مدينة السلام

تابعنا على:   08:25 2014-11-14

مجد عرندس

غزة مدينة الظلام التي تسكنها الأشباح البشرية، مدينة تسكنها أرقام وهمية لا صحة لها ولا وجود، هي كلمة عجزت القصائد عن وصفها ولكنها وصفت أيام فيها حولت شبابها لشيب وشيبها لتراب.

من أين لي أن أبدأ حديثي عن فلسطين وكيف أبدأه وأنا أعرف بأني أنا الحي الميت، فكل من يكتب عن فلسطين يكون في عداد الموتى، لكننا رغم معرفة مصيرنا لم نتوقف يوم عن استنشاق عشقها، فهي الأم التي حملتنا في بطنها تسعة أشهر وكرست جهدها لكي نصبح شخصيات وكلمات سطرت في كتب التاريخ، وعلمتنا كيف نستنشق عبق الحرية .

اليوم ترفض كلماتي أن تبقى حبراً على ورق، فآن لها أن تعبرعن غضب يسكن في أعماقها، فالألم أصبح أثقل مما نعتقد، أصبحنا إلى الله أقرب هو فقط من تذرف له الدموع وتأن القلوب وتشكى الهموم، أصبحنا من كل البشر أبعد، ترى كيف سأخبرك يا صغيرتي عن طفلتك التي كنت تداعبينها كل مساء وكيف قتلتها أشباح السماء، كيف أخبرك عن غرفتك التي سكنت فيها أجمل الذكريات وكيف أصبحت كومة من رماد، كيف لي أن أخبركم عن طفل كان يلهو بكرته على الشاطئ مع رفاقه وكيف اصطادتهم قذائف الموت، كيف أخبر أم أصبح جميع أبنائها هباءً منثوراً وقصة من الماضي البعيد.

هي لحظات فقط كانت في المساء وبسرعة البرق تحول هذا المساء إلى صباح وليس أي صباح، صباح بدأ فيه الموت يعزف سمفونيته الغاضبة على الأبرياء حتى أعلنت حرب لم تشهدها غزة، هذه المرة لم يرحم فيها الصغير ولا الكبير ولا حتى الجنين في رحم أمه، حتى بدأت خفافيش الظلام تحلق هنا وهناك وتقصف هنا وهناك، تطلق أمواجها المغناطيسية لتتحسس كل ما هو متحرك وساكن ليكون هدفاً سهلاً لنيرانها.

فالهدوء الذي كان يخيم على مدينة غزة كان قصة تتلى في الماضي، أما الآن فهي العاصفة القوية التي هبت واقتلعت البشر من الأرض، أصبح الموت منتشراً كالجراد بسرعة لا مثيل لها،

فاق الناس من سباتهم منبهرين مما يحدث أهو حلم أم حقيقة بل هي الحقيقة المرة التي تجرع طعمها الكثير الكثير، هناك أناس كانوا نائمين وبقوا نائمين كانوا فوق الأرض وأصبحوا تحت الركام.

استشاط الموت غضباً على هذه المدينة المسالمة فأخذ يعاقب كل من فيها، فخطف الأرواح وجعل من دماء الشهداء عطراً يمزج بعبق الأرض لتفوح منها رائحة المسك والعنبر،وانتشرت رائحة الموت بشكل لا مثيل له، وأصبحت غزة فتاة يتيمة بلا أهل ولا مأوى، فلا داعي للحديث عن أهلها الذين تركوها وحيدة في هذا الظلام وذهبوا بلا رجوع، أصبحت غزة الفتاة تلك الجميلة تنظر إلى نفسها في المرآة فترى نفسها تلك العجوز التي تجعد وجهها وأصبح شعرها بلون الثلج لهول وفظاعة ما مرت به من مآسي وخذلان.

فعلى رغم ما يحدث لغزة من دمار فهي مدينة السلام مدينة الحب والخير، كانت وما زالت تحب أن يعيش الجميع بأمن واستقرار، فهي من كتبت بدماء أبنائها سطور قصيدة المحبة، ورفعت فوق أزقتها علم الأمل للعيش في غد مشرق، وأطلقت العنان للحمامة البيضاء أن تحلق عالياً في سمائها بكل حرية .

غزة مدينة يولد فيها الحلم، وتكتب فيها قصيدة الحب، وتزف فيها العروس بفستانها الأبيض، ويولد فيها شبل المستقبل، غزة عاصمة السلام وهي رمز للعزة ، فنحن لغزة ولا لغزة أحد سوانا.

اخر الأخبار