الواقع يكشف زيف الكلام

تابعنا على:   07:37 2022-07-03

د.أسامة الفرا

أمد/ حال الكثير منا ممن أتيحت لهم فرصة زيارة الدول الغربية عادوا إلى ديارهم محملين بصور الحياة الغربية الجميلة، حيث قيمة الانسان تتقدم على ما سواها، وحرية الرأي لا حدود لها ولا قيود تحاصرها، والقانون وحده ولا شيء غيره هو الناظم لحياتهم، وأمامه لا فرق بين حاكم ومحكوم وبين قوي وضعيف وبين غني وفقير، والحكم لديهم يتسم بالنزاهة والشفافية وليس مكاناً للسلب والنهب، فلا يهمهم من يحكم بقدر ما يهمهم كيف يحكم، والمواطن لديهم ينعم بما جاد به العقل البشري من تطور وتقدم حتى تكاد تشعر بأن الحياة الرقمية تحضر في كافة تفاصيلها، قد يرى البعض بأن الحياة لديهم ليست بهذا القدر من الوردية وظاهرها لا يعكس حقيقتها حيث تمسك المادية بتلابيبها، وتعقيداتها تجبر المرء على الإنخراط في دواليبها مما ينعكس سلباً على بنية الأسرة والنسيج المجتمعي، وأن الكثير من القيم تغيب عنهم وسط زحام عرض الدنيا.
المشكلة لا تتعلق بتقييم يستند على مقاييس متباينة نتفق مع بعضها ونختلف مع الكثير منها بقدر ما ترتبط بالحالة السوداوية التي بتنا عليها، حيث المواطن بلا قيمة وكرامته مهدورة وحقوقه مسلوبة، يتخبطه القمع والقهر وسط عجزه عن إحداث التغيير المطلوب بفعل سياط الأنظمة الحاكمة وقدرتها الفائقة على تكميم الأفواه، وعليه أن يتجرع مرارة الصمت رغماً عن أنفه وهو يرى مقدرات الوطن تذهب لصالح فئة ضيقة تمسك بتلابيب السلطة دون حسيب أو رقيب، ولا يحق له البوح بالنقد مهما صغر شأنه لأن فيه مس بالقامات الرفيعة واعتداء على راية العقيدة، والمفارقة أن لغتنا العربية دوما ما تقدم الفعل على الفاعل
لا يجوز لأي منا أن يستوقفه تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأخير، الذي يتهم السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنها تعتقل المنتقدين والمعارضين بشكل تعسفي وتعذبهم بصورة ممنهجة وتدعو المانحين لوقف التمويل عن قوات الأمن الفلسطينية، فتقريرها مجرد هراء لا يستحق الالتفات إليه وتقريرها باطل جملة وتفصيلاً، فهذه المنظمات حتى وإن لبست ثوب فضيلة حقوق الانسان إلا أنها تعمل طبقاً لما تمليه عليها أجهزة المخابرات الغربية ضمن أجندة لا تريد الخير لنا، أليس هذا ما نتقوله كي نسيج به حدود المدينة الفاضلة التي نحيا في كنفها؟، ألا نرمي بكل الموبقات كل من تحدث من بين ظهرانينا عن إنتهاك حقوق الانسان وننعته بما ثقل وزنه من التهم أخفها شأناً بأنه لا وطني؟، كأن الوطنية تستمد معانيها من تقبلنا للواقع بكل سيئاته وتفرض علينا تقديس الفرد، وأن نجيد في حضرته لغة النفاق والتدليس ومسح الجوخ، وأن نغض البصر عن السياط التي تجلد كرامة المواطن.
تشير الدراسات أن أكثر من ثلث الشباب الفلسطيني يطمح بالهجرة، رغم معرفته بأنها قفزة نحو المجهول ناهيك عما يكتنفها من مخاطر، وشهدت السنوات الأخيرة وبالتحديد بعد الانقسام موسماً للهجرة نحو الشمال وبأعداد لا بد وأن تثير القلق، لم نسأل أنفسنا لماذا يفكر الشباب في الهجرة ولماذا يختارون الغرب "الكافر" وجهة لهم؟، هل هو الخجل كي لا يكشف السؤال سوءتنا ويزيح اللثام عن موبقاتنا؟، ولعل السؤال الأكثر إيلاماً هو لماذا يفكر الشاب في الهجرة اليوم في الوقت الذي كان يرفض فيه عرض الاحتلال بالسماح له بالسفر شريطة ألا يعود للوطن خلال سنة أو أكثر قليلاً؟. هل فقد الشباب الأمل في المستقبل بعد أن تجرعوا لسنوات طويلة مرارة الانقسام وتداعياته ولا يلوح في الأفق ما ينبيء بنهايته؟، الشباب سئموا من الخطابات الغوغائية ولم تعد الشعارات الرنانة تلهب مشاعرهم، ولم يعد لديهم قابلية للإستماع إلى مواعظ يدحضها الواقع، فما يحيط بهم يكشف زيف ما يقال حيث الفقر يتسع يوماً بعد يوم والبطالة تقفز بأرقامها الفلكية دون رؤية لكبح جماحها، وحرية الرأي غير مكفولة وقد تجلب لصاحبها ما لا يحمد عقباه، ومشاركة الشباب في صناعة القرار وتحديد معالم مستقبلهم كذبة كبرى.
نحن على يقين بأن الحرية ستسطع يوما ما على الوطن طال الزمن أم قصر، وليس لدينا مثقال ذرة من شك بأن هذا اليوم آت كونها حقيقة لا تقبل الجدل، ولكن إلي أن يأتي هذا اليوم ألا يجدر بنا أن نحفظ للمواطن كرامته وأن نوفر له حياة آدمية تمكنه من الصمود والثبات، فحرية الوطن لا يمكن لها أن تبنى على حساب حرية المواطن ولا كرامة لوطن تمتهن فيه كرامة المواطن.