من الإضعاف إلى التفتيت إلى التذويب

تابعنا على:   09:58 2014-12-04

د. قدري حفني

إن قيام دولة مصرية قوية أمر تتحسب له أطراف عديدة على رأسها قوى الاستعمار القديم والحديث، لقد كان الهدف القديم هو إبقاء مصر ضعيفة منكمشة داخل حدودها؛ وتم زرع الدولة الإسرائيلية باعتبارها الضمان لاستمرار تحقيق هذا الهدف.

وبلغت محاولات الإضعاف هذه ذروتها فى العصر الحديث فى يونيو 1967 بانكسار مصر فى هزيمة مروعة، و كان المتوقع أن تنكفئ مصر على جراحها وتنكمش ضعيفة مهيضة الجناح داخل حدودها؛ ولكن سرعان ما تمت إعادة ترتيب الأولويات بحيث يحتل الإعداد للمعركة رأس القائمة مزيحا كل ما عداه إلى مراتب تالية، وكانت حرب الاستنزاف وتوجها انتصار أكتوبر ثم معاهدة السلام، وأصبح واضحا أن الاكتفاء بتحجيم مصر و إضعافها لم يعد كافيا؛ فهى قد تضعف و تنكمش داخل حدودها، ولكنها لا تلبث أن تتملص وتنهض من جديد. ومن ثم تحول الهدف من «الإضعاف» إلى «التفتيت» وانطلق نفير كريه منتحلا عباءة الإسلام مصطنعا تأويلا دمويا للدين، ورحنا نعانى من نيران الفتنة الطائفية التى استمرت سنوات، والتى تصدت لها الكتلة الوطنية المصرية من مسيحيين ومسلمين.

ولم يكن بد من دعم الهدف القديم بهدف جديد ليمتزجا ويصبح الهدف الموحد هو تذويب الحدود المصرية ليندثر الوطن المصرى تماما، فلم يعد كافيا مجرد «أسلمة» نظام الحكم المصرى؛ فالأنظمة قابلة للتغيير، والمطلوب هو القضاء على ذلك الوطن المزعج. ولم يكن تحقيق ذلك الهدف بالأمر السهل؛ فقيام الأوطان واندثارها لا يخضع لقرارات مهما كان مصدرها، فلا بد من السعى لدفع المصريين دفعا للاقتناع بأن حدود وطنهم مصطنعة لا قيمة لها، وأن وطنهم هو عقيدتهم الإسلامية التى تمتد حدودها عبر الأوطان، وبدأ التنقيب فى التيارات الإسلامية الموجودة بالفعل داخل النسيج الوطنى لانتقاء تيار بعينه يكون جاهزا لتنفيذ حلم استعادة الخلافة الإسلامية التى تذوب تحت مظلتها حدود الأوطان.

ولم يكن اختيار قوى الاستعمار التيارات الإسلامية أمرا عشوائيا؛ فالشعب المصرى شعب متدين، وهو فى نفس الوقت يعانى من تحديات التخلف وتعثر التنمية؛ ولم يكن صعبا فى ظل هذا الواقع أن يرجع معاناته إلى ابتعاده عن «الإسلام الصحيح»، بالإضافة إلى أن الحلم بإحياء الخلافة الإسلامية ضارب الجذور لدى شرائح من تيارات الإسلام السياسى على رأسها جماعة الإخوان التى لم تخف هدفها النهائى مطلقا منذ البداية، فالسيف والمصحف شعارها المرسوم والإعداد لما يستطيعون من قوة لإرهاب «العدو» هو الشعار المكتوب، وليس صعبا بقليل من الجهد أن يتحول إعداد القوة إلى ممارستها، وأن يتجسد «العدو» فى أولئك «العلمانيين» المتمسكين بحدود الوطن.

وتزامن ذلك مع صعود نجم بن لادن واجتذاب «القاعدة» مقاتلين من شتى أنحاء العالم الإسلامي؛ وكان المطلوب من بن لادن والقاعدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أن تتوجه نيرانها صوب العالم العربى لإقامة «الخلافة الإسلامية»، وعرفنا فى بلادنا تعبير «المجاهدين العائدين من أفغانستان»؛ ولكن ما جرى فى 11 سبتمبر الشهير قلب الصورة والموازين. لقد انحرفت نيران القاعدة لتدمر برجى التجارة وتسقط 3000 مواطن أمريكى مدني. ورغم الجهود الهائلة العبثية لتبرئة القاعدة وبن لادن من هذه الجريمة؛ إلا أن «أولياء الدم» الأمريكيين اتهموا بن لادن صراحة؛ والأكثر غرابة أن «المتهم» اعترف فخورا بجريمته؛ واقتص منه أولياء الدم علنا وعلى رءوس الأشهاد. وهكذا احترقت القاعدة، وخفت مؤقتا الأمل فى تذويب الحدود الوطنية فى ظل خلافة إسلامية.

و تجدد الأمل من جدبد بعد النجاح فى صبغ ثورات الربيع العربى بصبغة إسلامية، إلى أن كانت النهاية المأساوية لحكم الإخوان المسلمين فى مصر؛ ولم يكن بد من خلق كيان جديد أشد تطرفا يجمع كافة الخيوط المبعثرة من تيارات الإسلام السياسي، فكان تنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام». ولعله من اللافت أن نيران ذلك التنظيم قد التزمت بالهدف تماما هذه المرة، فاتجهت تحديدا نحو الدول العربية «المسلمة» التى دمر الاستعمار وحدتها الوطنية منطلقة منها إلى بلادنا؛ وخلال ذلك والشهادة للحق - فإن طلقة واحدة من طلقات دولة «الخلافة الإسلامية» لم تضل طريقها لتتجه بعيدا نحو أى هدف غير مسلم سواء كان سفارة أو بنكا أو مطارا أو حتى مستوطنا، بل إن تلك «الدولة الإسلامية» تدعو أنصارها من الغرب للتوجه شرقا للالتحاق بصفوفها، بدلا من دعوتهم مثلا للجهاد فى بلدانهم «النصرانية الكافرة»؛ بل إنها تدعو أنصارها من الفلسطينيين أيضا للالتحاق بصفوف مجاهديها بعيدا عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

وها نحن نشهد اليوم قوى «الدولة الإسلامية» تدق بواباتنا الشرقية والغربية، وأعلامها السوداء تتسلل داخل الوطن، مستندة إلى قوى إقليمية ودولية تقدم لها الدعم المادى والسياسى والإعلامى والفكرى والحقوقي.

لعله من نافلة القول أنه لا عيش ولا حرية ولا عدالة اجتماعية بدون وجود وطن. ألا يدعونا ذلك لترتيب أولوياتنا الوطنية، والعودة إلى شعار «لا صوت يعلو على صوت التصدى للإرهاب».

عن الاهرام

اخر الأخبار