أوروبا في دوامة الأعاصير.. وماذا عن العرب؟

تابعنا على:   07:25 2022-08-16

صالح عوض

أمد/ أزمة المناخ وتأثيراتها بعد أن اخترقت طبقة الأوزون، وتداعيات الأزمة الأوكرانية أمنيا واستراتيجيا وتقليص المستورد من الغاز والبترول الروسي، ونقص تدفق الحبوب والزيوت والسماد والغازات النبيلة والمعادن الثمينة.. تتفاعل كل هذه التحديات لصنع أزمة واقعية تواجه الدولة الأوربية والاتحاد جملة بعد أن اكتشف أن السفن التي كان من المحتمل ان تقوم بنقل الفحم الحجري ليعوض بعض النقص النفطي لم تعد قادرة على التحرك في أنهر فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا فلقد جفت الأنهر، وهكذا يحكم الحصار على الاقتصاد الغربي الذي وجد نفسه على غير رأي منه في أتون حرب من غير المنظور توقفها غدا في أوكرانيا، فهل هي مرحلة تاريخية من تلك التي تشهد تحولات عميقة في المجتمعات والنظام الاقتصادي وهل تصمد هذه المجتمعات في مواجهة الضغط الذي اشتركت فيه الطبيعة مع الجيوش الروسية؟
الأسوأ لم يأتِ بعد:
إن ارتفاع الأسعار في شتى المجالات بناء على ارتفاع أسعار النفط يلحق بالاقتصاد الغربي مزيدا من التضخم ورفع قيمة الفائدة وانخفاض القيمة الشرائية للعملات كما ان الازمات المتولدة عن ازمة الطاقة الحالية تتضاعف بفعل الازمة في وصول الحبوب الى البلدان المعتمدة عليه بنسب كبيرة الامر الذي يولد القلق في العالم كله.
ورغم ان البروبوغندا الغربية تشير الى انتهاج طريق يتم بموجبه اتخاذ منهجية لتخفيض الاعتماد على نفط روسيا وغازها والغازات النبيلة والمعادن الثمينة ولكن رغم كل الجهود التي بذلت في هذا السبيل الا انها عجزت عن توفير الاحتياجات المتصاعدة في اوربا للبترول والغاز والغازات النبيلة والمعادن الثمينة الامر الذي تبدو معه قرارات حظر استيراد النفط الروسي مثيرة للسخرية.
قد تُخفض معدلات إنتاج النفط الروسي بوتيرة كبيرة، لعدة أسباب منها المتعلق بالصيانة والآلات المتطلبة في عمليات الحفر بعد خروج بعض الشركات الدولية من الاستثمار في هذا المجال وسيجد العالم نفسه بذلك أمام نقص حاد في الإمدادات يصعب تعويضه.. الامر الذي يرثر بشكل مباشر على الاقتصاد في اوربا حيث اصبح الكساد يلوح في الأفق جراء التقلبات غير المتوقعة في معدلات النمو والتضخم.
وتقدر شركة إنرجي أسبكتس أنه بحلول مايو/أيار من العام المقبل، سيكون إنتاج النفط الروسي قد انخفض بمقدار 3 ملايين برميل يوميًا، قبل أن يستقر هذا الهبوط عند مليوني برميل يوميًا بعد ذلك، مع زيادة الهند والصين وارداتهما من الخام الروسي الأرخص.. حيث تستورد الهند وحدها ما يقارب من مليون برميل يوميا من روسيا
ومن المعروف ان روسيا لا تصدر النفط على شكله الخام فقط بل تصدر المنتجات النفطية كذلك وتُعَد روسيا أكبر مصدّر للخام؛ إذ تمثل صادراتها البالغة 5 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام ما يقرب من 12% من التجارة العالمية، كما يُشكل 2.85 مليون برميل يوميًا من المنتجات النفطية 15% من تجارة المنتجات المكررة حول العالم، بحسب وكالة الطاقة. بالنظر إلى احتمال تباطؤ الطلب على النفط؛ بناء على الخطط المطروحة فإن تقديرات انخفاض الاستهلاك العالمي بنحو مليون برميل يوميًا قد يكون مبالغًا فيها؛ نظرًا لاستمرار نمو الاقتصاد العالمي والاحتياجات المتصاعدة للنفط.
وتتجه بعض الدراسات الى انه "حتى في السيناريو الأسوأ لانخفاض الطلب على النفط بنحو 2.7 مليون برميل يوميًا، والذي يعادل فقدان الطلب خلال الربع الأسوأ في الأزمة المالية العالمية 2008؛ فإن سوق النفط ستظل تعاني نقصًا في المعروض يتراوح بين 0.3 و1.3 مليون برميل يوميًا (بافتراض عجز الإمدادات المتوقع بين 3 و4 ملايين برميل يوميًا).".. هذا يعني كل كلام عن القدرة على مواجهة النقص الحاصل من محاصرة النفط الروسي انما هو مجرد أوهام لتعبئة الراي العام الغربي في شن عملية مقاطعة للمنتجات الروسية ولعل الامريكان يدركون ان المدى البعيد يبخر كل اوهامهم لانهم سيكونون من اول المحتاجين للمنتوجات الروسية ليست النفط فقط بل والغازات النبيلة.
عندما ترتفع مشتقات البترول الى ما نسبته 100 بالمائة وكذلك الغاز الذي ارتفع لمعدلات قياسية ان هذا يعني ببساطة القاء الحمولات المالية على السلع الأولية الامر الذي يرغم الدول على إعادة النظر في نظامها الاقتصادي والاجتماعي.
وهنا يفتح الباب للحديث عن الارتباك العالمي بخصوص حجز تصدير الحبوب والزيوت بسبب التوتر في البحر الأسود الامر الذي اصبح مهددا بشكل واسع في بلدان افريقية ومرتفع التوتر للمواطن في اوربا الذي تعود حياة الرفاه وان الأسعار بشكل عام تزل مستقرة.. وهنا جاء الإصرار الدولي على صنع اتفاقية لتمرير تجارة الحبوب وارغام الرئيس الأوكراني لتوقيع الاتفاقية حيث تم توقيع الاتفاقية في تركيا بحضور الأمين العام للأمم المتحدة.. وقد بدات بالفعل عملية نقل الحبوب ليعود التوازن للسوق العالمية وهكذا نكتشف من جديد ان هذه المجالات الحيوية لايمكن اللعب في حماها وهي خير معتصم للدولة الروسية التي كما يبدو تجدد في الاسباب المقيدة للنشاط الاوري
ان الامن الغذائي العالمي يواجه تهديدا مباشرا وقويا بإغلاق الطريق امام المنتجات الروسية والاوكرانية وقد كشفت الأشهر السابقة ان روسيا تمتلك زمام المبادرة الاقتصادية العالمية وأنها لا تمتلك الغاز فقط بل وأيضا تمتلك عناصر مهمة في صناعة الأجهزة التكنلوجية الامريكية الامر الذي لا يمكن الاستغناء عن روسيا.
العنصر الثالث في المسألة هو المردود من تداعيات الحرب المستعرة على الأرض الأوكرانية حيث تحولت خزائن المال العسكري بالدول الغربية تحت طائلة الاستنزاف المادي والعسكري حيث تشترك الدول الغربية في تزويد الحكومة الأوكرانية باموال واسلحة، وكما هو واضح يبدو ان الروس ينتهجون عملية استنزاف ضخمة طويلة الأمد وفي هذه الحرب لايبدو ان الروس في عجلة من امرهم فيما يمثل كل يوم إضافي عبأ إضافيا على الاقتصاد الغربي.
كل هذه التحديات تولدت عن الازمة الاوكرانية وفي مثل هذا ينبغي عدم التوقف عن التوقع لاسوا الاحتمالات التي يمكن ان يمر بها الاقتصاد الغربي الامر الذي سينعكس بشكل مباشر على الوضع الاجتماعي مما قد يتسبب في قلاقل واضطرابات في قطاعات المجتمع الدنيا.
تحدي المناخ وتوابعه الخطرة:
تواجه اوربا تحديا من نوع اخر انه تحدي الجفاف الذي يكاد يمتد الى مناطق عديدة من اوربا بعد ان شملت الحرائق على مدار العام الأخير كثير من الدول الاوربية فلقد سلطت صحيفة "الجارديان" البريطانية، الضوء على أزمة جفاف أنهار أوروبا؛ بسبب موجة الحر القاسية، والتي تعد أسوأ موجات الجفاف التي تشهدها القارة منذ ما يقرب من 500 عام.
وقالت الصحيفة إنه في بعض الأماكن، يمكن الآن عبور نهر اللوار في فرنسا سيرًا على الأقدام، فلم يتدفق أطول نهر في فرنسا بهذه السرعة على الإطلاق، كما جف نهر الراين في ألمانيا سريعًا وأصبحت السفن والصنادل البحرية غير قادرة على الإبحار فيه، وفي إيطاليا، انخفض مؤشر نهر بو بمقدار مترين، وفي صربيا تعرض نهر الدانوب لذات المصير من انخفاض المنسوب بشكل كبير.
وتابعت أنه في جميع أنحاء أوروبا، يعمل الجفاف على تقليل منسوب الأنهار التي كانت في يوم من الأيام قوية حتى تحولت إلى مجرد قطرات صغيرة، مع عواقب وخيمة محتملة على الصناعة والشحن والطاقة وإنتاج الغذاء، والتي لا تقل خطورة عن أزمة نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بسبب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
ووفقًا للصحيفة، فإنه وبسبب الانهيار المناخي، أدى فصل الشتاء والربيع الجافان بشكل غير معتاد، متبوعين بدرجات حرارة قياسية في الصيف وموجات حر متكررة، إلى نقص في تجديد الممرات المائية الأساسية في أوروبا، وزيادة سخونتها بشكل متزايد.
وتابعت أنه مع عدم تسجيل هطول أمطار غزيرة لمدة شهرين تقريبًا في غرب ووسط وجنوب أوروبا، وعدم توقع أي حالة في المستقبل القريب، ويقول خبراء الأرصاد الجوية إن الجفاف قد يصبح الأسوأ في القارة منذ أكثر من 500 عام.
وقالت أندريا توريتي، من مركز البحوث المشتركة التابع للمفوضية الأوروبية: "لم نحلل بشكل كامل ما حدث هذا العام؛ لأنه لا يزال مستمراً، لم نر موجة جفاف كتلك التي نواجهها الآن منذ تم التسجيل عن معدلات الجفاف من 500 عام".
وأضافت: "هناك مخاطر عالية للغاية؛ لظروف الجفاف مستمرة على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة، بدون التخفيف الفعال، فإن كثافة وتواتر الجفاف ستزداد بشكل كبير فوق أوروبا، في كل من الشمال والجنوب".
توقف الملاحة في ألمانيا
قال المعهد الفيدرالي الألماني للهيدرولوجيا "BfG" إن مستوى نهر الراين، الذي تستخدم مياهه في نقل البضائع والري والتصنيع وتوليد الطاقة والشرب، سيستمر في الانخفاض حتى بداية الأسبوع المقبل على الأقل.
وأشارت الصحيفة إلى أن التوقف التام لحركة بارجة الراين سيؤثر على الاقتصاد الألماني- وأوروبا- بشدة، وحسب الخبراء فإن توقف الملاحة لمدة ستة أشهر في عام 2018 كلف البلاد حوالي 5 مليارات يورو.

الجفاف يتسبب في أكبر أزمة طاقة في فرنسا
وأشارت الصحيفة إلى أنه قد لا تكون أنهار فرنسا شريانًا رئيسيًا للشحن، لكنها تعمل على تبريد المحطات النووية التي تنتج 70٪ من كهرباء البلاد، مع ارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، اضطرت شركة الكهرباء العملاقة EDF إلى خفض الإنتاج بسبب الجفاف.

تضرر الإنتاج في إيطاليا
في إيطاليا، انخفض تدفق نهر بو، وهو أطول أنهار إيطاليا، إلى عُشر معدله المعتاد، وانخفضت مستويات المياه عن المعدل الطبيعي بمقدار مترين، مع عدم هطول الأمطار في المنطقة منذ نوفمبر، تضرر إنتاج الذرة وأرز الريزوتو بشدة.
ويمثل وادي بو ما بين 30 % و 40% من الإنتاج الزراعي لإيطاليا، لكن مزارعي الأرز على وجه الخصوص حذروا من أن ما يصل إلى 60% من محصولهم قد يُفقد بسبب حقول الأرز.
ان هذه القراءات الغربية لما يحصل نتيجة الجفاف تشير بوضوح الى ازمة حقيقية سيواجهها كل بلد اوربي يعتمد على السفن النهرية في النقل الشحن وهذا يعني ان الأساليب التقليدية لن تنجح في مواجهة التحدي الأصعب
العرب وازمات الغرب:
شمال افريقيا والجزيرة العربية سيكون عليهما المساهمة في حل ازمة الشمال الذي يعاني من أزمات تحيط به وهنا ينبغي فهم ان الغرب تاريخيا يحل ازماته على حساب المنطقة وخيراتها، ولعل الصرخات المحتشمة التي اطلقها بعض المفكرين والسياسيين الغربيين تفيد بوضوح ان الموضوع مطروح باحتشام لكنه سيصبح موضوعا حيويا واجباريا.
للإجابة على هذا التحدي ينبغي ان يدرك الحكام العرب وهم في اضعف أوضاعهم ان عليهم التهيوء للقادم والا سنضطر لحروب قادمة وتحديات خطرة,,
ان البحر المتوسط وبما فيه من فرقاطات وبوارج اوربية وكذلك التغلغل في أوساط افريقيا وحوالي الدول العربية كما هو التعمق في التسلط على الاقتصاد العربي والجغرافيا العربية في المشرق العربي يعني بوضوح اننا لن نكون في منأى عن التحديات المطروحة على العالم.

اخر الأخبار