المقاومة : تباين المفاهيم

تابعنا على:   09:11 2022-10-07

سليم يونس الزريعي

أمد/ يمكن القول أن مفردة المقاومة قد أخذت بعدا مفهوميا أحادي الجانب لدى بعض القوى السياسية ولدى المواطنين في فلسطين والوطن العربي، ذلك الفهم الذي ينحصر في المقاومة في جانبها العنفي (العمل العسكر ) ليس غير، في حين أن المقاومة هي فعل شامل يتجاوز ذلك إلى كل أشكال الفعل التي تندرج في إطار رد الفعل الرافض للواقع المفروض، أيا كان شكله، وهو هنا واقع طارئ وعدواني، ضد إرادة الفرد والمجموع، أو أولئك الذي يقعون ضمن حدود هذا المتغير. .

وفعل المقاومة هنا هو نقيض فعل العدوان ومن ثم هو رد فعل "شَرْطي" عليه، ولأنه كذلك فإن المقاومة تحدد أبعادها وآليات عملها وأساليبها شروط الواقع القائم في الزمان والمكان، ومحددات المعادلة الجديدة للصراع، ولذلك فإن هذه الشروط من شأنها أن تنوع أشكال النضال سواء منها المقاومة التي تندرج تحت ما يمكن أن يطلق عليها مقاومة الفعل الإيجابي، بأشكالها المختلفة العنفية وغير العنفية، وكذلك المقاومة في مفهومها السلبي، التي تندرج في إطار الرفض للعدوان وجودا ونتائجا.

وإنه لمن مجافاة الواقع أن ينحصر مفهوم المقاومة في جانب واحد منها، وهو العمل المسلح فقط، وإذا كان فعل المقاومة المسلح هو بمثابة تظهير لفعل وأساليب وأشكال المقاومة الأخرى، إلا أنه لا يمكن تجاهل أن الفعل العنفي في شكله المسلح هو أسلوب مقاومة أنضجته مجموع أشكال المقاومة الأخرى باعتباره نتاجا لتلك السيرورة، كنقلة نوعية في إطار المواجهة بين العدوان ورفض العدوان.

ومن ثم فإن الحديث عن المقاومة يجب أن يأخذ المقاومة بأبعادها الشاملة الذي يتجاوز شكلا واحدا منها وإسباغه على أسلوب محدد بذاته، بحيث يختزل جميع الأشكال الأخرى في شكل واحدـ الأمر الذي يخرج الأشكال الأخرى من دائرة الصراع، التي هي في جوهرها أشكال من الغنى والتنوع ما كان للشكل العنفي من المقاومة أن يكون بدونها، لأنه بدونها سيكون عبارة عن فعل معلق في الهواء ليس أكثر، وهنا تبرز أهمية قراءة ووعي فعل المقاومة في مفهومه المعرفي العام والشامل.

وإذا كانت المقاومة العنفية بمستوياتها المختلفة التي يمثل فعل الكفاح المسلح شكلها الأرقى، فإن تكامل أشكال النضال في إطار الصراع مع العدو تحدد منسوبه وشكله جملة الظروف الموضوعية والذاتية، التي تحكم معادلة الصراع القائم، ذلك أن أشكال المقاومة الأخرى، هي التي تحفظ للصراع ديمومته باعتباره دفاعا عن الذات والوجود في لحظات تراجع منسوب فعل الكفاح المسلح (العنفي) كليا أو جزئيا، لأسباب تتعلق بالعامل الذاتي والموضوعي، كون العامل المقرر في ذلك هو شرط اللحظة، التي لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي في الماضي والحاضر والمستقبل.

وعلى أساس هذا الوعي بالمقاومة كمفهوم وممارسة، يمكن القول أن النضال الفلسطيني قد مارس هذا النوع من المقاومة على مدى قرن من الزمان، وإن كان قد جرى في لحظات تاريخية معينة، إعلاء شأن أحد أساليب تلك المقاومة على بقية الأشكال باعتبارها المظهر العام، دون أن يتم وعي أهمية المزاوجة الإيجابية الخلاقة لتلك الأشكال والأساليب في نسق كفاحي قادر على تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال بعيدا عن تغليب شكل ما بعينه، واعتباره الطريق الوحيد لإنجاز تلك الأهداف، لأن ذلك يعتبر تنازلا مجانيا عن حق ممارسة أحد أشكال النضال، إما استخفافا أو عدم وعي بأهميته، الأمر الذي يعني التفريط في أحد ممكنات القوة دون مبرر.

وما المثال الذي قدمه أبناء الشعب الفلسطيني الذين صمدوا في مواجهة الاقتلاع عام 1948 إلا شكلا من أرقى أشكال النضال، ليجسدوا بذلك المقاومة؛ بأن تحدوا قسوة الواقع آنئذ عبر الحفاظ على الذات التي هي في جوهرها مقاومة، من خلال ممارسة فعل البقاء في مقابل النفي والاقتلاع، عبر الحفاظ على الهوية والمقاومة "البيولوجية" (التناسل)؛ الذي بات يعتبره العدو الصهيوني في حساب المستقبل وبعد سبعة ونيف بمثابة "قنبلة ديمغرافية" قد تفجر كيانه من الداخل.
وكون الصراع طويل ومفتوح ارتباطا بطبيعة الهجمة الصهيونية، التي هي في جوهرها هجمة استعمارية إحلالية، هدفها نفي الوجود الفلسطيني ليحل محله وجود آخر لمجموعة بشرية ليس بينها من رابط سوى هذا المشروع الإحلالي؛ الذي يستهدف اقتلاع الفلسطيني من أرضه ودياره، بل والسطو على تاريخه وتراثه، وتزييف تاريخ ليس له وجود في الواقع، وهو ما أكده المؤرخ اليهودي شلومو ساند، من أن حكاية وجود شعب يهودي؛ هي مجرد خرافة تم اختلاقها، ولذلك فإن حضور الذاكرة والأفكار هي جزء أساسي في فعل النضال لمواجهة هذا العدوان باعتبارها من صميم المقاومة.

والسؤال من بعد، هل يمكن لطرف فلسطيني بعينه أن يدعي احتكار المقاومة عبر تبنية أحد أشكالها؟ نستطيع القول هنا؛ أن هناك خلطا مفاهيميا ضارا ذلك الذي يختصر المقاومة في العمل العنفي المسلح على أساس أنه الشكل الوحيد ,لأنه أكثرها بروزا، نتيجة فعله التأثيري المباشر، في ظل وجود الأشكال الأخرى؛ التي تتسم ببطء فعلها كونه ذو طبيعة تراكمية، إلا أنها مع ذلك هي التي تؤسس لأي نقلات نوعية، قد تعطي للفعل العنفي أبعاده ونتائجه الملموسة، ومن ثم نتائجه النهائية، ومن ثم فإن وضع أشكال المقاومة وكأن هناك تناقضا بينها يشكل قصورا في وعي جوهر المقاومة، التي هي رد فعل طبيعي على الفعل العدواني، وهو الفعل الذي هو مجموع كل تلك الأشكال الإبداعية التي يبدعها المجموع الشعبي في إطار رفضه للعدوان.

فالمقاومة العنفية ليست عملية فعل مستمر متصل لا يتوقف، بل إنها تسير في خط بياني قد يصعد في مرحلة وقد يهبط منسوبها في فترة أخرى، ارتباطا بشروط المعركة التي تجري بين طرفين، التي قد يحكمها في بعض اللحظات شروطا غير مواتية، أو حتى شرط الضرورة النضالية في أطار موجبات المقاومة، وإن كان الخط البياني في سيرورته العامة يبقى صاعدا، الذي لا يجب بأي حال في أي فترة من الفترات قراءة أي فعل مقاوم ارتباطا بفترة ما، دون قراءة التجربة التاريخية للمقاومة في كليتها، واعتبار المقاومة في اللحظة الراهنة هي بالضرورة نتاج التراكم الكمي لكل تلك التجربة الطويلة من الفعل العنفي الذي ابتدأ مع بداية العدوان، أي بداية الغزوة الصهيونية على فلسطين.

فالتاريخ عبارة عن حلقات متصلة، لا يمكن ممارسة الفصل القسري أو الكيفي لبعضها عن بعضها الآخر؛ لأن ذلك يمثل قراءة تعسفية، كون أي تجربة نضالية بنجاحاتها وإخفاقاتها هي ثروة؛ من الإجحاف أن يجري التفريط فيها؛ على قاعدة أن المقاومة قد بدأت عند هذا الطرف أو ذاك في اللحظة التي قرر فيها أن يكون جزءا من العملية النضالية جابا ما قبلة من تجارب نضالية لا زالت مستمرة، ذلك أنه لو لم يبدأ الأولون بالمقاومة؛ فإنها ما كانت لتكون بهذا الغنى والحضور الآن، فالتالي يبني على من سبقه بصرف النظر عن تقييم تلك التجربة.

ويبدو نوعا من الدعاية التي تصل حد "التضليل" ترويج ثقافة تنكر تجارب ووجود الآخرين، بأن يقصر فعل المقاومة على الفعل العسكري وحده على أساس أنه الشكل الوحيد في عملية المواجهة المفتوحة مع العدو بكل أبعادها الإنسانية، خاصة إذا كان العدوان كالذي يمثله الكيان الصهيوني، كونه عدوان فريد من نوعه، لم يجربه أي شعب من الشعوب من قبل، كونه يمارس في الواقع والفكر لنفي وجود الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يتطلب مقاومة تستجيب لشروط هذا الواقع، ليس من أجل منعه من تحقيق أهدافه، بل من أجل هزيمة هذا المشروع الإحلالي الذي تم بناءه على نظرية خرافية ليس لها سند من التاريخ .
ومن ثم فإن الحاجة تصبح ماسة لدى ليس القوى السياسية الفلسطينية والعربية فحسب بل ولدى المواطن الفلسطيني والعربي، بأن يجري وعي المقاومة باعتبارها كل ذلك، وأن لا يجري التعامل مع أي شكل منها باعتباره نقيضا لشكل أو للأشكال الأخرى، طالما أن الصراع مع العدو يقوم على علاقة مستمرة من النفي والنفي المضاد، وفيما نعتقد أنه من هنا نبدأ.

اخر الأخبار