قسيمى ورواية حب في خريف مائل

تابعنا على:   22:42 2014-11-15

فارس كعباش

براجماتية الحرف وأثرها الخفيّ في توجيه القراءة الدّاخلية للسرد الرّوائي

جميل أن يتمرّد الإنسان على نفسه.. أحيانا يكون لبراجماتية الحرف أثرها الخفيّ في توجيه القراءة الدّاخلية للسرد الروائي لدى "سمير قسيمي".. هكذا وبانسيابية تجد نفسك وجها لوجه مع شخوص تتّحد أحيانا وتتفرّق في مواطن أخرى، وقد تصاب بحلول مؤقّت تتداعى فيه الروح وكأنها كائن يتجسّد مع أول تماس تمارسه الذات القارئة ما يجعلها في حالة من السكر المباح فلا تكاد تخرج من حالة إلا والتبست بأخرى وكأنها أصيبت بمسّ خفيّ.

قبل أن تنشر الرواية طرحت سؤالا على الروائي "سمير قسيمي" عبر صفحته في "الفيسبوك، بخصوص تصميم الغلاف، ولسوء طالعي لم أحظ بجواب البتة.. السؤال كان نصّه: "ما علاقة الحذاء الأزرق ذي الكعب العالي بالقدمين الحافيتن؟". ربما قرّبت لنا سيميولوجا عنوان الرّواية الفهم –أو ما فهمته قبل قراءة الرواية- هو إذن كعلاقة الحب، تلك العاطفة الحارة العنيفة بفصل أقلّ ما يقال عنه "حزين" و"رمادي" وما يزيده غرابة هو صفة "الميل" أي أنه حب أكثر ميلا وحرارة وشوقا عكس ما يتوقعه القارئ من أول تحليل انطباعي.. قد يتهم البعض من "قراء اليمين" سمير بالجرأة على العقيدة وحملها في كثير من المواقف والاحداث لتؤوّل تأويلا كاملا أو بعض التأويل، هذا طبعا إذا اعتبرنا الإنسان كائنا قد يتجرد من ثوابته كما يتجرد –أحيانا كثيرة- من ثيابه، تلك النفاقية المقيته التي يحياها البشر فيعيشون حياة التناقض الصارخ ومنه يأتي استهلاكهم لواقعهم عقيما ومبتذلا.. هذا ما يتجسد بلا أدنى شك في شخصية "قاسم أمير" عبد الشهوة بلا منازع وصديق -الصدفة- "نور الدين بوخالفة"، حيث تتشكل أولى التماسات وخلايا السرد الخفي كأساس للبناء الروائي الغريب الذي أجاد سمير حبكه حيث خالف نمطية النص الروائي التقليدي إلى لغة ونمط جديدين هي أقرب ما تكون أشبه -بجنين أدبي- اقترب اكتمال نموّه..

كما لا يخلو هذا العمل "المرونق" من إشارات ظاهرة وأخرى خفية تكاد تظهر لولا مخيال "سمير" الذي عجن الأحداث بماء الزهر وعرّى شخصياته هكذا مكاشفة دون حاجة إلى أداة أو حتى سيالة عصبية.. أسئلة كثيرة حيرت عقل سمير، فأجاب عنها القارئ بعد أن كانت مجرد أفكار تحوم وبعد أعطى له الحرية ليمارس سلطته –هو أيضا- وملكيته للنص فأصبح القارئ هو سمير وسمير هو القارئ.. حلول جميل لا يخرج عن كونه لونا من ألوان الإبداع الأدبي الذي لا يمكن لصفحات من رواية كهذه أن تحتويه.. وينساب السرد سيلا جارفا أو كآلة قطع حادة تجز كل مفتر أو متقاول أو من يدعي ملائكية الإحساس، أسئلة كثيرة سيطرت على لب "قاسم" في رحلة بحثه عن المطلق، عن الحياة السعيدة وعن مشكل الانتماء من عدمه.. الدعارة والخراعة لدى سمير ما هي إلى صورة جلية لنفاق ذاك المجتمع الذي يتنازل عن "المقدس" مع أول فرصة يرتكب فيها "المُدَنّس"..

ويبقى اكتشاف الذات المفتاح الأصلح لفتح مغاليق النفس الغامضة، دون محاباة أو ميل لإرضائها أو تجاوز حالة من حالاتها المعقدة..هنا وبعد هذا التحليل ربما تكتشف أيها القارئ الكريم سر علاقة الحذاء الأزرق بالرجلين الحافيتين .. إنه تخليص الإنسان نفسه من كل ما يعرقل –الكعب العالي- رحلة بحثه – حافيا عن الحبّ تلك الفطرة والغريزة والقيمة التي إن فقدت مال عن حقيقة وجوده أو هو أقرب.

الباحث والمحقق فارس الجزائري

اخر الأخبار