أيّها الغرب المنافق

تابعنا على:   08:19 2022-05-29

د. أماني القرم

أمد/ القضية التي تشغل الغرب اليوم :امريكا واوروبا ومستثمرو الحروب في أراضي العالم المنكوبة هي كيفية اعادة اعمار اوكرانيا . والمسالة ليست في آلية الاعمار بل في كيفية الاستيلاء على احتياطات البنك الروسي المركزي من النقد والذهب المنتشرة في البنوك الاجنبية العالمية لاستخدامها في عملية اعادة الاعمار. ولأن الأصول الاجنبية محمية بموجب القانون الدولي، فالعصف الفكري الغربي على أشده في هندسة مسار قانوني وسياسي لمصادرة الأصول الروسية التي تم تجميدها وتزيد عن 350 مليار دولار . مؤخراً تم تصدير بعض الدول الاوروبية الصغيرة كواجهة زائفة للمطالبة وايجاد السبل القانونية اللازمة لتمويل  عملية إعادة اعمار أوكرانيا بأموال روسيا المجمدة من منطلق العدالة : من دمر يتحمل تكلفة التدمير! حكومة أوكرانيا التي تعدت مسالة الحرب نفسها منذ فترة سبقت في الدعوة لهذا الامر، وبدأت منذ أكثر من شهر من خلال مشروع "اجعل روسيا تدفع"  في جمع وتصدير المعلومات عن حجم الخسائر الضخمة التي لحقت بها والتي يقولون انها قد تتجاوز نصف تريليون دولار. العجيب ان المشاريع التي تطرح لتصورات ما بعد الحرب لا تعالج  فقط اصلاح ما دمرته الحرب، إنما هي مشاريع تنمية شديدة الحداثة من شأنها تحديث أوكرانيا بشكل كلي لتصبح نموذجا عالميا في خلاف عن الشكل الذي كانت عليه مسبقا .

أيّها الغرب العنصري: لماذا لا تدفع اسرائيل فاتورة حروب غزة؟ وفاتورة الصراع المدمر والتطهير العرقي الذي تشنه على الفلسطينيين ؟  إن المنظومة الاخلاقية الفاسدة التي تتمثل في ازدواجية صارخة للمعايير مثيرة للاشمئزاز وللاستفزاز، لأنها لا تتعلق بالقوة فحسب بل بثقافة فوقية منتشرة قوامها العيون الزرقاء والشعر الأشقر. فسرعة رد الفعل الأمريكي والأوروبي وإدانة الحرب على اوكرانيا ومعاقبة روسيا مخيفة قياساً بسنوات  يطالب فيها الفلسطينيون بعدالة عالمية صورية على شكل قرار /غالبا لن ينفذ/ من مجلس الامن يدين اسرائيل.  وبينما هتافات التشجيع للمقاومة الاوكرانية والإشادات بصناع المولوتوف لمقاومة الروس، وانتشار صور الاوكرانيات وهن يمسكن السلاح أمر طبيعي ويستحق الانتشار ولا يواجه بمحاربة من الفيس بوك أو تويتر ولا تقفل صفحات التمجيد بالانتحاريين الاوكرانيين الابطال ، فإن الدفاع عن الحقوق في فلسطين فيه وجهة نظر برأي البعض و"إرهاب" برأي المعظم واتهامات بمعاداة السامية..

المشكلة الاخلاقية الغربية تمتد الى التغطية الصحفية  في كيفية اختيار المفردات بعناية لاظهار اوكرانيا المدمرة ، ومأساة النازحين، والتركيز على القصص الانسانية ودموع النساء والأطفال ،  فيما تحظى المسألة الفلسطينية والاعتداءات الاسرائيلية في أغلب وكالات الأنباء العالمية بإعادة صياغة للخبر لإظهار فريقين متساويين يقتتلان في أحسن الحالات . صحفيون ومراسلون كثر من مختلف الصحف والقنوات كالتلغراف وفرانس برس  والجارديان أبدوا تعاطفهم الكبير واستهجانهم من تعرض أوكرانيا للحرب ولمشكلات النزوح واللجوء على اعتبار أنه شيء لا يليق بأوروبا ، وكأن الحرب من تخصص الشرق الاوسط ؟ وكأن سنوات التسعينات وصراع البوسنة والصراع الايرلندي لم يكن، وكأن الحربين المدمرتين الاولى والثانية من غياهب التاريخ . كبير مراسلي قناة "سي بي اس"  الأمريكية قال أنه يجب اختيار الكلمات المناسبة للحالة الاوكرانية لأنه يتحدث عن مدينة متحضرة .. ولا أفهم عن أي تحضر يتحدث ؟ عن الدولة الأكثر فسادا في اوروبا بناء على تصنيف عالمي عام 2017؟

كان الله في عوننا وفي عون أوكرانيا وكل البلاد التي ذاقت ويلات الحرب .