تركيا تعتلي المنزلق الإسرائيلي

تابعنا على:   20:55 2022-03-17

جمال زحالقة

أمد/ جاءت زيارة الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى تركيا، الأسبوع الماضي في إطار مساع تركية لترتيب علاقاتها الإقليمية من جديد، وقد سبق ذلك زيارات متبادلة مع القيادة الإماراتية واتصالات جدّية لتحسين العلاقات مع مصر والسعودية، وهناك بوادر على محاولة لتخفيف التوتر مع اليونان.

وتندرج هذه الزيارة ضمن حسابات دولية وإقليمية وداخلية للرئيس التركي الطيب رجب أردوغان ومخططي السياسة والاستراتيجية، في موقع اتخاذ القرار في أنقرة. وهي، في المقابل، لا تعكس أي تغيير في الرأي العام وعند الشعب التركي، الذي ما زال بغالبيته الساحقة مناصرا للقضية الفلسطينية، ورافضا لسياسات التهويد والاحتلال والحصار والاستيطان الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن قراءة القيادة التركية والتشخيص الإسرائيلي لتداعيات الاجتياح الروسي لأوكرانيا، ولإمكانية إيران نووية وللمصالح الاقتصادية والأمنية، تدفع باتجاه تطوير العلاقات المتبادلة، فإنّ الشعب التركي لن يسكت، ما إذا حدثت مواجهات، ولن يستطيع أردوغان عندها تجاهل غضب الشارع، خاصة أنّ الانتخابات الرئاسية ليست بعيدة. لقد حاول الكتاب الصحافيون الموالون لأردوغان، وصف ما يحدث على محور العلاقة بين تركيا وإسرائيل بأنه ليس تطبيعا، في محاولة لتبرير التناقض بين الهجوم الشرس الذي شنّته قيادة حزب العدالة والتنمية، وفي مقدمتهم أردوغان نفسه، على التطبيع العربي، والاستقبال الحافل للرئيس الإسرائيلي في القصر الرئاسي في أنقرة. ويمكن تلخيص ما سطّره هؤلاء بثلاث نقاط:

الأولى، إن هناك فرقا بين الاستمرار في علاقة قائمة وإنشاء علاقة جديدة، ولكن هذا الادعاء هو إدانة للموقف التركي التاريخي، وليس تبريرا له. فتركيا هي من الدول الآسيوية (ناهيك من الإسلامية) القليلة، التي لم تنقطع علاقتها بإسرائيل على مرّ أكثر من سبعين عاما، أي منذ اعترفت بها عام 1949، ومنذ افتتحت سفارتها في تل أبيب سنة 1950. صحيح أن تركيا احتجّت ورفعت صوتها ضد جرائم حرب إسرائيلية، لكنّها لم تجدها سببا كافيا لقطع علاقاتها بالدولة الصهيونية.

ارتكز خطاب التيار الإسلامي والتيار اليساري في تركيا إلى أن فلسطين هي قضية قومية مركزية بالنسبة لتركيا، وهذا خطاب ينبع من قناعات راسخة وعميقة

الثانية، إن تركيا إذ تواصل علاقتها بإسرائيل فهي لا تنسى فلسطين، وحين سيزور وزير الخارجية التركي إسرائيل، كما جرى الاتفاق خلال زيارة هرتسوغ، فهو سيعرج على رام الله أيضا، وحتى لو وجد ترميم العلاقة التركية الإسرائيلية، قبولا فلسطينيا، عبر استحسان وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي، وعبر صمت حركة حماس، فإنّ هذا لا يمنح الشرعية للاقتراب التركي لإسرائيل، لأنّ المعادلة (التي تفرضها إسرائيل) هي ببساطة، أن تقوية دولة الاحتلال تأتي دائما على حساب القابعين تحت الاحتلال. وإذا كان البعض يعوّل على استغلال تركيا لعلاقاتها مع إسرائيل للوساطة والتأثير، فإنّ النتيجة الفعلية ستكون ـ في أحسن الأحوال ـ ربحا استراتيجيا واقتصاديا وسياسيا وأمنيا كبيرا لإسرائيل مقابل بعض الفتات «الإنساني» لفلسطين. ومن الأجدر بالمبررين الأتراك وبالمستحسنين الفلسطينيين أن يبحثوا عن ادعاءات أفضل، وأن لا يستخفّوا بعقول الناس، ويقولوا إن الشعب الفلسطيني يستفيد (!) من عودة العلاقة التركية الإسرائيلية إلى الأيام الخوالي.

الثالثة، إن تركيا ترمم العلاقة بندّية، وهي لن تشارك في تحالف بقيادة إسرائيل، كما يفعل المطبّعون العرب. وهنا يجب الانتباه إلى بعض الدعوات الإسرائيلية إلى علاقة تحالف «ندّية» بين الطرفين لقيادة ما يسمّى بمعسكر الدول السنّية (العربية طبعا) المسكون بهاجس الخوف من إيران. هذا مستبعد، حاليا على الأقل، لكن التحالف ليس أهم العلاقات بين الدول، وكثيرا ما تكون دول حليفة عبئا على حلفائها. المهم هنا هو أن حجم ووزن العلاقات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل هو حاليا ضخم وترميم العلاقات سيجعله أضخم وأوسع، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، وهذا في السطر الأخير يزيد من قوّة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. ولو تعاملنا مع الموقف الرسمي التركي بمنطق النقد المحايث، نجد تناقضا بين القول بالسعي إلى تحقيق السلام، وفعل يناقض ذلك، لأن الفعل التركي، بالنتيجة، يقوّي إسرائيل ويجعلها أبعد عن «السلام» وأقل استعدادا للتزحزح عن مواقفها.

لقد احتفت بعض النخب التركية بالتقارب بين تركيا وإسرائيل، لأنّه كما قيل، يبشر بتحول من سياسات عاطفية وانفعالية وشعبوية، نحو توجهات وصفتها بأنّها «عقلانية وبراغماتية ومتزنة» وإلى عودة إلى الاستناد إلى «المصالح القومية التركية» في صياغة السياسات الخارجية. وهذه هي النخب نفسها، التي دعت إلى اتخاذ موقف محايد في القضية الفلسطينية، وهذا في الحقيقة أقصى ما تحلم به إسرائيل في علاقتها بتركيا: حياد سياسي وتعاون مستمر في المجالات كافة. ويدعو «المحايدون» الأتراك إلى الاكتفاء بموقف خامل داعم للشرعية الدولية ولمسار تفاوضي، واستغلال علاقة محسّنة مع إسرائيل للعب دور وسيط راع لمفاوضات مستقبلية. ومن مصائب الحالة الفلسطينية أنه بمجرد سماع كلمة مفاوضات، تدّب الروح في بعض القيادات الفلسطينية المدمنة على التفاوض، فتبدأ بالاحتفال وبالرقص على أنغام الأوهام.

لقد ارتكز خطاب التيار الإسلامي والتيار اليساري في تركيا إلى أن قضية فلسطين هي قضية قومية مركزية بالنسبة لتركيا، وهذا ليس خطابا لكسب الأصوات فقط، بل ينبع من قناعات راسخة وعميقة. وفي استطلاع للرأي العام أجري العام الماضي حدّدت الغالبية الساحقة من المستطلعين أن لتركيا ثلاثة أعداء: الانفصاليون الأكراد واليونان وإسرائيل. وتكرر تصنيف إسرائيل في طليعة قائمة أعداء تركيا في كل الاستطلاعات، وليس من المتوقّع أن تأتي استطلاعات هذا العام بنتائج مخالفة. من هنا فإن مواقف القيادات التركية المعروفة ضد ما تقوم به إسرائيل، هي تعبير عن رأي الشارع، في حين أن المصالحة المجدّدة معها لا تعبّر عن روح الشعب.

كل من التقى قيادات حكومية ومعارضة يسارية في تركيا، بمن فيهم الرئيس رجب الطيب أردوغان، فهم وأحسّ بأن موقفها الحقيقي هو مع فلسطين ضد إسرائيل وبأن القدس غالية عليها، وبأن مصير شعب فلسطين وأطفال فلسطين يحزّ في نفسها، وأن خطاب مناصرة فلسطين ليس خطابا شعبويا، بل خطابا شعبيا. إذن لماذا أقدم أردوغان على عناق مجدد مع رأس الدولة الصهيونية؟ التبرير المتداول هو أنّه براغماتي، ولا يجد حرجا في تغيير سياساته وتحالفاته وفق المصلحة. ووفق هذا التبرير لتركيا مصالح كبرى في الخروج من عزلتها، وفي تحسين علاقاتها في المنطقة، وقد فعلت ذلك أيضا مع الإمارات والسعودية ومصر. كما أن تركيا تريد الحفاظ على مصالحها في حقول الغاز في شرق المتوسط، خاصة وأنّ ضعف علاقاتها الإقليمية قد خلق فراغا استفادت منه دول منافسة، وبالأخص اليونان. ويسعى أردوغان كذلك إلى الاستفادة من تعاون مع إسرائيل لتحسين صورته في واشنطن الغاضبة عليه، والحصول منها على ما يريد من طائرات ومعدّات عسكرية متطوّرة.

كل ما قيل وسيقال عن أن التقارب مع إسرائيل هو تجسيد للمصلحة القومية التركية لا يسوّغ المصالحة مع الكيان الإسرائيلي. ولا يصح القول إن تطوير العلاقة بإسرائيل لا يضر بقضية فلسطين. لقد وصل التبادل التجاري ما بين تركيا وإسرائيل العام الماضي حوالي 8 مليارات دولار، وقد أعلن أردوغان أنه يسعى إلى أن يتجاوز 10 مليارات هذا العام وأن يتضاعف لاحقا. فهل يمكن الحديث عن أنّ هذا العلاقات الاقتصادية هي مع «إسرائيل» الخيالية في حدود 1967؟ بالطبع لا. العلاقة هي مع «الكيان الإسرائيلي» الذي يخنق كل الشعب الفلسطيني عبر حصار غزّة، والاستيلاء على القدس، واحتلال الضفة وتفتيتها، وفرض نظام التمييز العنصري على فلسطينيي 48 والتحكّم بالشتات الفلسطيني عبر حرمانه من العودة، وحتى من زيارة الوطن. إن أي تعاون مع إسرائيل هو تعاون مع هذا الكيان برمّته وترسيخ له أكثر فأكثر.

هناك بدائل في الواقع لهذه البراغماتية البائسة، وهي تبدأ بمد الجسور إلى إيران وإلى العالم العربي، والشعوب تساند هذا التوجّه، خاصة وأنّه يستثني إسرائيل وكفيل بلجمها ولجم عدوانها. تركيا تحديدا تستطيع أن تلعب دورا تاريخيا في جمع العرب والفرس والأتراك، أهل المنطقة وصناع حضاراتها، وهذه براغماتية ستعود على تركيا وغيرها بالفائدة المستدامة، وليس مثل البراغماتية البائسة، التي لن يستفيد منها سوى النظام الإسرائيلي.

كلمات دلالية

اخر الأخبار