“حماس” والعودة إلى منطق الانقلاب

تابعنا على:   12:29 2014-11-10

محمود الريماوي

بينما كانت الاستباحة الصهيونية لبيت المقدس تبلغ إحدى ذراها، وبينما كان نفر بواسل من أبناء القدس يحمون المسجد الأقصى، ويحبطون بأجسادهم الحية المخططات العنصرية اللئيمة التي ينفذها قطعان المستوطنين المسعورين، وبينما كانت تجري في قطاع غزة الاستعدادات لإحياء ذكرى القائد الراحل ياسر عرفات سليل غزة كما القدس، في أجواء من المصالحة الوطنية . . في هذا الوقت بالذات انبرى رهط من الموتورين لاستهداف منازل عدد من أبناء القطاع من قادة حركة فتح بتفجيرات ترويعية ومدمرة لأجزاء من المنازل والممتلكات، ثم استهداف المنصة الرئيسية المعدة للاحتفال بالقائد الراحل بالتفجير . ويبدو أن الفاعلين الآثمين قد زينت لهم مداركهم الضيقة وضغائنهم السقيمة أنهم بهذه الفعلة السوداء متعددة الحلقات والمتزامنة، سيتمكنون من الإجهاز على التنظيم الوطني الرائد الذي أطلق الثورة الفلسطينية المعاصرة، كما سيفلحون في محو اسم الرمز عرفات الذي نقل قضية وطنه من قضية لاجئين الى قضية شعب معترف بحقوقه الوطنية السياسية من الغالبية الغالبة لدول وشعوب العالم .
دأبت حركة حماس منذ سيطرت على قطاع غزة بالسطوة المسلحة والفتك بالمئات من رفاق السلاح والمدنيين في يونيو/حزيران 2007 على منع الاحتفال بإحياء ذكرى القائد الوطني الراحل، وينسجم هذا القرار الأخرق مع أدبيات الحركة التي تنكر كفاح شعب فلسطين في الفترة السابقة على نشوء الحركة، حيث تصوغ هذه الحركة تاريخاً فئوياً خاصاً بها، مقابل تاريخ شعب فلسطين، وبمعزل عن حركته الوطنية المديدة بكل ما لها وما عليها والتي اقترنت بتضحيات جسام وتراكم تاريخي وفّر البيئة التي مكّنت حماس من الانطلاق في العام ،1987 وبعد طول ممانعة من الحركة في الانضمام الى ثورة شعبها .
وقد ظلت حماس على مدار السنوات اللاحقة تهجس بالاستيلاء على المشروع الوطني الفلسطيني أو أن ترثه وهو حي يرزق بالسطوة والمداورة والاستقواء بالآخرين .
الحوادث المشينة التي وقعت الجمعة الماضية 7 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري لم تكن بعيدة عن هذه الروحية وعن هذه الثقافة السياسية والتعبوية . برغم الشوط الطويل الذي تم قطعه على طريق المصالحة وانعقاد جلسات مجلس الوزراء في غزة . والحال أن حماس تخلت عن حكومتها وارتضت بحكومة وطنية جامعة، لكنها حافظت على سيطرتها الامنية المطلقة على القطاع جرياً على نهجها في التغليب والتمكين الفئوي، وتوظيف السلاح لأهداف سياسية داخلية . لقد وقعت هذه الأحداث الإجرامية في ظل سيطرتها الأمنية وفي مربعات أمنية محروسة جيدا من الحركة . الأمر الذي يضع المسؤولية القانونية والمعنوية (لا المسؤولية الجنائية بالضرورة) على عاتق الحركة بمختلف مستوياتها . بما يعيد إلى الذاكرة الشريط الأسود للأحداث عندما قامت فيها حكومة منتخبة بالاستيلاء المسلح على السلطة . وكانت قد جرت قبل ذلك انتخابات فازت فيها حماس وقادت برئاستها حكومة وحدة وطنية، لكن الحركة ارتأت حينذاك أنه من الأفضل أخذ السلطة بقوة السلاح بدلاً من الانتخابات التي فازت بها . وقد احتاج الأمر إلى مضي سبع سنوات كاملة كي تعود الحركة الى طريق المصالحة بعد أن ضاقت أمامها فرص التحرك في الإقليم .
هذا التطور البالغ السوء والشذوذ، يمثل ضربة قوية لمصداقية الحركة، ويثير علامات استفهام حول الهدف السياسي لما جرى في هذا الوقت بالذات، الذي تشتد فيه الهجمة الصهيونية بما يملي على الصف الوطني الارتقاء بوحدته وفاعليته والتفاعل مع الحركة الشعبية المتجددة والتساوق معها، فيما يبث هذا التطور رسالة مفادها أن الإسلام السياسي الذي تمثله الحركة مهجوس بالانفراد بالقرار ويشغله في المقام الأول الصراع على السلطة قبل أي مشروع آخر، ولو أدى ذلك إلى تمزيق وحدة الصف، أو كان ثمنه تهديد أخوة قياديين في العمل الوطني .
منذ أحداث يونيو/حزيران قبل سبع سنوات لم تقم حركة حماس بنقد ذاتي لما جرى، بل فاخرت به ومنحته صفة الحسم العسكري بما ينبىء عن مفهوم الحركة لحسم الخلافات والتباينات، والذي يقتصر على استخدام السلاح ضد رفاق السلاح، وهو أسلوب مستهجن في تاريخ العمل الوطني الذي يحفل بشواهد قليلة عليه، ويبدو أن الحركة قد استلهمت أسوأ المحطات في إدارة الخلافات بين فرقاء القضية الوطنية، وها هو هذا الأسلوب يتجدد بطريقة استعراضية فجة، لا تنتمي إلى أخلاقيات العمل السياسي، وتتصادم مع الحد الأدنى من طموحات الشعب .
لذلك فقد كان من البديهي أن تجمع فصائل العمل الوطني على إدانة مطلقة لهذا العمل الشائن، غير القابل للتنصل منه من طرف المولجين بالأمن وأصحاب السيطرة، أو القفز عنه عبر تشكيل لجنة داخلية لحركة حماس للتحقيق فيما حدث . وهو ما قد يزيد من حدة الشكوك حول المسؤولية الفعلية عما جرى وحول الجدية في تعقب الفاعلين ومن يقف وراءهم . أما المصالحة الوطنية التي جرى التوصل إليها بعد جهد جهيد وعناء موصول على مدى خمس سنوات على الأقل فقد تلقت بدورها طعنة نجلاء تهدد بعودة الأمور الى نقطة الصفر مجدداً، بما يكشف عن العبث الخطير الذي وسم هذا السلوك المقيت . وبما ينذر بتبديد الطاقات في مواجهات بين أبناء العائلة الوطنية الواحدة أمام أنظار الاحتلال الذي يتربص بالمقدسات وببيت المقدس وبمجمل الأرض والحقوق الفلسطينية .
من المؤلم أن تتكرر الأخطاء على هذا النحو الجسيم، وأن يتطوع نفر من الاشخاص إلى زيادة الأعباء على شعبهم وإشاعة البلبلة والقنوط، وهو ما يمثل موضوعياً خدمة لا تقدّر بثمن للاحتلال البغيض .
عن الخليج الاماراتية

اخر الأخبار