عذراء حارتنا

تابعنا على:   19:58 2022-01-21

عمر حمش

أمد/ عذراء مخيمِنا ولدت ولدا .. بلا ترقب ولا انتظار، ولمّا حارت الناس، وسؤال الشكّ علا، خرجت عذراء حارتنا بثياب بيضاء إلى العتبة.
واثقةً خرجت، ترفع ذراعيها، اقتربوا، ربّما ارتجفوا، أمّا أنا فاندفعتُ ..
رأيت لحية شيخ الحارة تهتزّ، وهو يصيح تحت عصاه المرتفعة:
- من أبوه؟
لم تتزعزع، ورمته بعينيها، ثمّ زمّت شفتيها، ولم أدر أكانت تعاتبه، أم تغازله، ضحكتْ، ثمَّ قالت:
- يا شيخ، هذا ابني بلا أب.
وتثنّت، وهيّ تفجر قنبلتها:
- هوّ مهديكم المنتظر .
رقص الشيخُ، وعصاه تحوم على عينيه، وماجت ساقاه في الدشداشة.
النسوة ألغين الهمسّ، وبدأن يزغردن، ثم جرين؛ ليعبرن الكوخ، ودخلت لأراهنّ؛ يلثمن يديه، ويلامسن لفافته.
في اليوم التالي زحف اللاجئون إلى محرر البلاد، ليجدوا أمّه تستقبلهم، وتوزع هدايا السماء.
هذا منديلٌ من أمّنا عائشة.
وذاك من السّيدة زينب.
ومن أمّ المسيح زجاجة عطر فوّاح.
ضجّ الناس لكلّ منديل، وفي الأركان المجاورة؛ هزجوا في حلقات.
أنا عقلي طار، صرتُ صرصارا في حارتنا الصغيرة التي اندفقت عليها الحارات.
شارعنا الترابيّ ظلّ يأتيه كلّ من هبّ ودبّ، حتى جاءتنا فجأة موتوسيكلات تحوّط سيارة طويلة، عفرتنا عجلاتُها المزمجرةُ بالتراب.
ولهثت أنا، ورأيت رجلا هائلا نزل .. ثمَّ سمعت المتراجعين يقولون: الحاكم.
تسللت بين الأرجل، وتقرّبت .. تقرّبت؛ وصرتُ بين ساقيّ الحاكم .. رأيت خديه الكبيرين، وكان ينظر اتجاه سرير المهدي، وكان المهدي يتمطى؛ ثم يموء .. تثنّت عذراء حارتنا، و ماجت ذراعاها على خاصرتيها، لكنّ الحاكم المصريّ صاح، وقال كلاما عقلي لم يفهمه، ثمّ مضى مع موكبه.
ودهشت أنا من أمّ المهدي التي أخذت تطأطىء!
حارتنا هدأت، عادت خالية، إلا من أهلها .. أقعى الرجال تحت جدران الأكواخ واجمين، وفقط بعض الشبان ظلوا ينقّلون عيونا مترصدةً العتبة، وأمّا النسوة فعدن يرقعن ملابسنا، ويرقبن موعد استلام تموين الأمم المتحدة.
وأنا ..
أنا عدتُ أنططُ في قلبي فرخَ نسرٍ، أهاجم في النهار الرمل، وفي المساء أحدّقُ في قمر البلاد الهالك.

كلمات دلالية