رغم التحدّيات... الفلسطينيون نحو انتفاضة ثالثة

تابعنا على:   23:57 2014-11-21

رامز مصطفى

ما يزيد على العقدين من الزمن قد مرّ على «اتفاق أوسلو»، والمحصّلة الفلسطينية بالنتائج تكاد تكون معدومة. وقد يقول قائل إنّ السلطة هي ثمرة من ثمرات هذا الاتفاق، ولكن يتناسى هذا البعض القائل أنّ أصحاب هذه السلطة أنفسهم هم من أقرّوا بأنّ «الإسرائيليين» قد قوضوا، وفي شكل منهجي، كلّ إمكانية لقيام سلطة بالمعنى الحقيقي، من شأنها أن تتحول إلى دولة، بل حولتها الإجراءات والممارسات «الإسرائيلية» إلى بلدية تدير شؤون الجمهور الفلسطيني خدماتياً وحياتياً، وبالتالي إلى شرطة تحمي جنوده ومستوطنيه في مناطق الضفة الغربية. فالفلسطيني يشاهد بأمّ العين كيف يصادر الصهاينة الأراضي، ويهوّدون المقدسات والمسجد الأقصى، وكيف تُجرف الأراضي الزراعية، وكيف تقتلع الجرافات الأشجار. كما أنه يلحظ القوانين العنصرية التي يسنّها ما يسمى «الكنيست الإسرائيلي» ضدّ الفلسطينيين في مناطق العام 1948، كلّ ذلك وآلاف الأسرى يقبعون في السجون والزنازين، والاغتيالات تطال الناشطين في الضفة بما فيها مدينة القدس، وقطاع غزة محاصر منذ سنوات، وتُشنّ ضدّه حروب ثلاثة، وترتكب في حقّ أهله مجازر حصدت الآلاف من الشهداء والجرحى، وخلفت دماراً هائلاً في البُنى التحتية والمرافق الحيوية والآلاف من المنازل.

ويرى الفلسطيني أيضاً، الزحف المتمادي للاستيطان والتهويد للأرض والمقدسات، في ظلّ أفق التسوية المغلق، ما يعني المزيد من تبديد الحقوق الفلسطينية وتعريضها بالجملة للخطر المحقق بعد التنازل- الخطيئة عن 78 في المئة من أرض فلسطين بموجب اتفاق أوسلو المشؤوم، نتيجة استمرار الرهانات الخاطئة والعبثية التي تتبناها السلطة ورئيسها السيد محمود عباس. ففي القدس، تُصادَر البيوت وتُهدم ويستبيح قطعان المستوطنين ووزراؤهم وحاخاماتهم وقادة أحزابهم وأجهزتهم الأمنية يومياً، حرمة المسجد الأقصى والمصلين في داخله. وأمام أعين المقدسيين يقتحم شذاذ الآفاق قبة المسجد ويرفعون علمهم، ويقيمون صلواتهم التملودية في داخله لتكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، بعد أن نجحوا ونتيجة سياسات السلطة ومن قبلها المنظمة في ابتلاع المدينة بأكملها لتكون عاصمة لكيانهم الغاصب. بالإضافة إلى كلّ ما ذكرنا، هناك الضائقة الاقتصادية وحياة البؤس والمعاناة التي يعيشها المقدسيين نتيجة الإجراءات التعسفية العنصرية التي يمارسها الاحتلال. فقد بلغت نسبة البطالة بين الشباب الفلسطيني، مستويات مرتفعة تجاوزت 31 في المئة، وتكاد نسبة الفقر تلامس نسبة 50 في المئة، وذلك وفق دراسة أجريت في النصف الأول من هذا العام.

لقد شكل مجموع هذه العوامل والضغوط حالة من الإحباط واليأس لدى جموع الفلسطينيين، من أي أفق من شأنه أن يُحدث ثغرة في جدار هذه الممارسات والجرائم والسياسات التي أوجدها الاحتلال كتحدٍّ أساسي في مواجهة الفلسطينيين، في ظلّ غياب يصل حدّ التخلي من قيادة السلطة عن تحمل مسؤولياتها والقيام بما يلزم من أجل حماية الشعب الفلسطيني وأرضه وممتلكاته ومقدساته. وقد وصلت درجة الضغط الفلسطينية في مدينة القدس إلى مستويات مرتفعة جداً، وعندما أقدمت مجموعة من المستوطنين على قتل الشاب المقدسي محمد أبو خضير حرقاً وهو حي، تفجر غضب الشباب الفلسطيني في وجه الاحتلال، فجدّدوا مسيرة مقاومتهم تارة بالمواجهات اليومية التي لم تتوقف، وتارة بالدهس والدعس، وتارة أخرى بالطعن بالسكاكين والمفارك والسواطير وباستخدام هؤلاء الشباب للسلاح الفردي ضدّ قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال.

وإذا كانت الهبة أو الغضبة الشعبية اليوم تتخذ طابع الفردية أو العفوية، وليس هناك من يقودها أو يرعاها، أو يمدّها بالمال والسلاح، وهذا من شأنه أن يزيد في إرباك العدو وأجهزته الأمنية التي تقف حائرة في كيفية صدّ ومواجهة هكذا مواجهات أو عمليات. وبالتالي سيكون من الصعوبة في مكان أن يتمكن الاحتلال من وقف هذه الهبة الشعبية وأعمال المقاومة البطولية، التي أربكت وأرعبت الكيان ومستوطنيه. وهذا ما ذهبت إلى قوله كاثرين فيليب في صحيفة التايمز بعنوان «العنف من دون قيادة يصعب إيقافه»، متسائلة ما إذا كنا سنشهد انتفاضة جديدة؟ فقد وصفت كاتبة التحليل الانتفاضة الثالثة التي يراها هؤلاء الشباب، بأنها بلا قيادة وناتجة من الإحباط والغضب الشديدين. ونقلت فيليب عن بعض الخبراء الأمنيين، قولهم «أنّ هذا النوع الجديد من الانتفاضة الذي استخدمت فيه السكاكين والسواطير والمفكات، تعتبر من أكثر الانتفاضات تحدياً لأنّ ما من أحد يعلم متى وأين ستشنّ مثل هذه الاعتداءات، فلا وجود لقيادة نحمّلها مسؤولية ما يحصل أو نتواصل معها في محاولة لإنهائها».

إنّ هذه الانتفاضة لم تقف عند هذا الحدّ أو المستوى من التحرك، بل هي في حالة تطور في ظلّ استمرار الاحتلال في ممارساته العدوانية وإجراءاته القمعية، وفرضه سياسة العقاب الجماعي على المقدسيين، حيث أمر بتدمير منازل منفذي العمليات البطولية ضدّه، وسلّح مستوطنيه، وأقام الحواجز في المناطق ذات الاكتظاظ السكاني الفلسطيني، ومنع الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى، مصعّداً من اعتداءاته، حيث تكثفت هجمات واقتحامات المستوطنين لباحات المسجد، ومُنع الفلسطينيون من التنقل والعمل في البلديات المجاورة لأحياء مدينة القدس.

يواجه المقدسيون وهبتهم الشعبية، تحديات تعيق أو تحول دون تحولها إلى انتفاضة شاملة على كامل أراضي الضفة بما فيها القدس، التي تمثل اليوم رأس حربتها ومحركها، لما تحتله والمسجد الأقصى في الوجدان والضمير الفلسطيني من مكانة متقدمة، حيث أراد الاحتلال حسم صراعه مع الشعب الفلسطيني على أرض القدس بالمعنى الديمغرافي والديني والتاريخي والثقافي. أليسوا هم، أي الصهاينة، من يردّدون باستمرار أن لا معنى لـ«إسرائيل» من دون «أورشليم»، ولا معنى لـ«أورشليم» من دون الهيكل الثالث المزعوم، الذي ينوون تشييده مكان المسجد الأقصى بعد هدمه؟

يشكل الاحتلال بإجراءاته وممارساته وسياساته التحدي الأكبر أمام اندلاع الانتفاضة الثالثة، كما أنّ سياسات السلطة ورهاناتها البائسة على المفاوضات كخيار أوحد تشكل تحدياً آخر، حيث يحتل التنسيق الأمني المقدس بين السلطة والاحتلال أولوية بالنسبة إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يجاهر بأنه يقف ضدّ خيار الانتفاضة، وهذا ما عبّر عنه، وبوضوح، في تصريحه للقناة العاشرة العبرية. وما إدانة السلطة للعملية البطولية التي نفّذها المقاومان غسان وعدي أبو جمل ضدّ المستوطنين الصهاينة في القدس المحتلة، إلا الدليل على توجهات هذه السلطة التي تعاكس إرادة شعبها في مقاومة الاحتلال، ما أدى إلى استمرار حالة الشرذمة والانقسام الذي تعيشه الساحة الفلسطينية والتحديات التي تقف في وجه الانتفاضة الثالثة، ناهينا عن حالة التخلي التي تمارسها الأنظمة العربية والإسلامية.

ورغم كلّ هذه التحديات، فإنّ الشعب الفلسطيني يسير نحو تفجير انتفاضته الثالثة، عندئذ لن ينفع معه لا التنسيق الأمني، ولا القبضة الحديدية « الإسرائيلية «، ولا كل الذين عملوا ويعملون على محاولة قطع الطريق على الانتفاضة الثالثة، ولقاءات عمان الأخيرة نموذجاً. ويكفي أهلنا في القدس أنهم قد وضعوا حقيقة ما يسمى «الهوية اليهودية للكيان «، في مهبّ الريح. وفي تقديري، إنّ أحلام نتنياهو بدأت بالتبدّد بعد إخفاقاته في تحقيق انتصار على المقاومة في غزة واليوم في القدس. ولم ولن تنفعه كل التحالفات سواء الإقليمية أو الدولية التي أرادها على حساب الفلسطينيين وحقوقهم على أرضهم من نهرها إلى بحرها.

اخر الأخبار