صديقي الصيني

تابعنا على:   20:54 2014-11-02

د.كامل خالد الشامي

عندما كنت طالبا في الجامعة التقيت بمجوعة من طلاب جمهورية الصين الشعبية, كان بعضهم يقيم علي نفس الطابق في بيت الطلبة الذي كنت أسكنه, والآخرين موزعين علي طوابق أخري كانوا يرتدون لباسا عسكريا موحدا ويقومون بمعظم أنشطتهم في مجموعة مغلقة,وفي صباح يوم من أيام الدراسة دخلت إلي المطبخ ووجدتهم مجتمعين يتناولون طعام الإفطار ويتحدثون لغتهم الأم بكل اعتزاز فألقيت التحية وقدمت نفسي , كما كانت العادة, ولما عرفوا بأني فلسطيني,خاطبني أحدهم قائلا " لماذا لا ترتدي البزة العسكرية ؟ أنت فلسطيني". كانوا يعتقدون أن الشعب الفلسطيني كله محارب ومقاتل ويرتدي البزة العسكرية,هكذا كانت صورة الفلسطيني مطبوعة في عقولهم.

لم أرتدي البزة العسكرية لأني اخترت طريقا آخرا في الحياة وهو الجامعة, وقد تأثر أفراد أسرتي الممتدة واختاروا الثبات في وطنهم والعمل في الأنشطة الحياة المدنية.

كانت فكرتي دائما أن العسكر هم أناس ملقي علي عاتقهم حماية مجتمعاتهم المدنية وخوض الحروب ورفع الظلم عن شعوبهم, أما أعمال القيادة والإنتاج والتعليم والصحة والنقل والمواصلات وغيرها من الأعمال المدنية فكانت في نظري هي حصة الشعب وهي عمل مدني ليس بحاجة إلي عسكر, ولم أكن أعرف أحدا من العسكر وهكذا عشت حياتي في مجتمع مدني خالص , وعندما عدت إلي فلسطين وسافرت إلي البلدان العربية وجدت أني علي خطأ فاحش , فقد كان العسكر كل شيء, علي الطائرة وفي المطارات والمستشفيات وعلي الحدود وفي الوزارات وفي الإنتاج وفي التربية وفي الشوارع وفي دور السينما, وفي كل مكان وجدت أنهم يتولون قيادة الحياة المدنية والعسكرية, وأن المواطن العادي عندهم مغلوب علي أمرة,وهم عصبيون ويجب أن لا يرفض لهم طلب, وقد شاهدت بأم عيناي كيف صفع عسكري برتبة عقيد موظفا لأنة لم يعلق بطاقة عملة علي صدره.وقد اكتشفت بسرعة أن العسكر في الدولة الفلسطينية هم كل شيء, وحصتهم كم موازنة الدولة أكثر من حصة التعليم والصحة مجتمعتين ,ولا يمكنك الحصول علي وظيفة من دونهم ولا تستطيع عمل أي شي من دونهم.

وفي وصلة طريفة من وصلات الحياة اليومية, كنت خارجا من مؤسسة عامة ووجدت 3 ضباط يلتفون حول سيارتي ويتفحصونها ظنا منهم أنها مسروقة,ألقيت التحية وأعطيتهم أوراق السيارة دون التفوه بأي كلمة ولكن واحدا منهم أصر أن يري رقم الشاصي وأخذ يبحث عنة في المكان الخطأ تماما حاولت أساعده فغضب مني وقال لي" بدك تعلمني" لم أعلق وفرحت كثيرا عندما أعاد لي أوراقي وانصرفت بسرعة من المكان

تذكرت الشاب الصيني الذي استغرب مني لأني كفلسطيني لا ارتدي البزة العسكرية وبالطبع استغرب مني من كان معه من المجموعة التي كانت معه .

وأخيرا وبعد أن سرقني الزمن عرفت أن البزة العسكرية في عالمنا العربي هي كل شيء, وهي السكر وهي الملح, وأن أي شيء آخر غير مهم.

اخر الأخبار