الرسائل السرية بين «ناصر وخروشوف»

تابعنا على:   19:19 2013-11-15

أمد/ القاهرة - كتبت هدى جمال عبد الناصر: قامت حملة إعلامية متبادلة بين جمال عبدالناصر وخروشوف بعد الوحدة المصرية- السورية بعدة أشهر، وذلك رغم معاكستها لمصلحة كلا البلدين؛ فبالنسبة للاتحاد السوفيتى، فقد دخل منطقة الشرق الأوسط عن طريق بيع الأسلحة لمصر، بعد أن ماطل الغرب معها لأكثر من ثلاث سنوات، انتهزت فيها إسرائيل الفرصة لتقوم باعتداءات متكررة على حدودها مع مصر.

ثم توثقت العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى من خلال تقديمه قرضاً إلى مصر لتمويل بناء السد العالى، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرضها فى هذا الخصوص. وتبع ذلك نمو التعاون بين البلدين فى تنفيذ البرنامج الصناعى الضخم فى مصر، ثم فى دولة الوحدة بعد ذلك. وكل ذلك كان يعنى مزيداً من النفوذ السوفيتى فى الشرق الأوسط.

إذن المصالح المشتركة هى التى جمعت بين مصر والاتحاد السوفيتى، وتوثقت العلاقة نتيجة لأخطاء الغرب المتكررة؛ الناتجة عن الفكر الاستعمارى فى علاقته بالدول المتحررة حديثاً فى ذلك الوقت.

أولاً: كيف بدأت الأزمة مع خروشوف؟

1- عبدالناصر يهاجم الحزب الشيوعى السورى:

كان ذلك عندما هاجم عبدالناصر الحزب الشيوعى السورى فى خطابه الجماهيرى فى عيد النصر ببورسعيد فى 23 ديسمبر 1958، فقال: «قامت الرجعية ضد الوحدة، وقام الحزب الشيوعى فى سوريا يعمل ضد الوحدة وضد القومية العربية، ولكن قوتكم وقوة الشعب العربى فى سوريا جعلتهم يدخلون فى الجحور، ويهربون من مواجهة الشعب، وقامت الوحدة، وأُجرى الاستفتاء، وكان هناك إجماع من الشعب العربى عليها... إننا، منذ قامت الوحدة، أعلنَّا أن الأمة يجب أن تكون اتحاداً قومياً، يجب أن نوحِّد جهودنا ضد الصهيونية والاستعمار، ولن نستطيع أن نحاربهما إذا كُنَّا نحارب أنفسنا!

ولكن الحزب الشيوعى فى سوريا رفض هذا، وأعلن أنه لا يقبل أن يتحد مع الأمة فى وحدة قومية وفى اتحاد قومى.. بل رفض أيضاً القومية العربية والوحدة العربية، وأعلن بعض أفراده فى الأسبوع الماضى أنهم ينادون بالانفصال!

إننا بوحدتنا التى آمنَّا بها.. بوحدة هذا الشعب، سنقاوم كل من يعمل ضد الوحدة والقومية العربية».

أثار خطاب عبدالناصر هذا موسكو، وبدأ الشيوعيون هجومهم على الجمهورية العربية المتحدة؛ بهدف إفشال الوحدة التى كانت ضد مصالحهم.

وكان الحافز الجديد فى هذا المجال هو ثورة العراق. لقد وقف الشيوعيون مع القوى الوطنية يؤيدونها، ثم تحركت المنظمات الشيوعية المحلية إلى العمل؛ خوفاً من أن يتكرر فى بغداد ما حدث قبله فى دمشق.

2- موقف عبدالناصر من الشيوعية فى «ج ع م»:

كتب عبدالناصر بخط يده فى أوراقه الخاصة تقدير موقف عن الشيوعية فى «ج ع م»: إن الشيوعيين يتبعون سياسة معادية للحكومة فى «ج ع م»؛ سواء فى الإقليم الجنوبى أو الشمالى. وتتلخص هذه السياسة فى استغلال العلاقة مع الاتحاد السوفيتى؛ لتوسيع نشاط الحزب الشيوعى فى مصر وسوريا، وتأييد السياسة الخارجية، والتأكيد على صداقة الاتحاد السوفيتى.

وقد حاولت الأحزاب الشيوعية فى «ج ع م» إشراك القاعدة الجماهيرية فى نشاط الحزب الشيوعى؛ أساساً بين العمال والفلاحين والطلبة، بالإضافة إلى العمل على تأليب الجماهير على الحكومة؛ وذلك بإثارة المشاكل الداخلية، ونقد كل أعمال الحكومة، وفى نفس الوقت بث الإشاعات.

وقد اتفق الحزب الشيوعى فى مصر مع الأحزاب الشيوعية فى سوريا والعراق، وتبنوا سياسة ضد الوحدة ومهاجمتها، والدعوة إلى اتحاد فيدرالى، وتعدد الأحزاب، وتشكيل جبهة وطنية تشمل الحزب الشيوعى، حتى يجدوا الفرصة للسيطرة على التنظيمات الشعبية، كما هاجموا الاتحاد القومى بكل قوة؛ على أساس أنه حزب البورجوازية الديكتاتورية!

إنهم يواجهون القومية العربية بحرب مضادة؛ كخلق القومية الكردية، والبعد عن فكرة القومية إلى فكرة الوطنية.

3- تصاعد الخلاف بين عبدالناصر وخروشوف:

ظهر ذلك فى مناسبة المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعى السوفيتى بقصر الكريملين، فى 27 يناير 1959 عندما قال خروشوف: «إن هناك وجهات نظر متباينة بين الروس وبعض زعماء (ج ع م)، ولكن هذا لا يؤثر على العلاقات الودية بين بلادنا، وكفاحنا المشترك ضد الاستعمار. إننا لا نستطيع أن نظل نلزم الصمت أمام الحملة التى نظمت فى بعض بلاد ضد التقدميين؛ تحت ستار مقاومة الشيوعية الزائف!

ولما كانت قد صدرت أخيراً بيانات ضد الآراء الشيوعية فى (ج ع م)، واتهامات وُجهت ضد الشيوعيين؛ فإنى- بوصفى شيوعياً- أرى أنه من الضرورى أن أعلن فى هذا المؤتمر الذى يعقده حزبنا الشيوعى؛ أن من الخطأ اتهام الشيوعيين بالقيام بأعمال تساعد على الإضرار بالجهد القومى، وبث الفرقة فى الكفاح ضد الاستعمار».

واستطرد خروشوف قائلاً: «إن قادة العرب المبرزين؛ أمثال الرئيس جمال عبدالناصر، واللواء عبدالكريم قاسم - رئيس وزراء العراق - قد كسبوا عطف الشعب السوفيتى الحار».

وقال: «إنه يوجد أكثر من 32 مليوناً أعضاء فى الأحزاب الشيوعية فى 83 دولة». ونفى أن يكون الاتحاد السوفيتى هو الذى يوجه الأحزاب الشيوعية الأجنبية.

لقد كان خطاب خروشوف له مغزى ومعان؛ أثرت بلا شك على العلاقات بين «ج ع م» والاتحاد السوفيتى.

وهنا وجد عبدالناصر نفسه فى موقف لا يحسد عليه؛ فقد أصبح خصماً للشيوعية، ودارت بينهما معارك فى الصحافة والإذاعات، وهو فى نفس الوقت عدو للغرب الذى يهاجمه إعلامياً بشراسة! ومثل على ذلك المحطات الموجهة ضده؛ مثل «صوت الإصلاح» و«صوت مصر الحرة»، وكذلك الإذاعة البريطانية وراديو باريس، وصوت لبنان؛ التى تسيطر عليها بريطانيا، هذا بالإضافة إلى الحملات المضادة لـ«ج ع م» فى الصحافة البريطانية والفرنسية.

لقد كان من الطبيعى أن يقلق عبدالناصر من هذا الصراع الإعلامى بينه وبين خروشوف، الذى سبق أن أعلن فى 23 أكتوبر 1958؛ أن الاتحاد السوفيتى سيقدم قرضاً بمبلغ 400 مليون روبل إلى «ج ع م» للمساهمة فى تمويل السد العالى، وتم فعلاً البدء فى تنفيذ المشروع فى 26 نوفمبر 1959. وفى نفس الوقت كان الاتحاد السوفيتى يمول برنامج التصنيع المصرى.

إلا أن كل ذلك لم يمنع عبدالناصر من الانتصار لمبادئه، واتباع سياسة تنبع من المصالح القومية، والإصرار على الاستقلال الحقيقى وعدم التبعية لأى من القوى الكبرى.

وفى خطاب فى وفود لبنان بدمشق، بتاريخ 15 مارس 1959، هاجم عبدالناصر الشيوعيين قائلا: «هناك فئة تحاول أن تستغل تعبئة الشعب العربى ضد الاستعمار؛ لتنفث سمومها داخل الأمة العربية؛ لتسيطر سيطرة جديدة، ولتكون التبعية. وكانت هذه الفئة تتمثل فى الشيوعيين العرب الذين آثروا أن يتنكروا لبلدهم ولقوميتهم، والذين رضوا أن يكونوا عملاء، والذين تسلحوا بالانتهازية ومبدأ الغاية تبرر الواسطة، وأرادوا أن يستغلوا كفاح الشعب العربى ليقيموا فى أرجاء الأمة العربية الديكتاتورية الشيوعية؛ المبنية على الدماء».

علق خروشوف على موقف عبدالناصر قائلاً: «يجب أن نعترف بأننا استأنا جميعاً بسبب الخطب التى ألقاها الرئيس جمال عبدالناصر أخيراً فى دمشق، واستخدم فيها لغة الاستعماريين فى حديثه عن الشيوعية والشيوعيين.. لقد وصف الشيوعيين بأنهم عملاء دولة أجنبية، فهل لنا أن نسأل إذن: من هى الدولة التى يمكن أن يقال إن الشيوعيين عملاؤها؟!».

وفى نفس اليوم رد عبدالناصر على خروشوف: «إن دفاع السيد خروشوف عن الشيوعيين فى بلدنا أمر لا يمكن أن يقبله الشعب العربى، ونحن لا نتدخل فى الشؤون الداخلية للاتحاد السوفيتى، أو نساعد فئة منه ضد فئة أخرى. وإن مساندة الشيوعيين فى بلدنا والدفاع عنهم؛ يعتبر تحدياً لإجماع الشعب فى جمهوريتنا».

وتصاعد الموقف أكثر عندما قال خروشوف فى مؤتمر صحفى بالكريملين، فى 19 مارس 1959: «إن الرئيس جمال عبدالناصر قد تحمس أكثر من اللازم، ولكنه عندما هاجم الشيوعية أخذ على عاتقه مهمة ثقيلة فوق طاقته. إذا وُهب الرئيس عبدالناصر صبراً كافياً، وطبق فعلاً مبدأ عدم التدخل فى شؤون العراق والبلدان الأخرى؛ لساعد ذلك على تحقيق الوحدة الحقيقية بين البلدان العربية»!

وفى اليوم التالى مباشرة قال ناصر فى دمشق: «إننا نتسلح بنفس الأسلحة التى هزمنا بها الاستعمار وأعوانه؛ نتسلح بنفس الأسلحة لنهزم الشيوعية والأفكار الشيوعية.. سنتمكن بإذن الله من أن نقضى على الشيوعية والتبعية، ولن يكون هناك استعمار جديد، بعد أن تخلصنا من الاستعمار الغربى.

وإذا تدخل رئيس الحكومة السوفيتية لينصر فئة قليلة من أبناء بلدنا ضد إجماع شعبنا؛ فلا يمكن أن نقبل هذا. إننا أحرار فى وطننا، نقبل المبادئ التى نراها فى مصلحتنا، ونرفض المبادئ التى تمثل التبعية والإلحاد. وبعد أن حصلنا على الاستقلال لا يمكن أن نبيعه أبداً، ولو بملايين من الجنيهات أو الروبلات أو الدولارات!

إننا حينما نعبر عن قوتنا نستمد هذه القوة من بلدنا، لا من أجنبى.. وإننا لم نكن بهذا نعبر عن صغر السن أو الحماس أو الاندفاع - كما يقول خروشوف - ولكنا نعبر عن ايماننا بوطننا.

وإن علق خروشوف على غضبتنا من أجل حريتنا، ومن أجل بلدنا، ومن أجل قوميتنا وعروبتنا؛ علق ببساطة وقال: إن عبدالناصر رجل صغير السن (41 سنة)، متحمس مندفع! وأنا أحب أن أقول اليوم: إن عبدالناصر ليس وحده المتحمس المندفع، ولكن الشعب العربى كله متحمس مندفع، ولولا هذا التحمس ولولا هذا الاندفاع، لما استطعنا أن نحقق هذه المعجزات الكبار، ونحن نعتمد - بعد الله- على أنفسنا».

ثانياً: رسالتان سريتان من خروشوف إلى عبدالناصر:

فى خضم هذه الحرب الدعائية بين الاتحاد السوفيتى و«ج ع م»، أرسل خروشوف رسالتين متتابعتين إلى عبدالناصر. لقد كان الغرض منهما على ما يبدو هو رأب الصدع بين البلدين، وكان ذلك ظاهراً فى الرسالة الأولى، بتاريخ 19 فبراير 1959.

لقد تحدث خروشوف فى هذه الرسالة عن الشكوك التى تولدت لدى عبدالناصر حيال موقف الاتحاد السوفيتى من حركة التحرر الوطنى العربى، والتعاون السابق بين البلدين، على الرغم من أنهما يعتنقان وجهات نظر أيديولوجية مختلفة.

أما بالنسبة لموقف الشيوعيين داخل «ج ع م»، فأكد خروشوف أن الاتحاد السوفيتى لم ولن يتدخل فى الشؤون الداخلية لـ «ج ع م»، على الرغم من أن عبدالناصر عندما شرع فى التقارب مع الاتحاد السوفيتى كان يعرف أنهم شيوعيون، وأنهم لا يمكن أن يتعاطفوا مع سياسة مناهضة للشيوعية!

وفى رسالة خروشوف الثانية إلى عبدالناصر، بتاريخ 12 إبريل 1959، يتضح مدى التصاعد فى الأزمة بينهما؛ من لغة الخطاب والمعانى التى تضمنها.

لقد انتقد خروشوف قول عبدالناصر: إن الشيوعيين فى البلاد العربية يطيعون أوامر صادرة لهم من الخارج، وأنكر ذلك. واستنكر كلام عبدالناصر عن النضال ضد الشيوعية، واعتبره مسألة تتخطى حدود «ج ع م» وتدخلاً فى شؤون الاتحاد السوفيتى!

واعتبر خروشوف أن مسألة الوحدة بين مصر وسوريا شأن داخلى يخص شعبى البلدين، وقد اعترف الاتحاد السوفيتى بالوحدة، ورحب بقيام «ج ع م»، على الرغم من انتقاده ظروف قيامها وتسرعها، وحل الأحزاب بها.

واستخدم خروشوف لغة المستعمرين عندما تحدث عما أسماه «الحملة ضد الاتحاد السوفيتى» فى «ج ع م»! ملوحاً بأن ذلك يؤدى إلى إشكاليات معقدة فى الوفاء بالتزامات الاتحاد السوفيتى؛ بموجب الاتفاق الخاص ببناء السد العالى، وأنه سيكون من الصعوبة تنفيذ التزاماتهم فى مثل هذه الظروف!

وتساءل عن مصير الخبراء السوفييت فى «ج ع م»، وكيف أن المواطنين السوفييت قلقون من أن يتعرضوا لمخاطر الضرر المعنوى، وربما المادى! ومضى خروشوف فى استخدام المساعدات السوفيتية لـ«ج ع م» كوسيلة ضغط على عبدالناصر، بقوله: «ارفضوها»!

وأنهى خروشوف رسالته بأن أعرب عن أمله فى أن يساعد تبادل الآراء بينه وبين عبدالناصر فى تبديد سوء الفهم الذى نشأ بينهما بجهد مشترك من كلا الطرفين.

ثالثاً: رد عبد الناصر على خروشوف:

أرسل عبدالناصر الرد على رسالتى خروشوف، فى 12 مايو 1959 فى جواب سرى لم ينشر- من 63 صفحة (نص الرسائل الثلاث على موقع: www. Nasser.org)- استعرض فيه العلاقات بين البلدين منذ بداية ثورة 1952؛ التى أشارت الصحف والإذاعات السوفيتية إليها فى ذلك الوقت، باعتبارها حركة فاشية!

«إن الثورة المصرية بدأت فى مواجهة الاستعمار وتطويقه قبل أن تتوثق علاقاتها بالاتحاد السوفيتى؛ فقد كان الأمر مبادئ آمن بها قاده الثورة.

ومع احتكار السلاح، طلبته مصر من الاتحاد السوفيتى؛ فتغير موقفه من الثورة الوطنية المصرية، وأصبح يعرفها على حقيقتها، ثم بدأت العلاقات بين البلدين تدخل طوراً جديداً تقوم أسسه على مبادئ التعايش السلمى.

وهكذا دخلت علاقات مصر مع الاستعمار فى مرحلة عنيفة، بدأت بمحاولة عقابها؛ وكان من ذلك سحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالى. وكان على مصر أن تصمد، وعادت قناة السويس إلى الشعب الذى حفرها.

وقد قمنا بهذه الخطوة وحدنا، لم نتشاور فيها معكم، وكنا ندرك منذ البداية أن المعركة ستكون عنيفة مضنية. ولقد كان عرفاننا وتقديرنا بالغاً، لما أعلنتم بعد 36 ساعة من تأميم قناة السويس؛ أنكم تؤيدون موقفنا...

وجاء العدوان فى نفس الوقت الذى كنا نستعد فيه للمفاوضات فى جنيف، يوم 29 أكتوبر 1956.

لقد قلت فى خطاب ألقيته فى دمشق: إننا كنا نقف فى مواجهة العدوان الثلاثى فى ميدان القتال وحدنا، لا ننتظر معونة أحد، ولكن هذه العبارة- على ما أحسست من خطابك ومن تصريحات لك- لم تقع منك موقع الرضا!

إنه لم يخطر فى بالى أن أقلل من قيمة الإنذار الذى وجهه بولجانين- رئيس الوزراء السوفيتى فى ذلك الوقت- ولكن لقد كنا فى ميدان القتال وحدنا؛ كان جنودنا فى سيناء يحاربون وحدهم، وكان جيشنا وشعبنا يحاربون فى شوارع بورسعيد وحدهم.

وكانت زيارة شكرى القوتلى لموسكو فى 30 أكتوبر 1956، وأتيحت له فرصة التباحث مع بولجانين بحضور عدد من قادة الاتحاد السوفيتى وكبار ماريشالاته العسكريين. وتلقيت رسالة بعث بها القوتلى حددت موقفكم من العدوان؛ أن الاتحاد السوفيتى غير مستعد لدخول حرب عالمية، وعلى هذا الأساس لا يستطيع أن يتدخل عسكرياً، ولو بإرسال متطوعين، وأن أقصى ما يمكنه عمله لمساعدتنا هو إرسال بعض المعدات إلينا، ومعها بعض الفنيين!

وقد كان ما فعلته؛ أننى نزعت هذه الرسالة من الملف الذى كان يضمها، ووضعتها فى جيبى؛ لأنى لم أشأ أن يطَّلع عليها من قد تتأثر روحه المعنوية بقراءتها، وعادت إلى مكانها كإحدى وثائق الدولة بعد أن انتهت المعركة.

إن هذه الوثيقة شرف لنا؛ فهى خير دليل على أننا حاربنا، ولم نكن فى ميدان القتال وحدنا فقط، وإنما كنا ندرك أننا سنظل وحدنا!

إن الانذار السوفيتى- الذى لا يستطيع أحد أن ينكر أثره- قد صدر من موسكو مفاجأة لنا، بعد أن مرت 9 أيام كنا فيها فى ميدان القتال وحدنا، وكان كل شىء- حتى الإنذار السوفيتى- يتوقف على صمود هذا الشعب، واستعداده للتضحية.

ولقد كان الأمر الذى استوجب التصريحات- التى لم تقع منكم موقع الرضا- عن الحقيقة فى أمر العدوان الثلاثى؛ أن إذاعات تنطق باسمكم، وصحفاً تصدر فى بلادكم، راحت- وسط مناقشات بيننا وبين الحزب الشيوعى السورى - تعود بالفضل كله إلى هذا الإنذار! وكان واجباً أن أضع دور الشعب المصرى فى مكانه الصحيح.

إننا نقدر موقفكم ونفهم دوافعه، ولم يخطر ببالنا أن نطلب منكم أن تدخلوا حرباً عالمية من أجلنا!

لقد اتهمتمونا بالتدخل فى الشؤون الداخلية لغيرنا، بل أيضا فى شؤون الاتحاد السوفيتى!

وبالنسبة للوحدة فقد كانت الشواهد تشير إلى أن الاتجاه الجديد إليها لا يلائم ميولكم ورغباتكم. وقد كان موقف الحزب الشيوعى من الوحدة؛ أنه لم يتقبل الإجماع الشامل للشعب السورى على قيامها، وكان النائب الشيوعى خالد بكداش هو الوحيد الذى فضل أن يهرب، ثم وجدناه يلجأ إلى بعض بلدان الكتلة الاشتراكية. وأخيراً وقف بجواركم فى احتفال المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعى، وراح يتهجم على حكومة بلاده، الأمر الذى سبب لنا القلق والانزعاج؛ ومبعثه أن تنتهك مبادئ التعايش السلمى بهذا الشكل العلنى!

وكان أيضاً مما يشير إلى اتجاهكم؛ أن الاتحاد السوفيتى، بعد إعلان الوحدة فى أول فبراير 1958من القاهرة، ظل أكثر من أسبوعين حريصاً على الامتناع عن إبداء رأيه فيها.

ولقد كانت ثورة العراق بداية للأزمة الطارئة على علاقاتنا، وإن كان الكثير مما ورد فى خطابكم، قد فتح عيوننا إلى أن أسباب سوء الفهم بيننا كانت تمتد إلى ما قبل هذه الثورة بكثير!

ومن عجب أننا نسمع من دوائر مختلفة هجوماً على القومية العربية كأساس! إن التضامن مع ثورة العراق بدأ منذ وقت طويل؛ فإن عدداً من قادة ثورة العراق- وبينهم قاسم رئيس الحكومة العراقية- قد اتصلوا بنا قبل الثورة، وطلبوا أن نساعدهم فى تخطيطها. وكانت نصيحتنا إليهم؛ أن يحفظوا أمرهم سراً حتى علينا، وألا ينشدوا العون إلا من شعبهم، وألا يتولى وضع خطة الثورة إلا الذين سوف يقع عليهم عبء تنفيذها.

وبعد أن نجحت ثورة العراق، أراد الحزب الشيوعى العراقى انتهاز الفرصة للسيطرة عليها؛ فاستغل خلافاً شخصياً نشب بين قاسم ونائبه عارف؛ لكى يخلق جواً من البلبلة يساعده على تحقيق أغراضه!

وقد أدهشنى أنك فى خطابك ناقشت ما قلته فى إحدى خطبى؛ من أن الشيوعيين أتباع يتلقون التعليمات من الخارج! ولقد كان توحد الأحزاب الثلاثة الشيوعية الموجودة فى مصر، هو الذى فرض علىَّ، يوم الاحتفال بالجلاء عن بورسعيد فى 23 ديسمبر الماضى، أن أشير إلى النشاط المعادى للوطن الذى تقوم به المنظمات الشيوعية.

وقد شرحنا أن هجومنا لا يتجه إلى الشيوعية كعقيدة؛ لأن ذلك ليس من شأننا، كذلك كان هجومنا لا يتعدى هؤلاء الذين يدعون الشيوعية فى بلادنا، ولكن محاولاتنا لم تكن كافية لشرح وجهة نظرنا!

وقد أرسلت لكم رسالة مع سفيركم ديمترى كيسيليف؛ أشرح لكم فيها أن صداقة الشعوب العربية لكم لا ترجع إلى نشاط الأحزاب الشيوعية، بل هى بالرغم من هذه الأحزاب الشيوعية!

ثم جاء خطابكم فى تكريم الوفد العراقى فى 16 مارس 1959، وبدا منه أنكم غيرتم موقفكم؛ فبعد أن كنتم تتعاملون مع القوى الوطنية بدأتم الآن تفضلون التعامل مع الأحزاب الشيوعية. وقد كان من العجيب أن تتصدى بنفسك للدفاع عنهم وتبرير تصرفاتهم!

ويتلخص الموقف الآن فيما يلى: أننا وجدنا أنفسنا مرغمين على الدفاع عن بلادنا ضد نشاط المنظمات الشيوعية داخل حدود (ج ع م)، وضد مساندتك شخصياً لهذا الحزب، ثم فى وجه الحرب العنيفة من جانب الأحزاب والمنظمات الشيوعية فى العالم».

لقد أصبحت العلاقات بين «ج ع م» والاتحاد السوفيتى مذبذبة، ولكن الاتجاه العام إلى الأسوأ. وانعكس ذلك بدرجة كبيرة خاصة فيما يتعلق بالإمداد بالأسلحة؛ حيث تم إيقاف التسليم ورفع السعر، وأصبح الموقف فيما يتعلق بقطع الغيار على وجه الخصوص سيئاً، وبدأت «ج ع م» تبحث عن مصادر أخرى للسلاح؛ مثل يوغوسلافيا أو الصناعة المحلية.

ومن الواضح أن السوفييت كانوا يتبعون سياسة ضغط، بالرغم من أنها لم تنعكس فى المجال الاقتصادى.

إذن بالرغم من الأزمة بين عبدالناصر وخروشوف- التى استمرت أكثر من سنة- فإن الاتحاد السوفيتى كان حريصاً على ألا تتعدى الحدود، وتؤدى إلى قطيعة بين البلدين.

ولكن درس التاريخ يعلمنا أننا فى علاقاتنا مع الدول الكبرى يجب أن نكون على حذر شديد؛ حتى لا تنقلب إلى تبعية تذكّرنا بتجربة الاستعمار البريطانى الطويلة، التى عانت منها وضحَّت فى سبيل التخلص منها أجيال مصرية بأكملها.