علاقة بروح التاريخ وواقعية الحاضر!

تابعنا على:   08:52 2013-11-14

كتب حسن عصفور/ قد يكون الأحدث الأبرز في الآونة أن تشهد مصر زيارة لوفد روسي يضم وزيري الخارجية والدفاع في ذات اللحظة، وعلها من المرات النادرة جدا، بل الوحيدة، ان تفعل روسيا مثل هذه وترسل أهم وزيرين لها لزيارة بلد، وهو ما يكشف عن "القيمة التاريخية" التي توليها روسيا الاتحادية لمصر الثورة، بعد ما تمكنت من وقف زحف المشروع المعادي للأمة العربية..

والمتابعة للحال المصري مشهدا رسميا أو شعبيا، يلمس بوضوح أن هناك حالة من العشق الخاص الذي أنتجته الثورة للمصرية للحنين الى الأيام التاريخية من العلاقة المصرية السوفياتية، حنين ليس محبوسا في صدور بعض من أنصار اليسار المصري وناصريين أو بعض من أبناء مصر الذين لمسوا بصدقهم وعفويتهم قيمة الموقف السوفياتي الى جانب مصر الناصرية بعد أن دخلت في مرحلة العداء الأميركي لمصر في منتصف الخمسينات، بل هو حنين يتسع الى فئات أكثر انتشارا..

تعود روسيا لتحضر في مصر بقوة البحث عن مستقبل بنكهة تاريخ سمح لمصر أن تتحول وبسرعة فائقة الى "رقم عالمي" لا يمكن لأحد تجاوزه.. مرحلة حملت من الانجازات لا تزال، هي دون غيرها، تسجل كل ما أنجزته وحققته مصر من مكتسبات تاريخية وفي القلب منها الانتصار العربي الكبير على الاحتلال الاسرائيلي، عسكريا عام 1973، ولا تخلو من تعداد لكل بناء الصناعات المصرية الثقيلة والخفيفة والسد العالي الذي لا زال حاضرا بقوة كشاهد حي على العلاقة المصرية مع الاتحاد السوفياتي، الذي منح مصر قيمة استراتيجية لتوفير المياه والكهرباء والطاقة وإحتواء "الغضب المفاجيء" لنهر النيل العظيم..

اليوم الرابع عشر من نوفمبر عام 2013 سيكون يوما فاصلا في حياة مصر السياسية نحو رسم طريق خارج ذلك المسار الذي أختطفها بعد تولي أنور السادات الحكم في لحظة زمنية فارقة بعد غياب الزعيم الخالد، سيكون اليوم "حدثا" لتأسيس مرحلة تاريخية في حياة مصر السياسية، كما ايضا سيكون حدثا إستراتيجيا لعودة روسيا الى مصر التي منحتها أيضا حضورا في الوعي العربي والعاطفة الشعبية يفوق ما منحتها اياها الأفكار الاشتراكية، وكل القوى التي تبنتها وكانت حاضرة بقوة وفعالية في تلك المرحلة المشرقة من تاريخ الأمة ضد المستعمر بكل أشكاله..

الزيارة بذاتها "حدثا مفصليا وفارقا"، في الحياة العربية ايضا ولن تقف حدودها عند مصر المحروسة، وبشكل ما تعيد للذهن، مع كل الفوارق الفكرية، تلك اللحظة التي أعلنت الحكومة السوفياتية موافقتها على المساهمة في دعم وبناء السد العالي في مصر، العلامة الفارقة في تاريخ المنطقة العربية، والتي رسمت مستقبلا مختلفا وفتحت الطريق واسعا لتعزيز قوى التحرر العربية في مواجهة الاستعمار بشكليه القديم والجديد، واليوم تعود "روح تلك اللحظة" حيث تحضر روسيا الاتحادية الى مصر بعد "غربة سياسية" بقرار سادتي طال أمده..

عودة مصر الى روسيا واستجابة روسيا لتلك الرغبة المصرية، لن يكون على ذات القواعد التي شهدتها فترة ما بل السادات، حيث كان للفكر والأيدلوجية مكانا واسعا جدا، الأرضية التي أرست أسس تلك العلاقة، ولكنها تدخل الآن بابا يمكن اعتباره بـ"الـمصلحة المتبادلة"، حيث مصر تبحث "توازنا" في المشهد السياسي والابتعاد عن حالة "الغرق التي عاشتها" في الحضن الأميركي منذ الاعلان الساداتي، وعلى غير وجه حق، بأن أمريكا تملك 99% من أوراق اللعبة في المنطقة، اعلان كلف مصر كثيرا من دورها ومكانتها الاقليمية والعالمية واعادها الى منطقة ذات أثر اضعف كثيرا من قيمته الحقيقة، وفتح الباب واسعا لقوى غير عربية لما يمكن تسميته "سد الفراغ" الناجم عن غياب مصر..وروسيا تريد حضورا عاما في منطقة غابت عنها بفعل فاعل..

منذ لحظة انتصار الثورة المصرية رفعت جماهير الثورة صورة الرئيس الروسي بوتين في ذات لحظة حرقها صور الرئيس الأميركي أوباما والعلم الأميركي، تزامن لم يكن عفويا بقدر ما كان تعبيرا عما يجب أن يكون لحماية ثورة مصر، ومؤشرا عما يجب أن يكون في علاقة مصر الدولة.. وعلها من المرات النادرة في المنطقة العربية أن يسبق الشعب حكومته وقيادته السياسية في اختيار تحالفات الدولة دون "عملية تدليس منظمة"..رد العفل الشعبي المصري الفوري بعد الثورة كان حاسما في وضع أسس تحديد مسار علاقات مصر الخارجية في المرحلة القادمة..

وبلا شك لا يذهب أي كان الى اعتبار المرحلة الجديدة في العلاقة الروسية المصرية محاولة لاستنساخ تلك العلاقة القديمة شكلا ومضمونا، ولكنها ايضا لن تتجاهل قيمة وروح تلك العلاقة التاريخية أيضا، حتى لو كانت منطلقة من "مبدأ المصالح  المتبادلة"، فهي بالقطع تحمل موقفا سياسيا لحركة التغييرات في ميزان القوى الدولي والاقليمي، وعودة النفوذ المتلاحق للدولة الروسية بسرعة فائقة، وأصبحت لاعبا رئيسيا في المشهد الاقليمي بالمنطقة، لاعب بات يحظى بقبول شعبي بدأت تخسره الولايات المتحدة..وهو العنصر الهام الذي سيكون له دور كبير في تغيير خريطة التحالفات أو العلاقات الاقليمية مستقبلا..

روسيا تعود الى مصر وبالتالي الى المنطقة، ليس من خلال باب سوريا واشكالاتها وأزمتها بكل ما اثاره الموقف من تأييد أو تحفظ ومعارضة، تعود الى المنطقة من باب ثورة مصر التي تحظى بحب عربي شعبي جارف قبل الدعم الرسمي العربي، وليس من التطرف السياسي أن المقياس العالم للعلاقات الراهنة لدول العرب وشعوبها هو الموقف من مصر الثورة..مقياس شكل "اختراعا عربيا" من صلب الحراك الحقيقي للخلاص من "التبعية الذليلة" للولايات المتحدة، رسميا وشعبيا، وربما أهل المحروسة باتوا بشوق غير محدود لوصول الرئيس الروسي الى مصر، زيارة قد تكون حدثا تاريخيا نادرا لاستقبال رئيس دولة غير عربية..مصر الشعبية تعتقد أن استقبالها لبوتين سيكون الرسالة الأبلغ ضد الطغيان الذي حاول البعض فرضه على مصر المحروسة في لحظة اختطاف ثورتهم..ويعتقد كثير من ابناء المحروسة أن عشرات الملايين سيكونون في انتظار بوتين التاريخية..

روسيا ومصر عودة سترسم ملامح المنطقة دون أن تكون بذات المظهر  القديم..علاقة دون تحديد لعداوة سياسية ولكنها لبناء مستقبل بلا هيمنة أو سيطرة أو غطرسة..علاقة لتبني دولة ودول في سياق من "الكرامة الوطنية" "واستقلال متحرر" من "عقدة الهيمنة والسيطرة"..مصر وروسيا عودة الروح لماض برؤية حاضر جديد ونحو مستقبل مختلف..

ملاحظة: أن يحتل كلام الرئيس عباس عن "استقالة الوفد المفاوض" كل هذا الحيز من الاهتمام هو رسالة قاطعة بأن الأمة وشعوبها يطلبون الاستقالة السياسية من المفاوضات وليس "استقالة وفدها" ..طبعا لو كانت القصة أصلا صحيحة!

تنويه خاص: جيد أن تلتقي القوى الوطنية في قطاع غزة لبحث مشكلة الكهرباء..ولكن الأجود أن تجد حلا قابلا للتنفيذ..والكل عارف شو هي المصيبة اللي مسببة هاي المشكلة وغيرها..انها فصيلي الانقسام يا سادة!

اخر الأخبار