لا مكـــــان لليـأس في قاموس الشعـوب

تابعنا على:   03:09 2013-11-14

جمعه ناجي

 منذ أيام مرت واحدة من أشد ذكرياتنا الوطنية حلكة وسوادا حين أعطى من لا يملك وعدا لمن لا يستحق، ومثّل فصلا مأساويا في مظلمة استعمارية بريطانية دولية، لم تنته فصولها بعد، وكان وعد بلفور المحطة المركزية التي أقلع منها المشروع الصهيوني لاقتلاع شعبنا الفلسطيني من وطنه التاريخي... وعْد شكل فرضه بقوة السلاح والعدوان والغرب الاستعماري وصمة عار في جبين البشرية بأسرها.

وفي هذه الأيام تمرّ ذكرى استشهاد القائد المناضل الكبير الأخ أبو عمار بعد سنوات من الصمود البطولي أمام الحصار، وبعد مر الدواء الذي أسقاه العدو للشهيد بعد عودته الى وطنه خصوصا بعد ان تأكد من دائرية وعبثية وعقم المفاوضات ومفهوم العدو للسلام وهو المفهوم الذي لن يفضي بأي حال الى تحقيق حلم الشهيد ولو بدولة على 22 بالمائة من وطنه التاريخي، وبعد ان تأكد أكثر من الشراكة الأمريكية الاسرائيلية في مشروع فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني.. وبعد أن استعاد ما أسقطته دوّامة المفاوضات من مفاهيم بل وأبجديات صارت على دربها كل الشعوب التي انتزعت الحرية والتحرّر من مستعمريها والذي عبرت عنه قولة الزعيم التاريخي ليفيتنام «هوتشي منة»: لا قيمة لمفاوضات تجري على مائدة لا تشتعل تحتها النيران (تكامل المقاومة مع العمل السياسي).

وبعد أيام يطل اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني (29 نوفمبر الجاري) في ظروف ربما هي الأسوأ (عمليا) منذ وعد بلفور فالاستيطان يلتهم الضفة الغربية بوتائر غير مسبوقة خصوصا كلما جاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حيث يتضاعف الاستيطان رغم تصريحاته الاستهلاكية والتنكرية.

كما يطل هذا اليوم في وضع عربي بائس لم تعد فيه قضية فلسطين أولوية ولا مركزية أو بوصلة (ولو تمثيلا) كما كانت على مدى العقود السابقة.. وضع عربي شجع الاحتلال على مواصلة مشروعه دون خسائر... وضع لم تعد الرسميات العربية فيه تدين مجرد إدانة سياسة العدو في ابتلاع القدس والتخطيط لردم الأقصى إضافة الى كل جرائم الاحتلال... وضع عربي بدأنا نسمع فيه مؤخرا همسات العلاقمة العرب: دعونا من فلسطين.. ما لنا وما لفلسطين وبدا المواطن السويدي والفرنسي والمكسيكي والألماني ومن منطلقات انسانية وأخلاقية على الأقل أكثر دعما وارتباطا ومساندة لقضية فلسطين، وبدت جامعات أوروبية وأكاديميون هناك يقاطعون الأكادميين والجامعات الاسرائيلية. كما بادرت دول أوروبية بمقاطعة منتجات المستوطنات في وقت تفتح فيه بعض العواصم العربية أسواقها لهذه المنتجات بماركات تنكرية في وقت يسوّق فيه هؤلاء العلاقمة للتطبيع مع العدو وفي وقت تنبري فيه شريحة من أشباه المثقفين المرتزقة الذين لم يقدموا لفلسطين ولو كلمة طيبة منصفة، ولم ينحازوا يوما لقضية تجمع شعوب الأرض قاطبة على عدالتها وحقوق شعبها في التحرر والانعتاق وطبقا للشرعية الدولية والقانون الدولي ليس أكثر بل تحاول هذه الشريحة تشويه وتلويث الشعب الفلسطيني المناضل ومقاومته المشروعة وصموده على أرض وطنه وتمسكه بحقوقه مقابل رشوات مخزية لطابور خامس يعمل في أقطارنا العربية لمصلحة الاحتلال الصهيوني عبر منظمات متصهينة ومرتشية وعبر مراكز ثقافية أمريكية وعبر تلمس كل السبل للثراء والرفاه على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وعلى حساب شهدائه وأسراه وأيتامه.. هذه الشريحة التي طالما أدت هذا الدور المخزي قبل الانقسام الفلسطيني (ذريعة هذه الأيام) بل أدته في ذروة مقاومة ووحدة وصمود الحركة الوطنية الفلسطينية بكل فصائلها وشعابها.

وضع عربي يفضي (بمتغيراته) إلى استمرار حصار غزّة ومضاعفة عذابات سكانها جراء صرف النظر عن سياسات الاحتلال وحصاره لأهلها وشعبها الأبي، وخلق المزيد من الأزمات التي لم تدفع بأشقائها لإنقاذ صمودها وإنسانيتها.

وضع عربي لم يعد يلتفت إلى مأساة القدس التي يتعرض شطرها الشرقي لتهويد واستيطان وعبرنة فاقت خلال العاملين الماضيين كل ما سبقتها من عمليات استيطان وعلى نحو مريع، ولا بأس من تذكير (الأشقاء) وأثريائهم بأن مليارديرا صهيونيا واحدا «موسكوفيتش» يمول عملية تهويد القدس والأقصى، وهو ما لم تقدمه أمة المليار ونصف مسلم لدعم صمود المقدسيين وحماية الهوية العربية الإسلامية للمدينة المقدسة، وبينما المليارات العربية توظف لخلق الفتن والقلاقل في الدول العربية والسعي لتفكيكها ما يعني مصلحة إسرائيلية صرفة، وإن كنا لا نرى أهلية حكامنا أحفادا لصلاح الدين تجاه القدس فإننا لم نكن نتمنى أن يكون جل هؤلاء الحكام أحفادا لـ«أبي عبد الله الصغير» ثم من يضمن البيت الحرام في مكة إذا سقط الأقصى لاقدر الله.

لقد مرت على أرض فلسطين غزوات تلو غزوات وجحافل تلو الجحافل.

ولا يكاد حجر في أرض فلسطين إلا وشهد ملحمة تلو ملحمة لحماية هذه الأرض وطرد الغزاة منها، ولن تثني الشعب الفلسطيني هذه السحابة السوداء التي تجتاح فضاءه ولن تثنيه كل تلك المؤامرات والانكسارات العربية عن مواصلة الكفاح لطرد الغزاة من بلاده، أو مغادرة ممر الماراثون لأن شعبنا يؤمن بحقوقه راسخة في أرض ابائه وأجداده وإن كان للباطل جولة فإن لحظة من العتمة لن تعميه عن رؤية درب التحرير، ومعه أشقاؤه من الشرفاء والأحرار من أمتنا الذين بذلوا التضحيات الجسيمة من أجل القدس وفلسطين... ولن يكون لليأس مكان في قاموسنا الوطني.