دولة الطوق

تابعنا على:   11:03 2013-11-14

مروان صباح

 قامت معظم الدول العربية الحديثة بإرادة فردية ، حيث ارتهنت إلى النوايا التى تفوقت النزوات على تحقيق الأحلام ، لهذا شاخت مبكراً قبل أن ترى النهضة وتحولت معظمها إلى دول فاشلة قابلة في أي وقت الاستباحة من الخارج ، كما يجري اليوم من استباحات جرفت ما تراكم في العقود السابقة من أكوام اسمنتية وعشوائية أكلت الغابات والصخور التى رست على شواطئ البحار ، لعدم احتكامها للاستراتيجيات ، وانتهاجها انماط من الإدارة الغير مُباّلية التى سمحت للتسول أن يسود فيِّ ذهنية المواطن ، ولم يكن عسيراً ان يتكهن المرء بأن الخاسر الوحيد بهذه الثورات المواطن ، لا النظام ، طبعاً ، كون ما يُدمر من بيوت هي من عرق أصحابها ، بُنيت ، مغايراً لما يقع حول أفراد النظام ، كونهم لم ينجزوا معالم كبرى في عهودهم كي يبكون عليها أو يتحسرون ، بل جاءت خسارتهم صفر ، تسجل الحقيقة امراً غاية من الزئبقية ، حيث بات الخروج تماماً يُشبه الدخول ، اللهم ، باستثناء ما ورثت الأنظمة من السلطنة العثمانية مجموعة طرق استبدادية ، لا سواها ، فإذا نظر العربي للحقبة ما بعد تأسيس الدولة لن يجد سكة حديد متطورة تربط المدن بعضها ببعض ، جغرافياً ، وليس هناك مصانع تنتج صناعات لها تأثير بَيِّنيِ في السوق العالمي ، يتدفق من فيها بطلب ما نتج على أيدي القوى العاملة ، تبرر للطالب سعيه نحو العرض ، بل هي أشبه بالّخالية ، يُسمع داخلها أنين الكسل الذهني الذي لا يُرضي الذات قبل الآخر ، لكن الأنظمة الاستبدادية حرصت ، عامدةً ، تجهيل الشعوب كي تُحكم قبضتها بالقدر التى تُؤَّمن لها الاستمرارية في الحكم ، أطول مدة ممكن ، رغم المتغيرات التى احاطت بها ، إن كانت نتيجة مخططات انعكست من دول الجوار أو عبر المحيطات ، فذلك ، جهد يسعى إلى معرفة تفاصيل النسيج الاجتماعي وحجم الوعي السائد الذي في النهاية تصب في أهدافه المطمعية ، لجغرافية الآخر ، المستغرق بين الطاقات المهدورة والسبات الثقيل .

سواء نجحت القومية التركية في افشال المشروع الكولونيالي في تقسيم تركيا الأوروبية عن الأسيوية من خلال الثورة المضادة بعد الحرب العالمية الأولى ، إلا أنها ، تمكنت دول الحلفاء تأمين لتركية عضويتها لاحقاً في قوتها الضاربة الناتو ، الذي حيدّ الجمهورية الناشئة من بين ركام السلطنة عن المجال العربي لعقود من الزمن ودفع طاقاتها الكامنة بالضغط نحو الاتحاد السوفيتي بحربه الباردة مع الحلف الغربي الرأسمالي ، فكان الهم الكولونيالي الأول إيجاد ثغرات قومية في الجغرافيا التركية بهدف تحيّد خط الساحل البحري المقابل لأوروبا من التمدد الإسلامي ، كامل الدسم ، ليس كما هو ، منزوع من الدسم ، وهذا تماماً ما تسعى إسرائيل إيجاده منذ عام 1956 م عند عزمت عزمها باحتلال سيناء بهدف تغيير مفهوم ، من يطوق منّ ، تبعها احتلالات مشابه لخط دول الطوق عام 1967 م ، فلم يكن خافياً للمخطط الاسرائيلي العام ، ف ، بصراحة كانت سيناء دائماً النموذج الأول خصوصاً عندما ضربت حصار حول الجيش المصري الثالث الذي اتاح لها الانتقال بخفة لإبرام هدنة تبعها توقيع اتفاق ، أرادت تعميمه بذات الأسلوب والطريقة ، وأيضاً ، الخُلاصة ، للأراضي العربية التى تحتلها ، وبالرغم من نواياها المسبقة بالانسحاب وقد فعلتها وانسحبت من سيناء ، إلا أنها ضمنت قوة مسلحة قادرة على القيام بالواجبات المحددة وبتكلفة أقل عما كانت تنفقه وبمعايير وضعتها اتفاقية كامب ديفيد التى تكّشف يوم بعد الاخر بأنها أقرب إلى الحكم الذاتي المرتبط مع الاحتلال السابق برعاية مالية أمريكية .

ينعطف المشهد بعض الشيء نحو لبنان على اثار عملية دلال المغربي ، حيث يتدخل الجيش الإسرائيلي ليضع محددات جديدة تحت أسم الوصول إلى الليطاني عام 1978 م عندما اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ، أرادت من العملية تمشيط المربع الحدودي من المقاتلين الذين أصبح بحوزتهم صواريخ كاتيوشا قادرة على احداث قلاقل للمستوطنات المتاخمة للحدود ، تدكها متى تشاء ، إلا أن ، لم يكن أبداً ، حينئذ الانسحاب الإسرائيلي التزاماً بالقرار الأممي بقدر نيتها بتسلم مواقعها ما قبل الليطاني وصولاً لحدودها إلى حليفها ، قائد المليشيات جيش لبنان الجنوبي الرائد سعد حداد الذي أدى بمشاركة زميله أنطوان لحد ، بعد وفاة الأول بالسرطان ، طيلة السنوات ما قبل 2000 م ، المهمة على أكمل وجه تحت غطاء وطني استحضر حداد الدولة المخطوفة وإمكانية استرجاعها من خلال تحالفه مع الدولة العبرية ، حيث استطاع تأمين منطقة عازلة بينها وبين المقاومات المختلفة إلى أن تمكن حزب الله من فرض معادلة جديدة وصفت في الآونة الأخيرة بالباردة حد التراخي ، وهذا تماماً ما يجري منذ عام 1973 م بعد توقف اطلاق النار ، خاض الطرفين الاسرائيلي والسوري مفوضات اتسمت بالساخنة ، صحيح لم يُكتب لها النجاح لكنها ارسلت مؤشرات صريحة عندما اعترفت سوريا بشكل علني بالدولة الفلسطينية وبحدودها 1967 م أصبح قائماً وفاعلاً يقابله اعتراف بالجزء الأكبر من فلسطين التاريخية الواقعة تحت المشروع الصهيوني ، لكن تبقى المسألة عالقة وغير قادرة على الإنجاز ليس فقط لأنها مرتبط بالخلاف الجغرافي حوّل اعادة وصول السوري إلى بحيرة طبرية ومدى العمق المتاح له العوم في مياهها ، بقدر ما ترغب اسرائيل من تفكيكات الحصول عليها قبل توقيع على اتفاق تاريخي ، دونه لا يمكن أن يسيل حبر القلم العبري على أي ورقة مادامت سوريا تحتفظ بقوة عسكرية غير مضمونة وتحالفات استراتيجية مع إيران وحزب الله والفصائل المقاومة ، قادرة على تحريكها بأي وقت تريد ، لهذا جاء الاقتراح الأمريكي رغم أنه على حساب الشعب السوري بتفكيك الأسلحة الكيميائية وتدميرها ، على البارد المستريح حسب التعبير الشعبي ، بعد ما أُدخلت البلاد بإستباحات من جميع الأنواع والألوان ، أُنهِك الجيش وتعرض إلى انقسامات جزئية في مختلف المناطق وعلى وجه الخصوص الريف السوري ، دمرت البنية التحتية على الرغم من تواضعها ، شوه الاقتصاد لدرجة بات خارج السوق الإقليمي ، شردت النخب العلمية والثقافية والكفاءات بشتى مناحي الحياة بالإضافة إلى الأعداد الهائلة من عامة الشعب وهي في تصاعد مستمر ، لم يبدو كما هو واضح أنها سيكون لها نهاية قريبة ، أما الحلقة الأخطر والأهم والتى تنذر بكارثة باتت من الصعب السيطرة على انفلاتاتها ، ممكن ، التفكك الاجتماعي والإنفلاش الأخلاقي ، ليس منحصر على الجنس فقط ، بل على الأصعدة كلها ، بدايةً من البطالة التى انتجت مافيات في ظل أمن مفقود إلى تجارة الرق ، حيث تحولت سوريا من مكان إلى ساحة ، كأنها مقلاة على نار هادئة ، تُطبق المسودات التى أعدت مسبقاً وتراها واشنطن وتل أبيب ضرورية قبل التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا ، ف ، استحضار هذه الحقائق يخدم في الفهم الأولي لقواعد العقل الذي يقود إدارة ملف المنطقة بأكملها ضمن سياقات تحمل عدة مراحل ، تبدو ، طويلة المسّير ، كما يراد لها أن تكون ، لكنها أُعدت بحياكة الصبر ، وتجاوزت الإعّداد ، حيث دخلت حد التشابك اليومي ، مغلفة بخجل التسمية ، لكن الصراع واقع يومي يشير إلى اسمه الحقيقي دون أن يُماط اللثام عن احرف الكلمة بوضوح ، على الرغم بأن أغلبية الشعوب هذه المنطقة لا تعي انعكاسات التشابك وتداعياته ، إلا انها تنخرط تدريجياً نحو هاوية القتال بإشكاله المتنوعة ، إن كان بالحوار أو بساحات المعارك وما يقف خلفها من ميادين لوجستية متعددة قد رُسمت خطوط صراعه القادم بين هلالين متقابلين ، حيث شاركت إيران في الحقيقة بالمساهمة الأكبر في انجازه مع الولايات المتحدة بعد حرب 2003 م ، مما يسوقنا كمراقبين فهم ما يدور من تقارب علني بينهما في ذروة الانتقال كما يبدو في البيت الايراني ، يقابله انفاق متبادل بين ايران والخليج يسعى إلى حسم المعركة كل طرف لصالحه .

المسألة قد تكون ذات نوايا مخلصة ، إلا انها تراوح بين الماضي بكل ظلاله الثقيلة وبين مستقبل يتسم بالمجهول ، بل طريقه معبد بأدوات الفشل ، فالأمّة الإسلامية بأطرفها العرب والأتراك والفرس يحملون ذات المشروع الهادف بتحقيق التوازن الإستراتيجي بينهم وبين اسرائيل ، تماماً كما الأخيرة تسعى من خلال تغذية الفرقة ونبش الإثنيات في مجتمعات تحمل بالأصل مديونيات ضخمة أنتجها الاستبداد ، حيث تهدف إلى تقسيم جغرافية الدول المحورية ، بالتأكيد ، يتخللها دولة صغيرة في الطريق كي تبدد خوفها المزمن من الحجم الديمغرافي والجغرافي الذي يهدد مستقبلها وتعتبره الكمين الحتمي إن ما تغاضت عن ترك الحبل لهذه الدول الإقليمية أن تعيش النمو الطبيعي ، تنمو عسكرياً واقتصادياً وتشكل تحالفات خارجية مع قوى نووية أو تلك التى باتت تشكل محور اقتصادي مؤثر في السوق العالمي ، لهذا المشهد يتطور بدرجة ساخنة داخل الدول الإقليمية ، حيث تتنافس فيما بينها ويوصف تسابقي للحصول على تكنولوجيا نووية بعد ما لاقت إيران تجاوب مرن يصل الآن إلى تفاهمات من قبل واشنطن وحلفاءها في الغرب وتتعرى التهديدات الإسرائيلية الفارغة بضرب المنفرد لمواقعها النووية ، مما سيدفع السعودية العائمة على بحر الدولارات والأردن ، الدولة الأكثر استقراراً واستيعاباً لكفاءات الجوار في المنطقة والتى تتمتع بجيش عالي المهنية ، المجرب بحرب الكرامة 1968 م بالإضافة لعام 1973 م عندما أرسل الملك الحسين اللواء المدرع 40 الأردني إلى الجبهة السورية ، أجبر مع القوات العراقية الإسرائيليين التراجع 10 كم وعدم المخاطرة بالتقدم نحو دمشق ، أن يسعيا لامتلاك برامج نووية سلمية ، كي يُحدوا من التهديد التى باتت على وشك الإطباق من الجهتين بالمنطقة العربية .

تدرك إسرائيل ، كما لا يدرك أحد مثلها بأن الدولة في سوريا تتشابه بالتكوين لأخواتها العربيات ، حيث ارتبطت كلياً منذ انشاءها بالنظام ، يعنى ، اعتماد انهاكها بهذه الطريقة سيؤدي دون شك إلى اضعافها ثم تفكيكها الذي يُسهل في المستقبل لمن لديه القدرة على تحريك الخراب الناتج منها وحولها إلى توجيهها كما يرغب فاعل الخراب ، فقد اُغرقت الساحة السورية بالجماعات المسلحة ، مستحضرةً النموذج العراقي ، بل مضاعف ، وهذا بالتأكيد يحتاج إلى موافقة ايرانية كطرف من الأطراف الماسكة بخيوط النزاع الذي سيؤدي لاحقاً عند نقطة تقاطع ، ضمن تفاهمات واسعة بدأت تطل برأسها من خلال عباءة يتدثرون بها لتنفيذ أجندات برفع اليد عن سوريا .