الفريق سامي عنان.. الانقلاب والسلطة والثورة في كأس واحدة

تابعنا على:   11:28 2013-11-17

أمد/ القاهرة : لم تكن "مذبحة الأقصر" في 17 نوفمبر 1997، التي وقعت في معبد الدير البحري بالبر الغربي، وراح ضحيتها 58 سائحا أجنبيا، نقطة تحول فقط في مسار صناعة السياحة في مصر، وهبوطها إلى أدنى مستويات لها في تاريخها، وانحسار مساهمتها في الناتج القومي المصري منذ ذلك الحين؛ لكنها مثلت أيضا المنحى الأهم في حياة العقيد آنذاك سامي حافظ عنان، الذي كان مسؤولا عن "الفرقة 15" في الدفاع الجوي المتمركزة في مدينة الأقصر، بعد قراره بالتدخل السريع والسيطرة على المدينة وإحلال الأمن بها، وتقديم المساعدة والإمداد لفرق الإنقاذ وقوات الشرطة التي تدخلت لتأمين الجرحى.

والأهم منع وسائل الإعلام المحلية والعالمية من التقاط الصور للضحايا، في أبشع حادث إرهابي عرفته مصر خلال حقبة التسعينات.

كانت هذه الحادثة هي البداية للصعود السريع للفريق سامي عنان، الذي ولد بقرية سلامون القماش التابعة لمدينة المنصورة في فبراير عام 1948، داخل القوات المسلحة. فبعد وصول الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى الأقصر وإصداره قرارا بإقالة حسن الألفي، وزير الداخلية حينئذ، طلب استدعاء الضابط الصغير في الرتبة الكبير في السن سامي عنان، لكي يعرب له عن شكره وتقديره للمجهودات التي قام بها، ومنذ ذلك الحين أُلحق عنان متأخرا بدورة أركان حرب، فتحت له الطريق لتولي منصب رئيس هيئة عمليات قوات الدفاع الجوي في السنة التالية.

في فجر الثالث والعشرين من يناير من عام 2008 اقتحم ما يقرب من 750 ألف فلسطيني من قطاع غزة الحدود مع مصر، وقاموا بتحطيم أجزاء كبيرة من الجدار الحدودي الفاصل بين البلدين، في محاولة جديدة من حماس لخلط الأوراق، ووضع النظام في مصر وقتها أمام موقف شديدة الصعوبة والحساسية دوليا وإقليميا.

لم تكن السيطرة على الأعداد الكبيرة التي تدفقت إلى الأراضي المصرية مستحيلة، رغم صعوبتها بالنظر إلى قلة عدد القوات المتواجدة على الشريط الحدودي، لكن المشير طنطاوي والفريق عنان اختارا التعامل برفق مع الفلسطينيين الذين عبروا الحدود، وأصدرا أوامرهما بعدم اللجوء إلى العنف، في واقعة ستلعب دورا هاما في تحديد شكل التعامل مع التحركات الجماهيرية وكيفيته إبان قيام الثورة.

كانت الأجواء السياسية المصرية وقتها تشهد حالة احتقان كبيرة، إذ كانت سوزان مبارك حرم الرئيس الأسبق، تقضي معظم وقتها في تنفيذ خطة لتجهيز ابنها جمال لكي يتولى الرئاسة في مصر من بعد أبيه.

كانت العلاقات التي ربطت بين جمال مبارك وشبكة رجال الأعمال الشباب في الحزب الوطني الحاكم تثير استياء واسعا في الأوساط السياسية والشعبية، ودخل مبارك الإبن في سلسلة شراكات مع أحمد عز ومحمد أبو العنين وحسن هيكل (ابن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل) وغيرهم.

لم تكن القوات المسلحة بعيدة عما يدور على المسرح السياسي المصري، وكانت مجساتها تقيس بانتظام درجة الاحتقان الشعبي، وكان سامي عنان في القلب من هذه العملية، بالنظر لارتباطه بعمليات التأمين التي كان الجيش يقوم بها إبان الانتخابات البرلمانية كرئيس لأركان حرب القوات المسلحة، وآخرها انتخابات 2010 التي اكتسحها الحزب الوطني في أكبر عملية تزوير شهدتها الحياة السياسية المصرية عبر تاريخها.

وقتها طلب عنان الاجتماع مع المشير طنطاوي، وأعرب خلال هذا الاجتماع عن استيائه من الطريقة التي خرجت بها نتائج الانتخابات، فرد عليه طنطاوي بأن اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة حينئذ تحدث مع مبارك في هذا الشأن، وأجابه مبارك بعبارته الشهيرة وقتها "متقلقش، أحمد عز مرتب كل حاجة"!

بدأ سامي عنان أولى خطوات ترشحه للرئاسة عمليا من خلال حملة ترويج ضخمة في وسائل الإعلام لاستقالته من منصبه كمستشار للرئيس

انقلاب عسكري والإطاحة بمبارك

في 25 يناير 2011 كان عنان يقوم بزيارة روتينية إلى واشنطن، عندما تلقى مكالمة عاجلة من مكتب المشير تلخص فحواها في كلمة واحدة "اِرجع".

في أثناء عودته إلى القاهرة بدأ سامي عنان يفكر في القيام بانقلاب عسكري ناعم دون سقوط ضحايا أو سفك دماء، وبحسب ما جاء في مذكراته التي نشرها لاحقا أن هذه الفكرة كان الهدف منها "تنفيذ مطالب الشعب من ناحية، والحفاظ على مكانة المنصب الرئاسي من خلال انتخابات حرة نزيهة من ناحية أخرى". وكانت خطة عنان تقوم على نشر قوات خاصة من الصاعقة والمظلات والشرطة العسكرية على طول نقاط انتشار الجيش في ميدان التحرير وشوارع القاهرة، وعندها يعلن القرارات التي اتخذها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتنحية الرئيس الأسبق عن منصبه. غير أن هذا الاقتراح لاقى تحفظا شديدا من قبل المشير طنطاوي، الذي سأله عنان في حديقة مركز القيادة العامة للقوات المسلحة عن رأيه في الاقتراح، فجاء رد طنطاوي "حد غيرك يعرف حاجة عن الكلام ده"، فنفى عنان، وحينها طلب منه طنطاوي عدم تكرار هذا الحديث أمام أي أحد على الإطلاق.

كانت هذه هي البداية الحقيقة لتنامي طموحات عنان في القفز على مقعد الحكم الذي طالما رآه عاليا بعيدا، بعد أن أصبح الرجل الثاني في مصر عقب الإطاحة بمبارك، وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة للسلطة. وبدت العلاقة بين المشير طنطاوي ورئيس الأركان ترقص على حبال رفيعة من الانسجام والتفاهم ولكن تلك الحبال ظلت معرضة للتمزق مع أقرب تحد من الممكن أن يواجه تلك العلاقة، وهو ما حدث لاحقا.

بعد أقل من شهر واحد من الإطاحة بالرئيس الأسبق، عقد رئيس الأركان ندوة بدار الدفاع الجوي في القاهرة، وقال خلالها ما نصه "اعلموا جيدا بأن هناك أوامر رئاسية أصدرت لنا بسحق المتظاهرين وتسوية ميدان التحرير بالأرض، لكن لم ولن نفعل هذا في يوم من الأيام"، وهي التصريحات التي أنكرها طنطاوي فيما بعد، عندما استدعته المحكمة للشهادة في قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها الرئيس الأسبق، وظهرت حينها للرأي العام أن تلك التصريحات التي أطلقها عنان، لم تكن غير قنبلة دخان ليخترق من خلالها المسرح السياسي كبطل شعبي حقن دماء المصريين.

التورط مع الإخوان المسلمين

أراد سامي عنان الابتعاد عن وسائل الإعلام، وحرص دائما على أن يحيط نفسه بهالة من الغموض كرجل يدير المشهد ويسحب الأوراق من على الطاولة متى يشاء ويعيد ترتيب الأولويات من خلف الستار. كان عنان يفضل دائما الدفع باللواء حسن الرويني، الذي كان قائدا للمنطقة المركزية العسكرية، واللواء حمدي بدين، قائد قوات الشرطة العسكرية، المقرّبين منه، إلى مقدمة المشهد في تعامله مع الحراك الثوري في الشارع المصري، وظهرت سيطرة عنان على مقاليد الأمور في تلقينه الإجابات للمشير طنطاوي في حواراته وتصريحاته الصحفية.

في الخلفية المعتمة من المشهد كانت جماعة الإخوان المسلمين تقوم بدور المحلل للجيش في إدارته لشؤون البلاد، وبدا للمجتمع المصري أن هناك حالة من التقارب المريب بين التنظيم وقيادات المجلس العسكري.

وصدر قرار المجلس بتشكيل اللجنة القانونية لتعديل الدستور، التي سيطر عليها التنظيم من خلال المستشار طارق البشري المرجع القانوني للإخوان وصبحي صالح أحد كبار المحامين المنتمين إليهم، وشكلت دعايا الجنة والنار أساسا قامت عليه عملية التصويت في الاستفتاء على هذه التعديلات فيما عرف إعلاميا بـ "غزوة الصناديق".

لم تكن تلك العلاقة بعيدة عن التطورات التاريخية التي اتسمت بالصعود والهبوط بين الطرفين، وكان سامي عنان هو اللاعب الرئيسي الذي حدد شكل هذه العلاقة. ففي أحيان كثيرة هبط مؤشر العلاقات بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري.

قبل ذلك بعدة أيام قرر مجلس شعب الإخوان والسلفيين سحب الثقة من حكومة الجنزوري، ولم يكن أمام المجلس العسكري من خيار غير تغيير الحكومة. بدأ اسم عمرو موسى يطرح بكثرة داخل أروقة الجيش كرئيس للوزراء، ورمى سامي عنان بثقله خلف موسى كأحد رجال نظام مبارك الذين عرفهم الفريق جيدا، واتصل به بالفعل ليبلغه باختيارهم له كرئيس للحكومة، غير أن الأخير رفض بحجة أنه كان وقتها مرشحا لانتخابات رئاسة الجمهورية. عندما علم الإخوان بترشيح موسى، اتصل محمد مرسي (الذي لم يكن بعد قد أصبح رئيسا للبلاد) بالمشير طنطاوي وقال له بالحرف "إذا جئتم بعمرو موسى، لرئاسة مجلس الوزراء فإن الإخوان هيولعوا في البلد"، فتراجع المجلس العسكري على الفور.

أراد سامي عنان الابتعاد عن وسائل الإعلام، وحرص دائما على أن يحيط نفسه بهالة من الغموض كرجل يدير المشهد ويسحب الأوراق من على الطاولة متى يشاء ويعيد ترتيب الأولويات من خلف الستار

نهاية أسطورة الرجل الثاني

بعد فوز محمد مرسي في سباق الرئاسة، كانت الأمور تسير في طريق النزاع على السلطة، من خلال تقاسم المجلس العسكري والرئيس للصلاحيات، وكانت آن باترسن السفيرة الأميركية في القاهرة وقتها قد شاركت في وضع خطة حاسمة للتخلص من القيادات الحالية للجيش، وإبعاد المؤسسة العسكرية تماما عن المشهد السياسي، رغم الدور الذي لعبه عنان في صعود مرسي إلى السلطة، كما اعترف لاحقا في تصريحات له بدعم مرسي في الانتخابات "إلا أنه خالف وعده وانحاز للإخوان"، كما قال.

كانت أولى قرارات مرسي الإطاحة بطنطاوي وعنان، وتعيين اللواء أركان حرب عبدالفتاح السيسي رئيس المخابرات الحربية واللواء صدقي صبحي قائد الجيش الثالث الميداني في منصبيهما.

وكان من الضروري أيضا التخلص من الدائرة المحيطة بطنطاوي وعنان، فتم إبعاد حسن الرويني إلى بكين للعمل كملحق عسكري في السفارة المصرية هناك، وأحيل مهاب مميش قائد القوات البحرية، ونجيب عبد السلام قائد الحرس الجمهوري، إلى جانب مراد موافي رئيس جهاز المخابرات العامة وحمدي بدين وغيرهم للتقاعد، وكانت مذبحة رفح التي راح ضحيتها 16 جنديا مصريا هي المفتاح الرئيسي لانقلاب الإخوان الناعم على الجيش، وبذلك تكون مذبحة الأقصر ومذبحة رفح هما خطّا البداية والنهاية لمارثون عنان في المراكز العليا للسلطة. منذ ذلك الوقت اختار الفريق عنان، الذي تخرج في الكلية الحربية عام 1967، وخاض حرب الاستنزاف ومن بعدها حرب أكتوبر في 1973، الانتقال إلى الجانب المظلم من المشهد، رغم تعيينه مستشارا للرئيس، وشرع في كتابة مذكراته، التي ستثير ضجة كبيرة لاحقا.

كان عنان قد عين ملحقا عسكريا بسفارة مصر بالمغرب في أغسطس عام 1990. وفي أغسطس 1992 اختير ليكون قائدا لأحد ألوية الدفاع الجوي عقب عودته إلى البلاد، ثم قائدا للفرقة 15 في الدفاع الجوي المتمركزة في مدينة الأقصر في يناير 1996.

في 2001 كان سامي عنان قد أصبح قائدا لقوات الدفاع الجوي، وفي 2005 قفز إلى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، في سابقة هي الثانية من نوعها بعد المشير محمد علي فهمي، قائد قوات الدفاع الجوي في حرب أكتوبر الذي عين رئيسا للأركان في 1975، وأصبح فيما بعد وزيرا للدفاع، إذ عادة ما يأتي رئيس الأركان من القوات البرية وقادة الجيوش الميدانية.

كان اتفاق "الخروج الآمن"- الذي جرى بين قيادات المجلس العسكري وتنظيم الإخوان، على خلفية تورط طنطاوي وعنان مع الدائرة الضيقة المحيطة بهما في قتل المتظاهرين، خلال الاشتباكات التي وقعت بين المتظاهرين وقوات الشرطة والجيش فيما عُرف بعد ذلك بأحداث محمد محمود ووزارة الدفاع ومجلس الوزراء وميدان التحرير- يُحتّم على سامي عنان عدم الظهور، وكانت الأمور تسير مع الوقت إلى مفترق طرق، نتيجة للفشل العميق الذي بدا أن الإخوان يعانون في الخروج من دهاليزه المتشعبة، وتصاعد الغضب الشعبي ضد الرئيس محمد مرسي، وظهر أن مصر مسرعة في طريقها إلى موجة ثانية من الثورة.

في هذه الأثناء بدأ حلم عنان، الذي عرف عنه ولعه بالسلطة، وتطلعه المستمر لها، في التبلور، وبدأ الإعداد لترشحه للرئاسة بعد أن أدرك أن أيام الإخوان في السلطة أصبحت معدودة. بدأ سامي عنان أولى خطوات ترشحه للرئاسة عمليا من خلال حملة ترويج ضخمة في وسائل الإعلام لاستقالته من منصبه كمستشار للرئيس، بدأت في الأول من يوليو الماضي، ثم تلا ذلك نشر مذكراته التي كانت سببا لدخوله في صدام مباشر مع الجيش، الذي أصدر المتحدث باسمه بيانا اتهم فيه عنان بنشر "معلومات وبيانات تسببت في إثارة حالة من البلبلة والإثارة بشكل يمس أمن القوات المسلحة وسلامتها".

كان السبب الحقيقي من وراء هذا البيان هو أن القوات المسلحة لا تسمح لأي ضابط متقاعد، مهما كانت رتبته، بنشر مذكراته قبل الرجوع إلى المخابرات الحربية، واستطلاع رأي القادة الحاليين أولا، وهو ما لم يفعله عنان، الذي بدا أنه يسير على عجلة من أمره في طريقه نحو السباق الرئاسي. وكما كانت "مذبحة الأقصر" حلقة فاصلة في مشوار عنان رجل الماضي في القوات المسلحة، هل ستصبح الموجة الثانية من الثورة في 30 يونيو الحلقة الفاصلة الأخرى في تاريخ عنان، رجل المستقبل في رئاسة الجمهورية؟

عن العرب 

اخر الأخبار