا الصوفية في القدس القديمة وسورها التاريخي، وكان السّرد الروائي متناسقا وعاليا في الرواية، لكن الذي لفت انتباهي هو اعتماد شخوص الرواية على الأحلام والخرافات والروحانيات، وبدلا من أن يتركهم الكاتب يتحركون دون تدخّل منه، ظهروا وكأنّهم مسيّرون ومحكومون لخرافات غيبيّة، ويعلمون مصائرهم وما سيجري معهم لاحقا من خلال هذه الغيبيات، مع أنّهم في غالبيّة "نبوءاتهم" كانوا سكارى، فالعم "نوح" كان متسوّلا وسكّيرا، لم يرتدع عن ذلك إلّا في أواخر حياته التي قضاها في ملجأ بقرية العيزرية القريبة من القدس القديمة، وهيلينا تلك السائحة الألمانية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، والعازفة الموسيقية التي عشقت الفتى المقدسي بهاء الدّين وعشقها كانت لا تتجلى إلّا وهي في حالة سكر، بل إنّها قادته هو أيضا إلى السّكر حتى الثمالة خصوصا بعد أن رافقها إلى المانيا. والغجري الألماني خوسيكا وابنته تويلا أيضا كانوا سكارى.

فهل كانت عازفة النّاي التي يظهر طيفها لهم وليدة خيال لا منطقيّ أم ماذا؟ لكن أحداث الرّواية تنبئ بأن بهاء الدّين وعشيقته هيلينا كانا يتحركان بناء على نبوءات هؤلاء السّكارى، كما أنّ البيت "الصّوفيّ" الذي تملكه عائلة بهاء الدّين تبيّن أن عمّه ربحي قد باعه للمستوطنين، وهرب للعيش في بئر السبع حيث تزوّج يهوديّة، وقد قتل والد بهاء الدّين وجدّه في ظروف غامضة وهم يحاولون استرجاع البيت! ومع ذلك فإنّ العمّ بعد وفاة زوجته اليهودية ووفاة ابنه الوحيد منها"شمعون" قد قام بتربية حفيدته "وردة" تربية عربية اسلامية، وكان حلمه أن يزوجها لبهاء الدّين ابن أخيه "الشهيد"، حتى أنه انتحر تاركا وصيّة لبهاء الدين كي يتزوج وردة.

وتحريك شخوص الرواية بناء على "الرّوحانيات" والغيبيات" لم يقتصر على "نوح" والغجري الألماني وابنته، بل شاركهم فيه أيضا الكاهن الألماني "فرانك" الذي يعيش في دير في واد القلط ما بين القدس وأريحا، وهو عشيق سابق لهلينا.

فما الذي هدف إليه الكاتب بهذه "الغيبيات والخرافات"؟ وهل تاريخ القدس مبنيّ على خرافة؟ أم أنّ من يصنعون تاريخ القدس الحديث يعتمدون على الغيبيّات؟

وقالت سوسن عابدين الحشيم

تحكي الرواية قصة بهاء الدين المقدسي والمعروف بكنيته ابن الشهيد، والذي يعيش مع والدته في احدى زقاق البلدة القديمة بالقدس، يبدأ الكاتب روايته بحديث يدور في عقل بطل الرواية بهاء حيث يذكر بطريقة فلسفية الخيال والحلم الذي كان يسكنه، ولا يستطيع نسيانه، ثم يدور حوار بينه وبين هذا الحلم وهو فتاة الناي التي كانت تعزف على اوتار عقله وقلبه، فتجعله شارد الذهن يفكر فيها دائما...كان بهاء طيلة المدة التي عاشها بالقدس مشغولا بهذا الحلم، يريد ان يعرف ماهيته وتفسيره، لكن دون جدوى، فيستيقظ من حلمه؛ لنرى انه يعيش في بيت ورثه من أبيه وجدّه مع والدته، وله اخت متزوجة تعيش بقربهم...لكن تتوالى الظروف لنرى بهاء قد تعرض لصدمة جعلته عاجزا عن فعل أي شيء، وهي محاولة الاحتلال الاستيلاء على بيته، وأمر من المحكمة باخلائه، يحاول جاهدا طلب استئناف من المحامين، لكن يد الاحتلال تبطش به وبأمه، فتداهم البيت وتطرد أمّه وترمي بكل ما في البيت الى الخارج أمام أعين الناس المقهورة، والمستسلمة لما يحصل؛ لأنها تعجز ان تمنع بطش الاحتلال وجبروته وظلمه لهم، يسرد الكاتب الوقائع التي يمر بها بهاء بعد خسرانه للبيت، حيث تبين أن عمّه باع البيت لليهود قبل خمسين عاما، ويوجد أوراق تثبت ذلك...كان عليه ان يفكر كيف يعيش...ذهبت أمّه لبيت أخته، ولكنه رفض مرافقتها، وذهب لفندق امبريال في باب الخليل، وحجز له غرفة فيه...هذه حال الناس التي شردت وطردت من بيوتها من قبل المحتلين وألاعيبهم في الاستيلاء على بيوت القدس، لقد أدخل الكاتب شخصية نوح العجوز السكير المتسول، والذي كان صديقا للعائله ولعمّ بهاء بالذات، ذهب اليه بهاء ليستوضح منه كيفية بيع البيت، ولكن نوح لمح له بان الموت يحوم حوله، عاد بهاء مسرعا الى بيت أخته ليجد أمّه المريضة قد توفيت، بكى عليها بكاء المنكسر؛ لأنه شعر بقسوة الحياة واليتم، موتها يختلف عن موت أبيه، أمّه قتلت قهرا ومهانة وانكسارا، لقد قذفوها خارج جدران بيتها وكأنها قطعة من الأثاث، لا قيمة للروح المعذبة الممزقة عندهم، لم يمهلوها لتعيش سنوات مرضها الاخيرة. ما يميز الرواية ذكر أسماء الأزقة والحواري والشوارع في مدينة القدس، وبعض المعلومات التاريخية، فيخلدها في روايته لتبقى ذكرى عالقة للاجيال القادمة، بالرغم من محاولة الاحتلال تغييرها أو محوها، لانهم دائما يسعون لطمس معالم القدس والبلدة العتيقة.

يأخذ الكاتب بسرد الاحداث التي تلي خسران بهاء للبيت وأمّه، فنراه في الفندق يتعرف على فتاة ألمانية، وتبدأ من هنا روايته معها، فهو مترجم ويتقن اللغات الاجنبية، تقوم بينهما صداقة قوية تتحول الى حب، ولكن فتاة الناي التي يراود طيفها له ويمنعه من التمتع بصداقته مع الفتاة الالمانية التى تدعى هيلينا، كان يزوره الطيف اينما يكون لتعزف له على الناي، فيصدح صوت الناي بكل مكان يكون فيه مع صديقته، كان هذا الطيف يشغله جدا، وهنا يذكرنا الكاتب بطيف هملت في مسرحية شكسبير، حيث كان طيف ابيه يزوره دائما ويحثه على معرفة الحقيقة والانتقام من عمه، شعر بهاء ان وراء هذا الطيف قصة يجب معرفتها، وهي تحاول ان تسحبه الى الصحراء؛ يذهب الى نوح ليجده قد توقف عن شرب الخمر والتسول، وانه سيعيش بقية حياته في ملجأ، قابله وعرف أن عمّه يريد مقابلته، وأنّه نادم على فعلته المشينة في بيع البيت، وانتهت بتشريد العائلة، افصح له نوح أنّ عمه يقطن في صحراء النقب في بيت اشتراه هناك، وقد توفيت زوجته اليهودية، وله منها ابن تربى في بيئة يهودية، ولكن لم يمهله القدر ليعيش طويلا، فقد خسر العم ابنه وزوجته وتوفيا، ولكن تركا ابنة لهما، اخذ العم حفيدته ورباها كما يريد واسماها وردة، اراد العم ان يقابل بهاء ويوصيه على حفيدته، لم يلبّ بهاء رغبة عمه في مقابلته، فلا يوجد أيّ عذر يسمح له ببيع البيت، ولا يستطيع ان يكفر عن خطيئته بأي ثمن كان. تتوالى الاحداث في الرواية ويصل خبر لبهاء ان عمه قد انتحر، وان حفيدته عند نوح وعليه مقابلتها، ترك عمه وصية بمناصفة تركته بينه وبين حفيدته، ويعرض عليه الزواج من حفيدته ليطمئن عليها، يذهب بهاء ليقابل الحفيدة عند بيت نوح فينبهر بجمالها الساحر، وتحدث معها ووعدها بانه سيصبح مسؤولا عنها، وسوف يرعاها، وأخذها عند أخته ولكن رفض عرض عمه بالزواج منها، أو أخذ أيّ شيء من أملاكه أو ماله، كان رد وردة ان الطيف سيرجعه اليها يوما ما .... يعرض الكاتب موقف هيلينا من الشعب الفلسطيني، فهي أتت الى القدس بطلب من أبيها الذي يدعم المؤسسات اليهودية، ويدعم المتضررين من حادث الهولوكست، لكن هيلينا عارضت أباها بعد ما اكتشتفت أكذوبة هذه المعتقدات الخاطئة بالكارثة ... ورأت كيف تتعامل اسرائيل مع الشعب الفلسطيني .... هيلينا أحبت بهاء وحاولت ان تنقذه من الطيف الذي يحول بينها وبينه، حيث كان يظهر لهم دائما كلما يكونان معا، وأرادت يوما ان تتحدى طيف فتاة الناي، وبدأت بالعزف على قيتارها، وعلت أصوات الناي والقيتار كلتاهما تعزف لتتحدى بعضهما امام دهشة بهاء وانبهاره، اختفى صوت الناي وابتعد الناي وتراءى لهيلينا انها هزمت الطيف، كما استعانت بصديق لها الراهب فرانك؛ للتخلص من الطيف، لكنه لم يجد نفعا، اقترب موعد سفر هيلينا ورجوعها الى فرانكفورت بلدها، ولكنها أصرت ان تصطحب معها بهاء، لتنقذه من الطيف الذي يؤرق حياتهما، يوافق على السفر معها مع بعض التردد، حيث يتجلى له وجه وردة الوافر الجمال فيتخيلها دائما، يسهب الكاتب في روايته فيقص علينا سفر بهاء وهيلينا ووصولهما الى المانيا، واستقبال والديها لصديقها الفلسطيني والذي أبدى أبوها بعض التوتر من اعتبار ضيافته له تعارض مصالحه الشخصية مع اليهود، ووصف المدن هناك، ورسم لوحات فنية لمناظر الطبيعة الخلابة، التي أبهرت بهاء الى حد كبير، وجعلته يعيش أسعد أيامه بصحبة هيلينا، لكن الطيف يعود للظهور، وهيلينا مصرة على التخلص من الطيف، ووردة شعرت بالغيرة منهما لاستحواذهما على تفكير بهاء، كانت الطريقة في الخلاص هي الاستعانة بأصدقائها الغجر،، فتأخذ بهاء اليهما وهناك يختم الكاتب روايته بعرض طريقة انتزاع الطيف من جسد بهاء، يبدو ان الكاتب لديه قدر من الثقافة في علم الارواح، حيث شرح بدقة ما يجري عند استقطاب الاطياف، ومحاولة استفزازها لتخرج من الجسد التي تتمثل فيه، يسرد الكاتب سلسلة الاحداث التي يمر بها بهاء اثناء محاولة الغجر، وهما خوسييكا وابنته تويلا انقاذ بهاء من الطيف، يستخدمون علم الطاقة والنجوم لاجل معرفة حقيقة هذا الطيف، فيتبين لهما ان الطيف يعود لفتى من الزمن القديم تعرض لهجوم من لصوص، وهو مع فتاته فتفديه الفتاة بنفسها وتموت، لتحميه وتتجسد روحا في وردة تطالب الفتى بتعويضها لما خسرته من حياتها لأجله، كما ان الكاتب لديه ثقافة في الأساطير اليونانية حيث قص في روايته اسطورة يونانية للآلهة أبولو الذي تحدى احد الاشخاص بالعزف وقد تفوق عليه، لا شك ان الكاتب في روايته اتجه الي الأسلوب السلس في سرد الاحداث بلغة سهلة، والتي تواكب أسلوب الجيل الحالي، وجعل النهاية مفتوحة، لا نعرف ماذا حصل لبطلب الرواية بهاء وهيلينا، فقد ختم الكاتب بصورة كليهما ممدا على الشاطئ مغشيا عليهما بعد رؤية الاطياف متجهة نحوهما، وهنا يدعنا الكاتب نتساءل هل سيعيد الطيف بهاء الى القدس أم لا؟

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: نسب أديب حسين، ديمة جمعة السمان، رشا السرميطي، د.سناء العطاري، د.طلال أبو عفيفة.

اخر الأخبار