الشيخ زايد والحكم الرشيد

تابعنا على:   16:06 2013-11-16

د. ناجى شراب

 الدروس والعبر التي يمكن إستخلاصها وإستذكارها على مدار إثنتين وأربعين عاما من عمر دولة الإمارات كثيرة ومتعدده وخلاصتها في بناء دولة وطنية عصرية متفوقة حتى على ذاتها ، ولكن يبقى الدرس المتجدد مع كل عام هو إستحضار حكم الشيخ زايد ألذى اسس لحكم رشيد ، وقد يبدو مفيدا الوقوف على ملامح وأسس هذا الحكم في زمن التحولات العربية ، ووسط الجدل الدائر حول أى حكم تريده الدول العربية . وقد يكون لهذه الوقفة دلالاتها السياسية العميقة لأنها تأتى بعد فشل نظامين رئيسيين للحكم ، النموذج ألأول الحكم الذي إعتمد على الفردانية وألأحادية في الحكم ، وإعتمد على الدولة البوليسية القمعية ، والنموذج الثانى تجربة الحكم التي قدمها ألأخوان المسلمون وبرغم فوزهم في الإنتخابات وتمسكهم بالشرعية السياسية التي إبتعدوا عنها إلا أنهم فشلوا في تقديم نموذج الحكم الإسلامى القدوة. وسط هذا الفشل تبدو قيمة رؤية الحكم إلتى حكمها الشيخ زايد وأسسس خلالها نموذجا للحكم ما زال قادرا علي التوالد الذاتى في النجاح والبناء . والسؤال لماذا نجح الشيخ زايد ؟ وما هى أهم المبادئ التي أرساها وتصلح لنموذج حكم ناجح يوفر كل مقومات الحكم الديموقراطى والرشيد. وبداية أريد إن أوضح أن أساس الحكم الديموقراطى وهو الرضا الشعبى ، وأساس الحكم الرشيد وهو القدرة والإنجاز والبناء والمحاسبة ، وكلا المفهومان توفرا في نظام الحكم الذي أرساه الشيخ زايد. واعود ألأن وأسترجع أهم المبادئ التي رسخها حكمه ، وما زالت هى أساس الحكم ألأن في دولة الإمارات.

الرؤية السياسية الواضحة

 لقد إمتلك الشيخ زايد رؤية سياسية تنطلق من صفاء الصحراء وإمتدادها ، ومن الواقع السياسى الذي وجدت الإمارات نفسها فيه في ظل ظروف نشأة صعبة ، وفيها تحديات إقليمية كثيرة ، ومن أهداف وأولويات واضحة وقابلة للتطبيق، فقد عرف ماذا يريد ، والآلية التي تحقق الهدف، دون تحليق في السماء ، فالتدرج في الأهداف احد مقومات الحكم. وأنطلقت رؤية من الواقع البنيوى الإجتماعى والسكانى والتاريخى والسياسى للدولة . فأستوعب بيئته السياسية ، ولم يحاول القفز عنها ، أو تجاوزها ، فكان الهدف هنا واضحا قيام دولة الإمارات المتحدة كنموذج إتحادى في إطار من تركيبة قبلية ، وسكانية ليست كبيرة ، وظروف إقتصادية صعبة ، وهيمنة عمالية في الداخل ، وأطماع إقليمية في الخارج. ولذا فقد وصف الشيخ زايد بصقر وحكيم العرب دلالة على الرؤية السياسية الثاقبة التي توصل صاحبها لما يريد.

عدم طغيان الثروة والمال

 المبدأ الثانى الذي حكم رؤية الشيخ زايد ، انه قد أدرك منذ البداية أن السلطة مفسدة ، وأن المال إذا إجتمع مع السلطة والقوة والنفوذ يحول صاحبه إلى حاكم مستبد ، ومتسلط ، وكان أول شئ قام به انه قد حرر نفسه من طغيان الثروة والمال ، وفصل بينها وبين السلطة ، فلم يجعل المال وسيلة للسلطة ، بل جعل المال في خدمة شعبه. ويرتبط بهذا المبدأ مبدا آخر عدم الإستئثار بالثروة ، وهذا مفهوم جديد في تحقيق مبدأ التكافؤ في الثروة ، وكان من بين أهدافه هنا أنه عمل على جعل شعبه أكثر قدرة ، وبتوفير اساليب الحياة المادية كلها ، والعمل على جعل المال في يد شعبه.

البعد الأخلاقى والإنسانى للحكم

 وهذه من أهم مبادئ الحكم الرشيد ، وهى أن لا ينسى الحاكم نفسه أنه إنسان وأن الحكم لن يؤثر عليه في الترفع عن إنسانيته، وأن السياسة لها أهدافا نبيلة ، وليست كما يقول ميكيافيلى الغاية تبرر الوسيلة ، هنا نجد إرساء للبعد ألإنسانى الذي يذكرنا بحكم الصحابة وعلى رأسهم رسولنا الكريم ، وهو التمسك بإنسانية الحكم. ومظاهر هذا كثيرة المشاركة في كل مناسبات ابناء شعبه في الفرح والحزن، والتواصل الجماهيرى من خلال فتح أبواب الحكم أمامهم، مفهوم جديد في الممارسة الديموقراطية المباشرة . وممارسة الحياة بطريقة إنسانية وليس بطريقة الحاكم الذي يتعالى على مواطنيه. والزيارات الميدانية المباشرة لكل مناطق الدولة .والتواجد في الحياة اليومية للمواطن.

الشرعية والرضا بالعمل والإنجاز

 هذا مبدأ جديد في تأكيد شرعية الحاكم ، وبعيدا عن شرعية الحق في الحكم ، أو شرعية الإنتخابات ، لقد أرسى الشيخ زايد مبدأ جديدا في الشرعية ، يقوم علي الإنجاز والعمل ، فالسياسة لدية ليست حكما ، وليست مجرد وعودا وشعارات ، السياسة إن تقول وتصدق فيما تقول ، وأن تعد وتفى ما تعد به.وهذا القبول له مظاهر كثيرة عبر من خلالها أبناء شعبه عن حبهم له فى كل المناسبات الوطنية والإجتماعية والسياسية ، وفى مصافحته، وفى أنه ما زال يعيش في وجدانهم.

الإصغاء السياسى

 وهذا مبدا آخر من مبادئ الحكم ، وهو إن يبقى الحاكم قريبا من هموم ومطالب وإحتياجات مواطنيه. فلقد أوجد قناة إتصال مباشرة ،في صورة وزمن التعقيدات في التواصل مع الحاكم . والمهم هنا هو إحساس المواطن أنه بمقدوره الوصول للحاكم ليعبر له ما بداخله ، هذه قاعدة مهمة ، مجرد الإحساس بالوصول للحاكم ، وإمكانية ذلك ، هذا في حد ذاته سببا في نجاح الحكم.

التوافق بين الأصالة والحداثة

 هذه القضية الجدلية التي ما زلنا نعيشها حتى الآن وجدت نموذجا او حلا من قبل الشيخ زايد، فهو من ناحية لدية رؤية إنفتاحية على كل ما هو حديث، وعلى كل تواصل تكنولوجى ، ولكنه في الوقت ذاته يدرك قيمة ألأصالة المتجذرة في التاريخ وفى العادات ، وفى التركيبة القبلية ، فهو لم يلغى هذه الأسس لحساب ما يسمى بالإصالة ، وهذا ما يفسر لنا نجاح الإمارات في المحافظة على مقومات الأصالة في سياق من الحداثة.

التوافق بين المدني والدينى

 هذه القضية التي تشكل معضلة الحكم في عالمنا العربى ، نجح الشيخ زايد بالجمع بينها فهو بمرجعيته وفكره الدينى ، وإيمكانه العميق بالدين ألإسلامى الذي قد ظهر في الكثير من سياساته في الداخل والخارج، وتمسكه بالدين ليس فقط كعبادة التي حرص سموه على التأكيد على دور الدين كقيمة حضارية عليا. ، فالشرع قائم وله محاكمه الشرعية ، والدين ليس فى حاجة لجماعة تفوض نفسها بانها حارسة على الدين .الدين مسؤولية جماعية، مسؤولية الدولة كما هو مسؤولية الفرد .وفى الوقت ذاته أستوعب وفهم ماذا تعنى المدنية في الحكم ، وماذا يعنى خلق المواطنة ، والتحول من الإنتماءالقبلى إلى الدولة نفسها ، وهذا لن يتم إلا من خلال المساواة في المواطنة بين جميع أبناء الدولة في الحقوق، فلا إستعلاء في الحقوقبين إمارة كبيرة وإمارة صغيرة ، الكل أدرك أنه مكون أساس للدولة ، ويشارك فيها ، معادلة حكيمة في الحكم تقوم على مقولة الإتحاد موجود في سلوك وإنتماء المواطن ، ولإمارات كلها موجودة في الإتحاد دون إلغاء لأى منهما.

التراكم في النجاح

 هذا هو المبدأ ألآخر في الحكم ، وبدلا من التراكم في الفشل، يحل محله التراكم في النجاح ، المهم إن تبدأ بخطوة ناجحة وتبنى عليها ، والنجاح في فكره التواصل والإنجاز والعمل ، والتعلم من الأخطاء وعدم تكرارها.المهم كان لديه أن يبدأ الإتحاد وبعدها يتحول على حقيقة وواقع لي الأرض وفى السلوك والإنتماء لدرجة معها لا يمكن العيش والبقاء بدون الإتحاد ، وهو ما يعنى التغلب على فكرة الإنفصال بنجاح الإتحاد.

الإستثمار في الإنسان

 لقد أدرك منذ البداية أن الإنسان هو أساس الحكم الرشيد، وأدرك منذ البداية أن أبناء شعبه عانوا من الإحتلال والفرقة ، والفقر ، ولذلك سخر ثروة الدولة في الإستثمار البشرى ، ومفهوم الإستثمار لا يكون بتوزيع الثروة وهذا أسهل الطرق ، ولكن بالبيئة التعليمية والصحية وبالمشاريع الإجتماعية المختلفة ، إدراكا منه إن ألإنسان هو من يخلق الثرة وليس العكس.

واخيرا لم ينسى إن لدولة الإمارات دورا إنسانيا وحضاريا على المستوى الإقليمى والدولى من خلال المساهمة في بناء الإنسانية ، وهذا يحتاج إلى مقالة أخرى.

اخر الأخبار