عام على هبّة الكرامة: اسرائيل تستحدث التنظيم الارهابي اليهودي

تابعنا على:   08:25 2022-03-25

أمير مخول - حيفا

أمد/ بعد أشهر من المداولات برعاية الدولة، ممثلةً بقيادة الشرطة وبلدية بئر السبع وبين ضابط شرطة سابق ومسؤول حزب "عوتسماه يهوديت" الفاشي بقيادة بن غفير وسموتريتش؛ تمّ الانطلاق الفعلي لميليشيات إرهابيىة يهودية تسعى إلى "استعادة الأمان الشخصي للمواطن"، وفي قائمة الاستعارات الإسرائيلية فإن المقصود بالمواطن هو اليهودي ليس إلاّ. وتحمل الاسم العسكري "سييرت بارئيل (سرية بارئيل)" في إشارة إلى قوات النخبة، وعلى اسم القناص الإسرائيلي الذي قنصه الشباب الفلسطيني من الفتحة التي كان يطلق منها نيرانه عليهم من الجدار على حدود قطاع غزة، وذلك قبل بضعة أشهر، ففي الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر العام 2021 صرّح الشخص الذي تقود المبادرة، قائلا: "سنقيم تنيظما مسلحا لحماية سكان النقب"، قاصدا السكان اليهود.[1]

لقد اتفقت الأطراف الثلاثة؛ الشرطة، وبلدية يئر السبع، والتنظيم الإرهابي، على بنية الميليشيات، إذ دعا المبادرون إلى تسجيل المعنيين بالانضمام للمبادرة كمتطوعين في الشرطة، في حين وفّرت البلدية الجانب اللوجستي والتنظيمي، أما أتباع التنظيم الذي ورث منظمة "كهانا" الإرهابية، فإنّ دورهم بالأساس يتمثل في تجنيد متطوعين من حمَلة السلاح المرخص ويفضَّل من القناصة والذين يحترفون إطلاق النار. ويؤكد التنظيم أنه من بين مئات المتطوعين هناك مقاتلون من قوات النخبة العسكرية وحتى من "سييرت مطكال (نخبة الأركان العامة للجيش)". سيخضعون جميعا لتدريبات بالتعاون مع الشرطة، وسوف يجري توزيعهم على ثلاث كتائب، واحدة متخصصة في إطلاق النار عند الحاجة، والثانية القيام بجولات ومراقبة الوضع في النقب وتصبح قتالية عند الضرورة، والثالثة هي لوجستية غير قتالية، وقد أكد كل من بيرتس عمار قائد النطقة الجنوبية في الشرطة، وكذلك روبيك دانيلوفيتش رئيس البلدية، مشاركتهما في الاجتماع التأسيسي.

ينطلق المبادرون من أن الحافز إلى إقامة التنظيم هو "فقدان السيادة والحُكم"، و"فقدان الأمان الشخصي للمواطن"، وهي تكرار لتصريحات رئيس بلدية بئر السبع في مختلف وسائل الإعلام بأنه إذا لم تقم الدولة بدورها، فإنه سيسعى إلى تشكيل ميليشيا بلدية تقوم باستعادة الأمان، وكرر ذات الادعاءات بشأن "غياب الدولة" من النقب. وقد زادت حدة هذه التصريحات في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت حين بلغت رصاصة طائشة أطلقت في إطار الجريمة بين شبان عرب فلسطينيين، ووصلت إلى الحي اليهودي المحاذي. ولم يتوقف الأمر عند التصريحات، بل وتحوّل إلى بحث جدي مع الشرطة وقوات الأمن و"هفاعد لهتسالات هنيغف" أي اللجنة لإنقاذ النقب[2]، وهي تنظيم إرهابي قائم على اعتبار الوجود العربي الفلسطيني في النقب، غزوا، وأن القيادة العربية بما فيها من أعضاء الكنيست ضمن "المخربين"، وقد أعلن ألموغ هكوهين وهو ضابط شرطة سابق ومركز نشاط "عوتمسا يهوديت"، بأنهم سينتقلون إلى الفعل، وقريبا سوف "نطلق حملة لتجنيد جنود احتياط مقاتلين خدموا في وحدات النخبة، وبحوزة جميعهم أسلحة مرخّصة ونحمي المستوطنات والناس، لأن الحكومة غير مستعدة، ولن ننتظر أية بيروقراطية، فلا نحصل على تجاوب من الدولة. هذا الأسبوع ستمر الميزانية (يقصد الميزانيات المخصصة للعرب) مما سيعزز تلك العناصر المتطرفة التي تهدم حياتنا في النقب".[3]

بعد انكشاف المسألة إعلاميًّا بمبادرة منظمة "ديمقراطية إسرائيلية"، تراجعت الشرطة بقيادة قائد المنطقة الجنوبية الذي شارك ونسّق من قبل، عن حضور الاجتماع التأسيسي، إلا أنّ اللافت كان حجة الشرطة الرسمية، وهي أن مصادر التمويل للمجموعة تحول دون ذلك قانونيًا، ودون توضيح المقصد. إلا أن الشرطة لم تتراجع عن التنسيق ورعاية المبادرة إلى هذا الحين. بينما ناقضت البلدية أقوال الشرطة الأخيرة حين ورد في بيانها الإعلامي أن البلدية قد أطلقت على المبادرة "مبادرة سكان – متطوعين للاندماج في الأنشطة التطوعية لتعزيز الأمان الشخصي"، بل وأكدت البلدية أنّ الحديث يدور عن مبادرة طوعية خاضعة لشرطة إسرائيل وبمصادقتها وإشرافها... وفقط حين تحظى المبادرة بتصريح من الشرطة فإنها تتعاون...".

على المستوى الإعلامي تمثّل القناة الإسرائيلية "Now14" المروّج الأكثر فاعلية لهذه المبادرة، ولحزب "عوتسماه يهوديت"، وهو يضاف إلى ما تروّجه القناة السابعة من تحريض على الوجود العربي في النقب.

التنظيمات الإرهابية ليست بالأمر الجديد في تاريخ المشروع الصهيوني في فلسطين، وبعد العام 1948 كان أشهر هذه التنظيمات وأكثرها نفوذا هو التنظيم الإرهابي اليهودي، أو كما أطلقوا عليه بالعبرية "همحتيرت هيهوديت" (أي التنظيم السرّي اليهودي) الذي أقيم تنظيما سريا في نهاية السبعينيات، وبدأ عملياته الإرهابية في عام 1980، وتشكَّل من قيادات أمنية وعسكرية واستخباراتية من بين المستوطنين أصحاب العقيدة الاستيطانية الصهيونية الدينية، وقد انطلق التنظيم من أن الحاجة إليه تكمن في "فقدان الأمان الشخصي بين المستوطنين"، و"غياب الدولة" و"سياسة اليد الرخوة والتساهل مع الفلسطينيين"، ومن أبرز عملياته كانت محاولة اغتيال ثلاث رؤساء بلديات أصيب فيها الثلاثة بشكل بالغ، وكذلك الاعتداء الإرهابي الدموي بالسلاح على كلية الشريعة في الخليل، وقد ألقي القبض على أعضائها وهم بصدد تنفيذ عملية تفجير خمس حافلات مكتظة بالركاب في القدس المحتلة، بينما كان هدف التنظيم الأهم هو تفجير قبة الصخرة.

إلا أنّ ما يميز تنظيم "سرية بارئيل" هو الجانب الرسمي المرموق بحسب الرتابة الإسرائيلية؛ منصب قائد منطقة في الشرطة يضاهي لواء في أركان الجيش. إنّ تداخل الشرطة مع بلدية لا يتوقف عند التصريحات التحريضية والعنصريّة تجاه الوجود العربي في النقب، وسواء واصلت الشرطة مشاركتها في المبادرة أم ارتدعت عن ذلك، فإنها قد تورّطت في إقامة تنظيم إرهابي يهودي مسلّح، ستكون ضحاياه هم العرب الفلسطينيين في النقب، وهذا يتطلب من الجهات العربية الفلسطينية المعنية برلمانيا وحقوقيا، المطالبة بلجنة تحقيق في دور الشرطة، والكشف عن كامل دورها في هذا التنظيم وغيره. إنّ سلوك الشرطة ليس مثار تساؤل، وإنما يندرج ضمن لائحة اتهام سياسية ينبغي ملاحقتها بسبب تورطها.

ولو ألقينا نظرة على هبّة الكرامة قبل عام تقريبا، لوجدنا أنّ الشرطة الإسرائيلية حتى وإن لم تصرّح بذلك رسميا، فقد قامت فعليا بضبط إيقاع اعتداءات قطاعات عنيفة وإرهابية ومنظّمة من المجتمع الإسرائيلي، والتي قامت بمحاولة تنفيذ إعدامات ميدانية، وقامت بالاعتداءات المسلحة على الأحياء العربية في المدن الساحلية الفلسطينية التاريخية، بينما لاقت هذه السياسة تأييدا ودعما من الحكومة، وبتسامح من القضاء الإسرائيلي، وبتحريض مباشر مع المؤسسة الإعلامية. كما أنّ الأمر لا يتوقف عند هذا التنظيم حصريا، بل إن الجيش الإسرائيلي قد اعتبر هبّة الكرامة بمثابة جبهة حرب جديدة ينبغي أن يتعاطى معها ضمن استعداداته العسكرية المستقبلية.

في مقابلة حصرية للقناة ذاتها، بتاريخ 15 آذار/ مارس 2022 صرّح الجنرال أمير كوهين قائد لواء "حرس الحدود" في إشارة إلى عدوان "السور الواقي (المسمى العبري للعدوان الأخير على غزة)"، مؤكدا أن المواجهات في الداخل ستكون مسقبلا أكثر عنفًا، وأن "ما حدث في شهر أيار/ مايو العام الماضي قد يتجدد، وسيكون أكثر قوّةً، من حيث العنف (ويقصد عنف الفلسطينيين العرب تجاه الدولة)، مع استخدام الوسائل القتالية على مستوى أوسع وأكثر خطورة". وفي المقابل، اجتمع في اليوم ذاته قائد الأركان العامة لجيش الاحتلال، أفيف كوخافي مع رؤساء المجالس الاستيطانية في الضفة الغربية ليشير إلى احتمالية اندلاع مواجهات كبرى وإلى أنّ "الجيش سيضمن أمنهم".[4]

التمويل

معظم الدعم المالي للمبادرة هو من جمعية موسري - التنظيم اليهودي لحقوق الإنسان (جمعية مسجلة)، وهي كما تعرّف نفسها "جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان ورفع المظالم بناء على تعاليم التوراة"، وهي جمعية تحمل روح "عوتسماه يهوديت"، ويصل مجمل تمويلها من "مصادر محلية"، وفي العام 2020 بلغت دورتها المالية (4,141,287 شيكل) أي نحو 1.4 مليون دولار، وبذلك تأتي في التدريج السابع من حيث حجم الميزانية، مقارَنةً بجمعيات أخرى في البلاد؛ أي أنها من الجمعيات الغنية. وبحسب المعطيات، وكما يبدو هي الأولى لناحية الاعتماد على التمويل "المحلي". ويبقى المجال للتساؤل: لماذا أعلنت الشرطة أنها ستمتنع عن مشاركة قادتها في الاجتماع التأسيسي الرسمي، وفي اللحظة الأخيرة وبحجة التمويل الذي لا يمكن إلا أن تكون مطّلعة عليه منذ البداية، فهو متوفر على موقع مسجل الجمعيات.[5] وهل عدم المشاركة تعني تغييرا في توجه الشرطة، أم تكتيكا لتحاشي الفضيحة؟ إن هذا التمويل يؤكد وجود منظومة متكاملة وليس مجرد نزوة أو رغبة شخصية، وإنما هناك مستوى من التنظيم يهدد باستهداف حياة الفلسطينيين ووجودهم في النقب وفي كل أنحاء البلاد، ولديه جهوزية عنيفة، كما أن لديه شبكة من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية المعنية بالمبادرة، وهي الوحيدة التي تم الكشف عنها، في حين قد يتستّر الواقع الإسرائيلي العدواني العنصري على الكثير من مثيلاتها.

في إحدى تصريحاته، أكّد المبادر ألموغ هكوهين وهو يحفّز المنضمّين للتنظيم الإرهابي: "أنتم الشرطي والقاضي والجلاد". وفي إسرائيل بات القضاء والشرطة والجلادون وِحدة واحدة تُنتِج منظومات إرهابية على شاكلة ما نحن بصددها.

ملاحظة: تمّت كتابة هذا المقال قبل عملية بئر السبع، والتي في أعقابها بات التنظيم الإرهابي "سرية بارئيل" مطلب الساعة الإسرائيلية العنصرية، وتروّج لها المؤسستان الإعلامية والسياسية، لتقوم بـ"حماية اليهود" كما لو كان المجتمع الإسرائيلي ضحيّة ضحاياه. بينما النداءات الدموية تؤكد أن ميليشيا "بارئيل" هي مشروع دولة وروح القطاعات والمنظومات المهيمِنة في المجتمع الإسرائيلي.

كلمات دلالية

اخر الأخبار