رجل ذو خيمة واحدة ( قصة قصيرة)

تابعنا على:   22:45 2014-12-04

محمد جبر الريفي

هطل المطر في ذلك المساء غزيراً فنظر عبد ربه إلى سقف خيمته التي تأويه بعد أن قصف الإسرائيليون بيته أثناء الحرب، لحس دمعة حارة سقطت على شفتيه المقطبتين وهو يتخيل ذلك البيت الجميل الذي تحول في لحظات إلى كومة كبيرة من الحجارة والحديد، كان البيت كبيراً وواسعاً ومكاناً هادئاً للسكن، أشجار البرتقال التي تحيط جنباته والممر العشبي الذي يصل إلى بابه الرئيسي ونبتة الياسمين التي تسلقت على واجهته الأمامية، أقل من كيلو متر واحد وتمتد أراضي فلسطين المغتصبة عام 1948م، تلك الأرض الممتدة التي لا حدود لها والتي تلامس خط الأفق فتبدو السماء فوقها كبحيرة من الضباب كان ينظر إليها متحسراً، يغمض عينيه في لحظة حزن ويهمس بينه وبين نفسه: كم من أقدام الآباء والأجداد مشت في تلك الشعاب؟ وكم من الرعاة جالوا في أرجائها فامتزجت أصواتهم بأنغام الشبابة والأرغول؟.. الخيمة تهتز والمطر يتساقط والضياء الخافت المنبعث من مصباح الكاز يتراقص بتوافق تام مع هبات الريح والليل الطويل الذي يهبط في تلك البقعة المظلمة مبكراً والأولاد وأمهم يغطون في سبات عميق بعد أن انفضت السهرة التي كانوا يركضون فيها وراء الأوهام لقد أكلوا ما تبقى من غذاء الظهيرة الذي طهي على ألواح الخشب وأغصان الشجر وبعدها خلدوا إلى صمت طويل أشبه بصمت المقابر.. قبل أن تنام أم ياسر قامت وأحضرت كوباً من الماء ووضعته بالقرب من فراش زوجها عبد ربه فهي تعرف إنه يعاني من مرض السكري وقد اعتادت أن تضع له ذلك الكوب وعندها يشيعها بعين من الرضا منتظراً يومه القادم.. وحانت من عبد ربه التفاته إلى ابنه البكر ياسر، لقد رآه منكمشاً تحت بطانية خفيفة وحقيبته المدرسية بجانبه، بالأمس جعله البرد يتلوى من الألم لأن جزءاً من الخيمة كان قد اخترق على نحو جعل البرد يتسرب الأمر الذي جعله هو الآخر يعاني من ألم في خاصرته اليسرى أتاه تململ الابن الثاني وصوته الهزيل الذي يعلن فيه عن عطشه، قام بدفع كوب الماء إليه فرأى ابتسامة شاحبة على وجهه، أخذه من يده وأجلسه بجواره وربت على كتفه وأخذ يمسح ظهره بيده وعندما رآه ينظر إلى صينية كبيرة فوقها طبق من الفاصوليا البيضاء قال له: هل أنت جائع؟ فنظر إليه ابنه الصغير في صمت حيث تعثرت الكلمات في فمه فجذب عبد ربه الصينية ووضعها أمام ابنه قائلاً: كل فرفع الابن الصغير يديه الناعمتين وأخذ يأكل.. كانت الساعة تقترب من وقت الفجر عندما سمع عبد ربه أصوات الطائرات الإسرائيلية الأباتشي تهدر فوق خيمته استيقظت زوجته وحملقت في أولادها ولفح صوت الطائرة اللعينة قلبها وعقلها فسرى الخوف والرعب في أوصالها فتحركت يدها المرتعشة تلملم أولادها لتقربهم إليها في حركات عصبية مذعورة ففتح الأبناء كلهم عيونهم وأخذوا يفركونها بأصابعهم وحاول عبد ربه أن يقول شيئاً يهدأ من مخاوفهم تحركت شفتاه ولكن الكلمات لم تخرج.. إنه لا يعرف في الحقيقة ماذا يقول.. أيقول لهم إنكم تعيشون مثل باقي الناس وعند ذلك سيكذب على نفسه لأنه قال ما يغاير الحقيقة.. ظل صامتاً فسأله عندها ابنه الكبير ياسر قائلاً بحدة: هل سنبقى هنا في هذه الخيمة يا أبي؟ وراحت أم ياسر تحدق في زوجها عبد ربه، تصطك أسنانها من الخوف وتقول هي الأخرى بحدة: نريد بيتاً ولو بالإيجار فنظر إليها زوجها غاضباً وقال: قلت لك ألف مرة لا بيوت خالية هذه الأيام فحدق عند ذلك ياسر ببلاهة في وجه أبيه، حاول أن يحرك شفتيه ويقول وأين الأموال التي جمعت لإعمار البيوت التي هدمتها الحرب ثم أخذ ينظر إلى إخوته الصغار بإشفاق وهم يطلون برؤوسهم ولا يجرؤون على دفع الأغطية من فوق أجسادهم النحيلة فنظر عبد ربه ساعتها إلى ابنه الكبير ياسر بسرور وكأنه يقول له لقد كبرت بالفعل يا ولدي ما أجملها عبارة لو قيلت بصوت عال يسمعه كل الناس لقد شعر عبد ربه في تلك اللحظة المليئة باليأس أن ابنه البكر ياسر قد نضج في تفكيره وأصبح رجلاً.. إنه لم يعد صغير.. كل ذلك والأبناء الصغار يختلسون النظرات من تحت الأغطية الرقيقة، شيء واحد كانوا يصغون إليه بخوف، كان صوت الطائرات يبتعد وسط الظلام فأحس عبد ربه بالراحة وأخذ نفساً عميقاً ثم أشعل سيجارة ومص دخانها بعنف فيما كان الأبناء ينهضون تباعاً الجو بارد والسماء ملبدة بالغيوم السوداء والصمت الموحش مطبق على المنطقة وأم ياسر اتخذت مكانها في الخيمة التي اعتادت أن تجلس في ركن بها، لقد استمدت شجاعتها في تلك اللحظة من صوت المؤذن لصلاة الفجر فشعر عبد ربه براحة ربانية فعدل من جلسته تاركاً الفراش وهو يتمتم بكلمات الحمد وقد غالبته الدموع وقف أمام الخيمة ولمح مجموعة من الكلاب تركض وراء بعضها وسط الظلام، نظر إلى السماء فرآها ما زالت ملبدة بالغيوم ثم مد يده إلى إناء مملوء بالماء ليتوضأ قبل أن تهب الريح الباردة ويسقط المطر، بدأ يقرأ في الصلاة بلسانه وقلبه، عيناه تدمعان وأطال السجود والدعاء، لم يرتد مرة أخرى إلى الفراش فكان كل ما في الخيمة قد استيقظ وتخلص الجميع من الصمت وعندما خرج ياسر إلى المدرسة كان ضياء الشمس قد ملأ المكان، كانت خطوات الناس قد بدأت تدب في البقعة المحيطة بالخيمة حيث تنتشر خيام أخرى كأنها بقايا أطلال قديمة،طلع الصباح ففضح نوره معالم تلك المنطقة فظهرت آثار الكارثة المؤلمة للعيان، خرج عبد ربه من خيمته لينطلق إلى المدينة، يفتح عينيه في نوبة ألم وحسرة، يقف مستنداً إلى جذع شجرة كبيرة يبث همه للريح البارد الذي يلسع وجهه وللعصافير التي بدأت تستيقظ من أعشاشها فوق قمم الأشجار المتهدلة يقف في كآبة لا حدود لها منتظراً سيارة تلتقطه ثم تدفعه إلى حيث الشقاء.. في المدينة أخذ يسأل عن وزارة الشؤون، عن الجمعيات الخيرية وعن الكوبونات وعن المساعدات التي ابتعدت عن العيون.. من أين تأتي هذه الأشياء؟ وإلى أين تذهب؟! راح صوته يخفت من كثرة السؤال.. في طريق العودة إلى الخيمة كان يبذل جهداً كبيراً ليحافظ على هدوئه وصمته!! .

اخر الأخبار