تونس ضحية "السلفيين" و"النهضة"

تابعنا على:   19:04 2013-11-15

نسيب حطيط

بدأ ما يسمى "الربيع العربي" في تونس بالإطاحة بالرئيس بن علي ونظامه، واستملت السلطة "حركة النهضة" التونسية كجزء من منظومة "الإخوان المسلمين" في العالم، مع الخصوصية التونسية، وقد مارست "الحركة" المنهج "الإخواني" في مصر باحتكار السلطة وتهميش الآخرين، وغض الطرف عن الجماعات "السلفية" التكفيرية وفق تكتيك غبي لاستعمالها كفزاعة ضد العلمانيين من جهة، واتقاء شرّها من جهة أخرى، وفق نظرية شراء الوقت للتمكن من إحكام السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع.
لكن "النهضة" التي التهمت السلطة بنهم الجائعين أصيبت بـ"عسر الهضم" السياسي والأمني في تونس، فلم تستطع ابتلاع التيار العلماني ذي الجذور العميقة في تونس، وكذلك لم تتمكّن من إلغاء منظومة الحكم السابقة وأجهزته الأمنية، وبدأت بالتزلف والخوف من "التيار السلفي" التكفيري وفي مقدمته "حركة أنصار الشريعة"، فبان خيط "الحركة" التي سارت في مركب مهادنة العدو "الإسرائيلي" والعالم الغربي بإملاءات من قطر.
لقد ضغطت انتكاسة "الإخوان" في مصر على "حركة النهضة" في تونس، حيث أصيب التيار "الإخواني" في العالم العربي بكارثة استراتيجية منذ انهزم في سورية، وأزيح عن قيادة ما تسمى "المعارضة السورية"، وإن كان له تأثير واسع بواسطة الدعم القطري خلف الكواليس، لكن الصراع السعودي - القطري أخرج "الإخوان" من قيادة "المعارضة السورية" وأخرج "الإخوان" في مصر من السلطة واعتُقل مرسي" فخاف الغنوشي وارتبك، وبدأ في المناورة السياسية والرقص على حبال العلمانيين و"السلفيين"، لكنه بدأ بالسقوط نتيجة طمعه السلطوي وعدم التزامه المبادئ، وتغليبه السلطة على العقيدة، وبدأ التنازلات تحت الضغط الشعبي والسياسي، والتي بدأت بمطلب استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة لا تخضع لـ"النهضة" و"السلفيين"، بالإضافة إلى الحوار حول منصب رئاسة الجمهورية، وغيرها من المطالب الشعبية، سواء قانون المرأة، والدستور التونسي، والمساجد والجامعات..
تدخلت "أنصار الشريعة" وبدأت بتهديد القوى التونسية عبر عملياتها العسكرية ضد الجيش في جبل الشعانبي بالقصرينن، ونقل المعركة إلى المدن التونسية بعد اتهامها باغتيال بعض قادة المعارضة العلمانية التونسية، وإرسالها المقاتلين إلى سورية وفضيحة ما عُرف بـ"جهاد النكاح" التي تورطت فيها العشرات من الفتيات التونسيات.
تونس على مشارف العنف والإرهاب التكفيري، وهي التي تتصارع فيها قوى داخلية (حركة النهضة وأنصار الشريعة والتيار السلفي والتيار العلماني وأتباع النظام السابق)، كما تتصارع فيها بعض القوى الخارجية (قطر والسعودية وتركيا والعالم الغربي).
ويبقى السؤال مشروعاً: هل ستحترق تونس بنيران "الربيع العربي" الموهوم بعدما احترقت سورية بلهيب الخداع الديمقراطي والوحش التكفيري؟ وهل ستلحق تونس بركب الحالة المصرية والتوتر الدائم بين "الإخوان" المعزولين والجيش والتيارات السياسية، مما يمنع قيام الدولة المصرية الجديدة، ويعطل الاستثمار، خصوصاً السياحة؟
هل ستُصاب تونس بعدوى الفوضى والتقسيم التي تتعرض لها ليبيا، التي لم تُقم فيها دولة ولا جيش ولا مؤسسات، والظاهر أنها لن تقوم في المستقبل القريب، إن لم تنقسم ليبيا على نفسها ضمن ولايات وإمارات فيدرالية أو كونفدرالية وفق المخطط الأميركي، الذي يلبس جلباباً إسلامياً تارة، ولباساً قبلياً طوراً، وآخر قومياً أو مذهبياً أو طائفياً؛ وفق التنوع الديمغرافي والعقائدي للسكان، وموقع الدولة الجيوسياسي؟
تونس دليل آخر - مع الأسف - على عقم "الإسلام السياسي" المهيمن أميركياً والمموَّل عربياً والذي يتغذى من الحركة "الوهابية" والأفكار الساذجة السطحية، كاعتقاد حاملي هذا الفكر التخريبي أنهم يعملون في سبيل الله، ويرفضون عصمة الأنبياء وبعض الأئمة، ويتصرفون بأنهم معصومون، ويبنون على صوابية تفكيرهم وعدم الخطأ، ولذا فهم يُشهرون السلاح التكفيري لقتل المخالفين لرأيهم.
تونس تغلي على نار "السلفيين" و"حركة النهضة"، فهل ستسقط في فخ العنف الدموي؟ وهل يرتد العنف والإرهاب في سورية على البلاد التي هاجر منها التكفيريون، بعدما يضيق الخناق عليهم في سورية، وما ذلك ببعيد؟
حمى الله تونس وشعبها من الإرهاب التكفيري ورعاته.

عن الثبات اللبنانية

اخر الأخبار