نصر اكتوبر وتحولات في الخطاب السياسي العربي

19:06 2013-10-06

محمد جبر الريفي

سجلت حرب اكتوبر اول انتصار تكتيكي عسكري لصالح العرب ضد اسرائيل لكنها اظهرت في نفس الوقت طاب السياسي العربيبشكل ملحوظ بداية التحولات على مفهوم الصراع في المنطقة فأزاله اثار العدوان لا يمكن ان تتم بدون تسوية سياسية تقوم على اساس المفاوضات المباشرة بين الاطراف المعنية وعلى صعيد هذه التسوية السياسية والحلول السلمية بدأت الولايات المتحدة الامريكية تتبوأ بمكانة هامة على مسرح البحث عن تسوية في المنطقة للصراع العربي الاسرائيلي وهو صراع طويل تتشابك فيه العوامل الاقليمية والدولية ويأخذ ابعادا خطيرة وجديدة في كل مرحلة من المراحل ولا شك ان من جملة هذه الابعاد الطاقة النفطية التي تعتبر عصب الحضارة الغربية وعماد الاقتصاد الامريكي ومن هذا المنطلق كان لا مناص ان تلعب الولايات المتحدة الدور الاساسي ( الشريك ) بين اطراف الصراع وبما يؤمن مصالحها الحيوية ومقتظيات الامن الاسرائيلي في المنطقة , ولعله بذلك يمكن القول ان مضامين الخطاب السياسي العربي بدأت منذ ذلك تعبر عن مصالح النخب السياسية العربية ضمن التحالفات الطبقية الحاكمة والتي تشابكت مصالحها مع مصالح النظام الرأسمالي على المستوى الاقليمي والدولي وذلك بحكم تدفق ثروات النفط الى المنطقة وما احدثه هذا التدفق من تحولات اجتماعية ادت الى تغيير واضح في موقف بعض الانظمة العربية من مسالة الصراع في المنطقة .. أن ربط قضية استرداد الاراضي المحتلة عام 67 بالمفاوضات المباشرة قد قدم للفكر السياسي العربي المبرر الموضوعي والاساس النظري لمسألة الاعتراف " الارض مقابل السلام " ومن هنا بدا الخطاب السياسي العربي الرسمي يولي اهتماما اكبر للمعطيات الدولية وعلى راسها تردي الواقع العربي والاختلال الحادث في موازين القوى لصالح الدولة العبرية وقد تم التعبير عن هذا التوجه بظهور تيار ( الواقعية السياسية ) في الفكر السياسي العربي الحديث وهو التيار الذي ينظر الى الصراع العربي الاسرائيلي بأنه صراع اجيال وان هذا الجيل وحده من غير المقدور بسب المعطيات الدولية الراهنة ان ينجز هدف التحرير الكامل وان يتحمل اعباء الحرب وكانت الزيارة التي اقدم عليها السادات للقدس المحتلة في 19/11/77 بداية التحول النوعي في مضامين الخطاب السياسي العربي وقد كانت اسرائيل من البداية تسعى للاعتراف العربي فجاءت الزيارة لتحقيق هذا المطلب على المستوى الدولي وتتوجت المساعي الامريكية عن أبرام اتفاقية كامب ديفيد وبذلك شكلت هذه الاتفاقية اول اعتراف عربي رسمي بالدولة العبرية وفي مواجهة هذه الاتفاقية برزت جبهة الصمود والتصدي ومؤتمر الشعب العربي والميثاق القومي الذي طرحه العراق للوحدة مع سوريا ثم مؤتمر القمة في بغداد وهي صيغ سياسية افرزها الواقع العربي لكن هذه الصيغ جميعها لم تكن كافية في مناهضة ما تم انجازه في اطار فكرة الواقعيه السياسية لان الفعل العربي بدا يتعامل مع الواقع للوصول الي الممكن وتأسيسا على هذا القياس كان قبل ذلك البرنامج المرحلي الذي اقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة عشر عام 73 وهو برنامج ينطلق من تقييم دقيق لموازين القوى السائدة للوصول الي دولة فلسطينية مستقلة بعد استرداد الاراضي المحتلة عام 67 ويرسى الامكانية الموضوعية لتحقيق الثوابت الوطنية في ظل موازين القومية القائمة وهكذا في ظل البحث عن حل سياسي مقبول للقضية الفلسطينية وبعد التطورات التي احدثتها حرب الخليج الثانية على المستوى الاقليمي والدولي انعقد مؤتمر مدريد وما تبعه من مفاوظات مباشرة ثنائية ومتعددة ثم اتفاقية اوسلو ومعاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية لتشكل هذه التحولات في الموقف العربي اساسآ جديدآ في العلاقة بين اسرائيل والوطن العربي قوامه على المستوى النظري الوصول الى حالة سلام عادل وشامل في المنطقة لكن سياسات تكتل الليكود بزعامة نتنياهو التي تقوم على اكتر النزعات العنصرية والدينية تطرفآ في المجتمع الاسرائيلي خاصأ داخل الجيش وداخل الاحزاب اليميينة وفي اوساط المستوطنين تلك النزعات المستمدة من التعاليم التوراتية والتلمودية التي تعتبر وحدة ارض اسرائيل الكبرى هي مبدأ اعلى واسمى من أي تسوية سياسية هذه السياسات السلفية الصهيونية التي تقوم على الميثلوجيا اليهودية تصل الان الي مستوى القدرة على تشكيل تهديدآ خطيرآ لفكرة الواقعية السياسية التي بدأ يتعامل معها الخطاب السياسي العربي والفلسطيني خاصة منذ ان استوعبت لائحة المعطيات الدوليه الامر الذي نجد فيه انفسنا امام وضع خطير مليء بالممارسات والسياسات القمعية والفاشية الاسرائيلية فالليكود وغيره من القوى السياسية التي تتبنى الرؤية اليهودية لا يريد لاسرائيل ان تكون فقط بحجمها الطبيعي الذي يقره الواقع القائمة بل يريد لها دورآ يتناسب مع كونها مركزآ امبرياليآ ملحقآ بالغرب الراسمالي الامبريالي ومن هنا جاء جمود عملية السلام واتباع سياسة املائية على الطرف الفلسطيني والاطراف العربية والتنكر بكل ما تم الاتفاق عليه والارتداد عن مرجعية اوسلو بينما الموقف الامريكي لا يريد هو الاخر ان يتخلص من رغبة الولايات المتحدة الامريكية في جعل اسرائيل دولة اقليمية كبرى في المنطقة.

هكذا فأنه بعد اربعين عامآ على نشوب حرب اكتوبر وما احدثته هذه الحرب من تحولات في الموقف العربي الرسمي يجب ألا يغيب عن البال ان الكيان الاسرائيلي رغم اتفاقيات السلام مع مصر والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية مازال كيانآ عدوانيآ يتهيأ لشن حروب اقليمية جديدة ولم يتخل حتى الأن عن موقفه بخصوص القضايا الاساسية في الصراع كما انه استنادآ لطبيعتة العدوانية التي قام على اساسها حيث ان وظيفته واهدافه تخدم المشروع الامبريالي الاستعماري وتحمى مصالحه الاحتكارية فقد شن في اطار عملية الصراع عدة حروب عدوانيه سافره بعد حرب اكتوبر كحرب لبنان ضد حزب الله في الجنوب اللباني والحرب ضد قطاع غزة وهو ما يؤكد ان سياسات العدوان التي يمارسها هذا الكيان هي ممارسات لا تتوقف لآنها تنشأ في الحقيقة عن طبيعه التناقض الرئيسي الذي يحكم العلاقة بينه وبين شعوب المنطقة ..

صحيح ان الخيار الوطني الفلسطيني في السعى الي سلام عادل وشامل قد اضعف فاعلية الحلم الصهيوني في اقامة ما يسعى باسرائيل الكبرى حيث باتت اغلبيه دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وحتى بعض الاطراف الاسرائيلية مندمجة في اطار السعي لما يسمى بعملية السلام الا اننا في حقيقة الامر نقف في مواجهة كيان عدواني لا يقيم وزنآ للاتفاقيات والمعاهدات ولا يلتزم الا بما يخدم مصالحه ومخططاته الامنية والتوسعية منتهجآ بذلك سياسة قمعية عنصرية تعبر عن ذاتها بين الحين والاخر بما يقوم به المستوطنون من اعتدءات طالت كما يجرى الان في المسجد الاقصى المبارك بهدف تقسيمه زمنيآ وجغرافيآ وكذلك ما يجري في مدينة القدس من تهويد مستقلآ بذلك هذا الكيان العداوني ضعف الادارة الامريكية وتردى الوضع الاقليمي وانشغاله بما يحدث فيه من تغيرات نوعية تطال الانظمة الاستيداية العربية وكذلك عدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط ,وعليه فأن حرب اكتوبر التي تم على اثرها الاعتراف بدولة اسرائيل والقبول بها لآن تكون في نسيج المنطقة هي ليست الحرب الاخيرة في عداد الحروب التي شهدتها المنطقة لآن الصراع العربي الاسرائيلي هو صراع طويل تتشابك به العوامل الاقليمية والدولية ويأخذ ابعادآ خطيرة في كل مرحلة من المراحل

واخيرآ .. فقد جنت اسرائيل من حرب اكتوبر اعتراف اطراف عربية رئيسية بكيانها والتسليم بوجودها كجزء من نسيج المنطقة كما حصلت على اتفاق العرب جميعهم في قمة بيروت على التخلي عن الغاء كيانها وتطبيع العلاقة السياسية والاقتصادية معها وقد حررت في الحقيقة اتفاقيات التسوية التي ابرمت مع اسرائيل بعد حرب اكتوبر الكيان من كثير من الاعباء العسكرية والامنية والسؤال الجدير بالطرح في هذه المناسبة الاحتفالية هو : هل ثمة اوراق في يد العرب بقيت لديهم يمكن طرحها في المرحلة الراهنة بهدف الوصول الي التسوية ؟

وما فاعلية الاوراق ان وجدت في ضوء حقيقة ما يجري من تغيرات نوعية في الواقع العربي ؟

اخر الأخبار