في ذكرى الوعد المشؤوم

تابعنا على:   23:48 2014-11-05

راسم عبيدات

بريطانيا وقوى الغرب الإستعماري زرعت دولة الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، وهي لم تهدف فقط لإحلال المستوطنين والغزاة الصهاينة محل شعبنا، بل كان الهدف أن تكون دولـة الكيان الصهيوني رأس الحربـة في ضرب حركـة التحرر العربي والمشـروع القومي العربي، ومنع نشـوء أو قيام أي وحدة عربيـة مسـتقبلاً، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة تحرص تلك القوى الإستعمارية على "تسمين" دولة الإحتلال ومدها بكل مقومات القوة، فإذا كان مشروع (سايكس ـــــ بيكو) الأول في التقسيم الجغرافي للوطن العربي، قد استهدف إقامة دولة (إسرائيل)، فإن إعادة النظر في مركبات (سـايكـس ـــــ بيكو) الجديد الآن القائم على تفكيك الجغرافيا العربيـة وإعادة تركيبها مذهبياً وطائفياً، يحرص على اسـتمرار بقاء (إسـرائيل) قويـة ومسـيطرة على المنطقـة لعقود قادمـة...

ويُخطيء من يظن بأن دور ووظيفـة (إسـرائيل) كوكيل للقوى الإسـتعماريـة في المنطقـة قد اسـتُنفذت؛ فصحيح أن دولة الإحتلال من بعد حرب تموز /2006 العدوانية التي شنتها على المقاومة اللبنانية و"حزب الله"، ولأول مرة بالوكالة عن أمريكا لخلق مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، والتي فشلت فيها، بحيث غدت (إسرائيل) دولة غير صالحة للحروب، ولكن على ضوء ذلك ولكي يضمن (لإسرائيل) البقاء كقوة مسيطرة، كان مشروع "الفوضى الخلاَّقة"، مشـروع إغراق العالم العربي في الفتن والحروب المذهبيـة والطائفيـة، وبما يُبقي (إسـرائيل) قوة مركزيـة في المنطقـة، وهذا المشـروع رهن تحقيقـة بإضعاف وتدمير جيوش العراق وسـوريا ومصر كقوى مركزيـة وذات ثقل ووزن في العالم العربي.

منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظـة الراهنـة لم تعتذر بريطانيا لا سـياسـياً ولا أخلاقياً عن ما ارتكبتـه من جرائم بحق الشـعب الفلسـطيني، وما سـببتـه له من معاناة، بل بريطانيا كانت دائماً سـبَّاقـة للوقوف إلى جانب الإحتلال، فيما يرتكبـه من جرائم بحق شـعبنا الفلسـطيني، حتى أنها عدّلت قوانين محاكمها، لكي تمنع إعتقال ومحاكمـة قادة وجنود الإحتلال على الأراضي البريطانيـة عقاباً لهم على ما ارتكبوه من جرائم حرب بحق الشـعب الفلسـطيني.

حكومـة الإحتلال حتى يومنا هذا تُلاحق المانيا، بسـبب الجرائم التي ارتكبتها النازيـة بحق اليهود "الهولوكسـت"، والمانيا لهذا اليوم تدفع (لإسـرائيل) تعويضات ماليـة، وتُقدم لها الكثير من المسـاعدات العينيـة، بما في ذلك أحدث الأسلحة والغواصات الحربية. أما بريطانيا فهي حتى اللحظة منحازة لدولة الإحتلال، تُغطي وتُبرر لها جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وفي أغلب الأوقات، في المحافل الدولية، كانت تقف وتُعارض أية قرارات قد تُتخذ أو عقوبات قد تُفرض ضد وعلى (إسرائيل)، بسبب سياستها العنصرية وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني، أو خرقها وخروجها السافر لـ وعلى القوانين والاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية.

الشـعب الفلسـطيني عليـه أن لا يغفر ولا يُسـامح حكومـة بريطانيا، ويجب ملاحقتها في كل المحافل الدوليـة، وحتى لو دفعت لشـعبنا تعويضات حتى يوم القيامـة؛ فهي لن تُبيِّض صفحتها أو تغفر لها جريمتها بحق شـعبنا الفلسـطيني، فهذا الشعب ما زال لاجئاً أكثر من نصفه ويعيش في ظروف تفتقر إلى أدنى شروط ومقومات الإنسانية، مخيمات لجوء تعرض فيها للتشريد في أكثر من بلد عربي، ثمناً للخلافات والصراعات العربية الداخلية، ومن بقي منه على أرضه وفي وطنه، ما زال محروماً من حقه بالعيش بحرية وإستقلال كباقي شعوب الأرض، بل هو يموت في اليوم مئة مرة، بسبب ممارسات الإحتلال القمعية والعنصرية والإجرامية، والتي تستهدف الإنسان الفلسطيني، وكل مقومات وتجليات وجوده، والتي هدفها الأساس مصادرة أرضه، ودفعه للطرد والهجرة القسرية في مأساة لجوء جديدة.

الإحتلال جسَّد حُلمه وبدعم من كل قوى الإستكبار والظلم العالمي، وأقام دولته العنصرية على أرضنا ومحل شعبنا، ويُمعن ويُسارع في إجراءات تهويدها عبر زرعها بالمستوطنات والمستوطنين، متوهماً بأن شعبنا الفلسطيني، صاحب الحق الشرعي في هذه الأرض قد يتبخر، ويحلم أو يصحو قادته ليجدوا بأن البحر قد ابتلع هذا الشعب، أو قد تحدث متغيرات عربية وإقليمية كبرى توفر لهم الفرصة لطرد هذا الشعب بشكل جماعي.

منذ المؤتمر الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا، آب/1897، والقرار بتجسيد الحُلم الصهيوني بوطن قومي على أرضنا، إستطاع قادته أن يُجسدوا ذلك بأقل من خمسين عاماً، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وشعبنا الفلسطيني يُقاوم الغزوة الصهيونية، ويُقدم التضحيات الجِسام، من أجل إستعادة حقوقه وأرضه وعودة لاجئيه لديارهم التي شُردوا منها، ولكن بسبب قوة الدفع والدعم الكبيرتان اللتان تقفان خلف هذا المشروع، من قوى إستعمارية، لم يستطع أن يُنجز جزء من أهدافه بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس على الجزء المحتل منها عام 1967، ولكن هذا لا يمنعنا من القول، بأن الحالة الفلسطينية وما عاشته وتعيشه من شرذمة وإنقسام، هي الأخرى كانت واحدة من الأسباب التي لم تُمكنا حتى اللحظة من تحقيق ولو جزء من هذا الحلم، وكذلك في أغلب المحطات والمراحل، لم تكن القيادات الفلسطينية، بحجم التضحيات التي يُقدمها هذا الشعب.

صحيح أن من لا يملك أعطى لمن لا يسـتحق، ولكن هذا الوعد ومفاعيلـه سـتبقى قائمـة ومسـتمرة، ما دامت القيادة الفلسـطينيـة مشـرذمـة، وتُعظم وتُغلب مصالحها الذاتيـة والفئويـة على مصالح الوطن، ولا ترتقي إلى نضالات هذا الشـعب وتضحياتـه، فما زالت بعد أكثر من سبع سنوات حالة الانقسام بين جناحي الوطن قائمة، رغم الحديث عن الوحدة الوطنية وحكومة الوفاق وإنهاء الانقسام، فهذ الحكومة حتى اللحظة لم تُقلع بشكل حقيقي، وكأنها حكومة وحدة شكلية ورفع عتب، ولا نلمس صدقية أو جدية عند طرفي الانقسام، بترجمة ما يجري الإتفاق عليه إلى فعل ووحدة حقيقية على الأرض، وخصوصاً أن هناك مخاطر جِسام وجدية على المشروع والقضية الوطنية، فعملية الإعمار في غزة لم تبدأ حتى اللحظة، والناس تعيش ظروفاً غاية في المأساوية، فما زال أكثر من مئة ألف شخص مشردين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، لأن منازلهم دمرها العدوان الصهيوني الأخير، وكذلك القدس والأقصى يتعرضان لحرب شاملة على مدار الساعة من قِبل الإحتلال الصهيوني.

ولذلك الذكرى السابعة والتسعين للوعد المشؤوم، بالضرورة أن تضع الجميع أمام مهامه ومسؤولياته سلطة وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وأهلي، مهام ومسؤوليات حماية المشروع الوطني والحقوق المشروعة من خطر التبديد والضياع، فهناك متغيرات كبرى وسريعة تحدث في المنطقة، إذا لم نعيها ونستثمرها جيداً، قد ندفع ثمنها ضياع حقوقنا وإنهاء قضيتنا.

 

 

اخر الأخبار