بريطانيا وأزمة سياسية لم تغلق بعد

تابعنا على:   19:37 2022-07-07

محمد مشارقة

أمد/ في الازمة السياسية التي تجتاح بريطانيا بعد استقالة رئيس الحكومة بوريس جونسون الذي كذب ودلس على حزبه وحكومته وناخبيه، يطرح سؤال حول جوهر الديمقراطية البريطانية، الأشهر والابرز وتسمى بالمثال الأكثر رسوخا بين الديمقراطيات. هنا ربما من المفيد التطرق الى خلفيات المشهد التي تلقي الضوء على طبيعة واسباب الازمة ومسالة الخلافة داخل حزب المحافظين. 
-    نصف المجتمع تقريبا هو من صوت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان الأبيض الإنجليزي المعادي للأجانب بما فيهم الأوروبيون شركاء الثقافة والتاريخ وليس فقط الملونين والشرق اوسطيين وهو من قاد العزلة عن اوروبا، رغم كل البيانات التي تحدثت عن خسائر بريطانية كبرى اقتصادية ومالية تنتظر البلاد.  ولم يؤخذ بالاعتبار النصف الاخر من البلاد الذي يرى مستقبل حياته في السياق الاوروبي وغالبتهم العظمى من الشباب. 
-    55 رئيس وزراء منذ انشاء هذا المنصب تخرجوا من جامعتين هما اوكسفورد وكمبريدج، ومنذ الحرب العالمية الثانية الى اليوم جاء 75 بالمئة من رؤساء الحكومات من جامعة اوكسفورد وحدها . ونحو 70 بالمئة من قادة البلاد وزراء وادارات حكومية عليا وسلكا دبلوماسيا ومدراء الشركات الكبرى والبنوك تخرجوا من خمسة مدارس خاصة للنخبة وأبرزها ايتون وتشرتشل.
-    حينما يقال ان اجتماع لجنة تسمى 1922 المكونة من 18 برلمانيا في حزب المحافظين بيدهم سيكون اختيار خليفة بوريس جونسون وقائد جديد للحزب، لكن ما يعلمه الجميع ان محافل سرية أخرى لها راي في مسالة قيادة الحزب وهم تجمعات من رجال اعمال ووزراء سابقين ودوائر مرتبطة بالقصر الملكي والمؤسسة الأمنية بكل تفرعاتها. وهنا وجه الاختلاف عن الديمقراطية الامريكية التي حملت للرئاسة اسودا هو باراك أوباما الى سدة الحكم، فالديمقراطية البريطانية لن تحمل الى راس القيادة في حزب المحافظين رجلا ملونا او من عرقيات أخرى غير الإنجليزية البيضاء. 
-    من تابع سيل ثرثرة بوريس جونسون طيلة أيام الازمة وبداية هروب أنصاره من سفينة الحكومة قبل غرقها ، يلاحظ انه تحدث بانه مفوض من الشعب وانه سيكمل مهمته قبل ان يجبر على الاستقالة ، معاندا وعن قصد حقيقة ان النظام البرلماني في بريطانيا يعطي حزب الأغلبية البرلمانية الحق في تسمية رئيس الحكومة ، لكن بعض الاجتهادات في الاعلام البريطاني وكذلك انصار جونسون بدأوا يتحدثون عن ضرورة احداث تغيير قواعد الديمقراطية البريطانية ، وبان يتم انتخاب رئيس الحكومة مباشرة من الشعب ، وهو اقرب الى النظام الرئاسي رغم رسوخ الملكية البريطانية ، واحتمال ان يكون رئيس الحكومة من حزب وبقية أعضاء الحكومة من حزب اخر او تحالف حزبي بما يؤمن الأغلبية البرلمانية للحكومة .  
-    اذا استمرت الازمة الاقتصادية في بريطانيا ودخولها كما هو متوقع في مرحلة الركود الطويل ، وهي الأكبر في نسبة التضخم مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى ، فان كل التقديرات تشير الى ان الازمة السياسية الحالية لن تفضي الى خروج بريطانيا من ازمتها الاقتصادية ، خاصة وان الحديث يدور عن خسارة بريطانيا نحو 150 مليار جنيه إسترليني منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي ، وانتقال المركز المالي العالمي والشركات الكبرى من بريطانيا الى الدول الأوروبية الأخرى ، وكائنا من كان سياتي على راس حزب المحافظين والحكومة القادمة لا يمكنه تجاهل الازمة ، وبالتالي العودة لفتح المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وقواعد جديدة للعلاقة مع السوق الأوروبية ، فالأزمة تتجاوز طابعها الحكومي الى ما هو ابعد ، وفي الجوهر استمرار الاتحاد البريطاني برمته ، وراي شعبي جارف يفضل الانقسام عن التاج في كل من اسكتلندا وايرلندا والبقاء في الاتحاد الأوروبي . 
-    في الخلاصة: بريطانيا لا يمكن لنخبتها ان تستمر في حكمها وتأمين الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي  ، دون الاستماع الى راي الشارع بكل تعبيراته وتنوعه الطبقي والعرقي ، حتى تستمر المملكة المتحدة كدولة لكل مكوناتها الإنجليزية والويلزية والايرلندية والاسكتلندية واقلياتها الاثنية الكبيرة .

كلمات دلالية

اخر الأخبار