غزة بين البؤس واليأس

تابعنا على:   23:50 2014-11-13

نبيل عبد الرؤوف البطراوي

الناظر في عيون الغزيين يلحظ بأن حالة البؤس تتغول يوما بعد يوم وتزداد بشكل لا ينم عن أمل بأن الغد المشرق لهم قريبا على الرغم من جرعات الأمل التي يحاولون تجرعها بين الحين والأخر حينما يتطاير الى مسامعهم بأن حدث ما أو توافق ما يدق على جدار الانقسام الخرساني بحكم العقلية الانفرادية والانعزالية التي لا تؤمن بالشراكة وترغب في البقاء في التحكم والسيطرة بأي ثمن كان ,ودون الرغبة في تغيير هذا الحال أملا بأن يستجيب ويتغير العالم ويقبل بالتعامل مع الأمر الواقع القائم في غزة ولو بأقل القليل .

وهنا السؤال الغزي اليومي هل يعقل أن تستمر حالة التخبط والتخريب التي تسكن غزة ,لتبقى غزة الشاهد على مأساة العقل السياسي الفلسطيني وعقم التفكير الحزبي الانفرادي ,وعدم القدرة على الشراكة الوطنية القادرة على تسيير المركبة الوطنية الى بر الأمان من أجل التخلص من الاحتلال .

وهنا يظهر جليا وواضحا لدينا كعرب أو بالتحديد كقوى سياسية عربية مأساة الديمقراطية كأساس للتعددية والشراكة وليس أداة للوصول الى السلطة وتمزيق كل القواعد والأسس التي أوصلت هذا الفريق للسلطة ,لتؤمن هذه الجماهير باللعنة والكفر بهذا النظام الذي أوصل دول العالم الى الكثير من الرفاهية والرخاء في شتى المناحي وأوجد الحكم الرشيد القائم على المحاسبة والشفافية ,فالوصول الى أصوات الجماهير لا يعني الحكم فقط ولكن يعني تلبية حاجات الجماهير والحفاظ على مصالحها من خلال فهم الظروف المحيطة بما لا يتعارض مع المصالح الوطنية العليا دون اشباع الجماهير بكثير من الشعارات والتبريرات والقليل من العمل ,فلا يعقل أن يكون مطلوب من الاعداء والعالم أن يتغير من أجل استمرار الحكم والسيطرة وخاصة وأنه ظهر في المحيط العربي تجارب كان يجب التعلم منها بشكل جيد في دول عريقة حينما خرجت الجماهير المصرية واسقطت الرئيس المنتخب ديمقراطيا لعدم تحقيقه مصالح شعبه الذي أنتخبه من أجلها .

فالديمقراطية ليست تجربة وحيدة غير مخول الشعب بتكرار ممارستها مرة أخرى ولا هي توكيل رباني ولكنها توكيل بشري أما يسحب أو يتجدد, فلا يعقل أن يفنى مجتمع ويؤخذ رهينة من أجل أن تحيا فئة او جماعة أثبتت كل تجاربها حالة الفشل والرفض من قبل الجماهير ,لأنها لا يؤمن بأنها جزء من مشروع وطني جامع وشامل يلم كل أطياف النظام السياسي الفلسطيني ,فالمشروع الوطني قائم على الشراكة والكل الفلسطيني والاحتلال هو الاولوية الاولى لشعبنا وأنهاء الاحتلال والقدرة على مواجهته قائم على تقوية الانسان والمجتمع الفلسطيني ,لا أن يصبح الاحتلال هو المعضلة التي لم يعد يراها المجتمع الغزي هي الابسط نتيجة تحجر فكري وعقائدي ,فبعد السنوات السبع من الانقسام وعلى الرغم من بعض الغيوم التي تظهر بين الحين والاخر على أمل أن تعطي الغيث فيطهر الذنوب ويينع الارض لتزهر ربيعا وطنيا يعمل على انتشال شعبنا من كل همومه ,لتفرغ لصراع الاهم في تاريخ شعبنا ,وخاصة وأننا اليوم نخوض معركة أعادة البناء بعد الحرب المدمرة الاخيرة على غزة ومعركة القدس ومعركة الامم المتحدة ومعركة الانضمام الى المنظمات الدولية من أجل جلب الاحتلال الى المحاسبة على كل جرائمه بحق شعبنا .

أن ما يزيد حالة البؤس اليوم في مجتمعنا هو حالة التناقض التي باتت مشاهدة من خلال حالة التناغم بين المحتل وجزء من قوى شعبنا ففي الوقت الذي يشن الاحتلال وقادته هجوما كاسحا على القيادة الوطنية نجد نفس الهجوم يشن على القيادة من اطراف فلسطينية ,فهل يعقل أن يطلب وزير خارجية العدو الصهيوني الرئيس عباس بالتنحي يطلب عضو في المجلس التشريعي التخلص من الرئيس عباس ,هل يعقل أن يحمل الاحتلال الرئيس عباس كل ما يحدث في القدس من مواجهات وفي الوقت نفسه يشن هجوما لاذعا من اطراف فلسطينية عليه بألفاظ تخرج عن السياق الوطني ,ليس هذا فحسب بل يخرج البعض ويخول نفسه لتغيير مفاهيم وطنية لا بل يعمل على تشويه الارث الثقافي الوطني ليدعي ويطاول على الرئيس عرفات في الذكرى العاشرة لاستشهاده ,وكأن هذا المفهوم قائم على أساس عقائدي بحت ,متناسيا بأن المجتمع الفلسطيني متنوع الديانات العقائد كما أن الكثير من أحرار العالم ضحى من أجل قضيتنا العادلة وهنا لا أعلم أين ستوضعهم ملائكة الجنة والنار! على الرغم من الوضوح في عقيدتنا بأنه من مات دون عرضه أو وطنه أو دينه أو مات هو طالب للعلم والعمل ومن غرق أو حرق أي ديننا دين سماحة لا دين وقاحة وتطاول على الرموز الوطنية ,ولا على من رفض التنازل عن القدس والثوابت وعلم يقينا أن مستقبله السياسي أنتهى .

وأخيرا جاء أتفاق الشاطئ وحكومة التوافق التي قابلهما شعبنا بقتور لعدم الثقة وقناعة المواطن الغزي بأن ما يشهده على الارض لا ينم عن قدوم مرحلة جديدة ,وقد تعزز هذا الايمان من خلال ما شهدته ساحتنا الغزية خلال التحضير لأحياء ذكرى استشهاد الرئيس عرفات من تفجيرات لبعض المنازل لأناس مدنيين من قيادات العمل الساسي الوطني وما تلى ذلك من تصريحات استفزازية تنفيريه أعادة الحالة الداخلية الى سابق عهدها ,دون النظر الى الرغبة الدولية في مشاهدة حكومة التوافق تمارس عملها على أرض الواقع في غزة بشكل جدي لتخفيف من معاناة الناس .

 

فهل يعقل بأن يؤمن حكام غزة اليوم بأنهم يمتلكون تفويض ألهي الى يوم الدين ,من خلال عدم الرغبة بالعودة الى الشعب مرة ثانية ليقول كلمة الفصل ويعيد التجديد لمن أنتخبهم او ازاحتهم عن المشهد السياسي .

لماذا لا يتعلم يتعظ من يحكم غزة اليوم بما حصل في مصر وتونس ويأخذ بالتجربة الاكثر أمنا ,لا حرمان الشعب من ممارسة أبسط حقوقه من خلال الاحتفال وتكريم قادته والوفاء لهم والابقاء على مطلب وحيد هو أن تلبي حكومة الوفاق الطلبات الحزبية من بُعد ,فلا توجد حكومة في الكون لا تحكم على الارض تكون قادرة على تلبية احتياجات المواطنين .

أن العقلانية والتفهم التي يمارسها البعض مع الاحتلال لو كانت مع الشعب والقوى الوطنية لخففت الكثير من مأسي شعبنا واخرجته من حالة البؤس واليأس ولكان قادرا على التفرغ لمعركة الأقصى ومجابهة القوى الخارجية فهل من متعظ ؟؟؟

اخر الأخبار