في ذكرى رحيله العاشرة.. عرفات الأيقونة التي لم ترحل

تابعنا على:   07:18 2014-11-11

د. عصام صيام

التقيت الشهيد ياسر عرفات في مقر اقامته على شاطئ غزة في صيف 1994 بصحبة الصديق الدكتور أحمد اليازجي، وكان معي نسخة من مجلة الوسط-الحياة اللندنية وفيها مقابلتي مع مستشار الرئيس كلينتون لشؤون الشرق الأوسط آنذاك مارتن إنديك. رحب بي كالعادة، وقلت له: "هذه مقابلتي مع صديقك مارتن إنديك". استشاط غضبا وقال لي: "هذا صديقك مش صديقي. أنا لا أصادق من خدموا بالجيش الإسرائيلي".

كان رد فعله صادما لي، فقد كنت أتوقع أن يبتهج لشاب من غزة في أوائل العشرينيات أن يلتقي بالبيت الأبيض مسؤولا بحجم وثقل مارتن إنديك مهندس السياسة الأمريكية آنذاك، ولكأن أباعمار أراد أن يقول لي إن من يلتقط الصور معهم ويبادلهم القبل أمام الكاميرات والصحافيين ليسوا أصدقاءه بالضرورة، وأن معايير الصداقة عنده ترتبط ارتباطا وثيقا بمواقف هؤلاء من فلسطين.

نسرد هذه القصة ونحن نحيي الذكرى العاشرة لرحيل أبي الوطنية الفلسطينية والأب الروحي للشعب الفسطيني أينما وجد في شتى بقاع الأرض والناطق الرسمي باسم احرار العرب لا بل باسم ثوار وشرفاء العالم قاطبة.

مرت عشر سنوات على رحيل "الختيار" بعدما هزم الموت في بيروت، كما هزمه في تل الزعتر وطرابلس، وزرع حلم العودة وتحرير فلسطين، كل فلسطين في قلب وضمير كل فلسطيني وكل عربي.

رحل أبو عمار بعدما أصبح أيقونة وطنية وقامة فلسطينية عروبية من الصعب أن نشهدها ثانيا في حياتنا ولا حياة أطفالنا.

أيقونة قوامها الصمود ثم الصمود ثم الصمود. أيقونة تحكي لنا أن الحق الفلسطيني لا ولن يسقط بالتقادم برغم كل الجراح التي تثخن بالجسد الفلسطيني الهزيل الذي أضعفته آثار سموم الانقسام البغيض.

كان أبو عمار كما كان يحب أن ينادى رقما صعبا في حياته وأكثر صعوية في مماته. أحب فلسطين فهام بها حبا فكانت محبوبته وبوصلته التي تنير له دربه، وهي التي تحدد له معايير صداقاته وعداواته، وهي التي من أجلها هزم الموت وشارون معا في بيروت مواجها إسرائيل وأمريكا ومن والاهما من ذوي القربي بعدما صمد فيها ثمانين يوما لم يسمع ورفاقه إلا "الهمة الإذاعية"، وخرج مرفوع الرأس دون أن يرفع راية بيضاء، أو أن تلين له قناة، أو تضعف له عزيمة.

رحل أبو عمار ورحلت معه "حرمة الدم الفلسطيني"، وانقسم الوطن الفلسطيني الى شطرين متناحرين بعدما تسابق الاخوة الأعداء إلى القتال حول سلطة واهية زائفة لا وجود لها على أرض الواقع. ولا غرابة في ذلك فهو الذي اتسع صدره لجميع الفصائل الإسلامية والوطنية بشتى أطيافها، فكان هو "مرجعية المقاومة الأولى" التي لا يزاود عليه أحد.

أحبه الفلسطينيون كافة. اختلفوا معه ولم يختلفوا عليه… كان صوته الهادر وهو يردد الآية السابعة من سورة الإسراء صانعا لإرادة التحدي لديهم ضد جبروت الاحتلال، شاحذا لهممهم وهم يذودون عن فلسطين دون كلل أو ملل أو ضجر، مترجمين بذلك اسمى صور الكبرياء والشموخ، ومسطرين أكبر ملحمة بطولية عرفها التاريخ الحديث

في نوفمبر 2004 قتلت إسرائيل، أو من ناب عنها، الراحل الكبير ياسر عرفات بعدما ظل محاصرا في المقاطعة برام الله لأكثر من 4 سنوات، وبعدما رفض ان يتنازل عن حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وبعدما ظل صامدا أمام كل محاولات أمريكا وقوى الطابور الخامس العربي على إقناعه "بان الزمن لا يدور لمصلحة القضية الفلسطينية"، وبأن البراغماتية تفرض نفسها على القرارات السياسية، وأن ما كان متاحا في 1968 لم يعد متاحا في عصر الألفية الثانية.

ورغم مرور عشر سنوات على رحيله، لكن إرثه الخالد لا يزال نبراسا "لشعب الجبارين" في نضالهم وصمودهم الأسطوري في حرب غزة الأخيرة، وفي معركة الفلسطينيين في الأقصى التي يخوضونها يوميا بالنيابة عن أكثر من مليار مسلم وعربي لتطهير"أولى القبلتين" من دنس المستوطنين ووزراء اليمين الصهيوني المتطرف.

برغم مرور عشر سنوات على رحيل الثائر الفلسطيني الأول إلا أنه لا يزال حاضرا في قلوب وضمائر وجوارح الفلسطينيين والعرب، حاضرا بحلمه الكبير في الزحف نحو القدس.. حاضرا بكبريائه وشموخه. حاضرا بإيمانه الراسخ بأن الاحتلال الى زوال وأن فلسطين لنا "شاء من شاء وأبى من أبى".

عن العرب اليوم الاردنية

اخر الأخبار